سلمان رشدي أو عودة طائر الفينيق

سلمان رشدي أو عودة طائر الفينيق

باريس- المعطي قبال

بعد محاولة الاغتيال التي تلقى خلالها 15 طعنة سكين كادت أن تودي بحياته في 12 من شهر غشت الماضي بنيويورك، يطلع علينا سلمان رشدي بكتاب جديد، “لغات الحقيقة”- 400 صفحة. منشورات أكت سود. ترجمة جيرار موديل)،

هو ثمرة مشغول كتابي دام لمدة 17 عاما. ويغطي الكتاب المرحلة الواقعة بين 2003 و 2020 . وقد جمع فيه الدروس، المحاضرات، المقالات، ومقدمات الكتب التي استهل بها بعضا من كتبه أو كتبا أخرى.  وفي كل مرة يعرض علينا الكاتب وجها من وجوهه الإبداعية العديدة فهو تارة مؤرخ وتارة أخرى حاكي أو ناقد لكتابه المفضلين. وهو بذلك ومن خلال تقاطع عدة ميادين إبداعية وعدة أصوات يفتح للقاريء باب محترفه الشعري الذي يشبه مغارة علي بابا. هذه النصوص التي تجمع للمرة الاولى هي بمثابة احتفاء بالإبداع وحرية الإبداع في زمن أضحت فيه حرية الكائن مهددة. وإن غير سلمان رشدي جنسيته وحصل على الجنسية البريطانية ثم الأمريكية، فلم يغير هويته الهندية. وفي هذا النص ينساق الكاتب إلى الهند لينهل من مخيالها الثري، المختلط والهجين.

لذلك فمسألة المبدع بما هو ذات تعددية تجد في نموذج سلمان رشدي تجسدها الأمثل. أما الكاتب أو المبدع الأحادي (اللغة، المنهل، المرجعية) فيبقى محصورا في إقليميته أو قوميته الضيقة. من هنا تسريب أو ضخ كلمات أو عبارات من لغة الأوردو في اللغة الإنجليزية. الكاتب أيضا هو ما يقرأه. طبعا هناك كتاب لا يقرأون البتة ومع ذلك يكتبون كتبا قيمة. سلمان رشدي ليس من هذه العينة، بل تربطه بالكتاب أو بكتب الأخرين علاقات حميمية. لأن هذه الكتب هي معين للإبداع وفي نفس الوقت رابطة لصداقات قوية. وقد رأى ذاته في كتب كل من شكسبير، ثيرفانتيس، فولكنر، بيكيت، نابوكوف،  فيليب روث، كونديرا الخ… التي خصصها بمقال أو بقراءة نقدية. كما أن ألف ليلية وليلة كانت بالنسبة له مرآة الإبداع الخيالي الراقي. عشق سلمان رشدي للحكايات القديمة يعود بالكاد إلى مرحلة الطفولة لكن لهذه المحكيات سلطة قوية على مخيل الشعوب نظرا لتكييفها وتأثيرها على الأذهان والعقول. ذلك أن كل من يدخل عليها تحديثا إلا ويصدم عقلية هذه الشعوب. وهذا ما حدث مع روايته آيات شيطانية. لذا فالحكايات بالنسبة له هي « لغات الحقيقة ».

في أزيد من 400 صفحة واربعة أقسام رئيسية، يدعونا رشدي إلى مرافقته في تأملات الشجاعة، الحرية، الحقيقة. وتبدو هذه الأخيرة في تصوره رهانا أساسيا يجب النضال من أجله بغية إزالة غشاوة الكذب والتزييف. لذا فإن رحلته الطليقة في دروب الرواية والإبداع لا تزال مستمرة رغم كبوات التهديد بالقتل، المحاصرة والرقابة.

Visited 19 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".