صلاحيات حكومة تصريف الأعمال والفراغ الرئاسي

صلاحيات حكومة تصريف الأعمال والفراغ الرئاسي

د. وفيق ريحان

يثور الجدل حول حدود صلاحيات حكومة تصريف الأعمال في ظل الفراغ الرئاسي بين أقطاب سياسية أساسية في هذه الظروف الدقيقة والحساسة التي تحيط بأوضاع لبنان على كافة الصعد.   لذلك لا بد من العودة الى الأصول الدستورية من أجل الوقوف على حقيقة ما يجري في لبنان.  

فلقد أنيطت السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وفقاً للمادة 17 من الدستور اللبناني، المحدد بموجب (القانون الدستوري رقم 18 الصادر في 21 أيلول عام 1990) بعد مؤتمر الطائف، وفي حال خلو سدة الرئاسة لأي سبب كان، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء، وفقاً     (للمادة 62) من هذا الدستور. وحيث ينبغي العمل سريعاً على إنتخاب رئيس جمهورية جديد للبلاد، وتكون الحكومةالحالية خلال الفترة الواقعة بين خلو سدة الرئاسة حتى إعادة إنتخاب الرئيس الجديد وإعادة تشكيل حكومة جديدة وفقاً للأصول الدستورية،حكومة تصريف للأعمال التي إعتبرت مستقيلة بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة وتشكيل مجلس وزراء جديد، وحيث أعيد تكليف رئيس الحكومة الحالي السيد نجيب ميقاتي برئاسة الحكومة المزمع تشكيلها وفقاً للأصول، إلا أن نهاية عهد رئيس الجمهورية السابق السيد ميشال عون دون التمكن من تشكيلها قبل الدخول في فترة الفراغ الرئاسي، تداركاً لأية إنعكاسات سلبية على حسن سير المرافق العامة الإدارية للدولة ومؤسساتها العامة والإرتدادات العكسية على المستوى الإقتصادي والمالي والنقدي والإجتماعي والمعيشي للبلاد، بالإضافة الى تسارع وتيرة التوترات الأمنية في مختلف المناطق اللبنانية، وفقدان ثقة العالم بدولتنا التي أصبحت عاجزة عن التصدي لهذا الكم الهائل من الأزمات المتفاقمة في ظل الفراغ الرئاسي، وضعف صلاحيات حكومة تصريف الأعمال في مواجهة الأزمات المحدقة، وإستجداء الخارج لمد يد المساعدة للبنان وإخراجه من النفق الأسود الذي دخلنا إليه في هذه المرحلة، وحيث يستدعي ذلك وبالضرورة الإسراع في عملية إنتخاب رئيس توافقي جديد للجمهورية، يتمتع بالمواصفات المطلوبة للإنقاذ والإصلاح والتغيير، وبرؤية إقتصادية وسياسية تؤهله لإجتياز هذه المرحلة بنجاح. 

في ظل هذا الواقع الأليم الذي يحيط بالوطن والمواطن، والمراوحة في إنتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعد تعدد الجلسات الإنتخابية الفاشلة وحتى أيامنا هذه، يطرح موضوع حدود صلاحيات حكومة تصريف الأعمال الحالية، ضمن الإطار الضيق، وحول إمكانية منحها بعض الصلاحيات التصرفية الى جانب تصريفها للأعمال الإدارية والروتينية للإدارات العامة، كي لا تصاب البلاد بالشلل التام، أو تجنباً للفراغ المميت في حياة الإدارة والمجتمع. 

ولقد حددت (المادة 64) من الدستور جميع الصلاحيات التي يمارسها رئيس مجلس الوزراء في الأحوال العادية، كترأس جلسات مجلس الوزراء ونيابة رئاسة المجلس الأعلى للدفاع، وإجراء الإستشارات النيابية لتشكيل الحكومة، وطرح سياسة الحكومة أمام مجلس النوابلنيل الثقة، والتوقيع مع رئيس الجمهورية على غالبية المراسيم ودعوة مجلس الوزراء الى الإنعقاد ووضع جدول أعماله، وإطلاع رئيس الجمهورية والوزراء عليه مسبقاً، ومتابعة أعمال الإدارات والمؤسسات العامة وعقد الجلسات مع الوزراء المختصين وخلاف ذلك من الصلاحيات الإدارية والمالية والتنظيمية. 

ولقد أشارت (الفقرة 2 من المادة 64) الى ما يلي: ” لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد إستقالتها أو إعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال”.

فما هو المقصود من هذا النص الدستوري؟ يقصد بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال، ما إستقر عليه الفقه والإجتهاد الإداريين، بالتمييز بين نوعين أساسيين من الأعمال الإدارية، وهي الأعمال الإدارية العادية أو الروتينية، والتي تدخل حكماً في نطاق تصريف الأعمال الإدارية اليومية التي يعود للسلطة الإدارية القيام بها بحسب صلاحياتها، كي لا تقع الإدارات العامة والمؤسسات العامة في الفراغ أو الشلل الإداري، وبالتالي عدم حسن سير العمل الإداري والإضرار بمصالح الجمهور، وإن هذا المفهوم يحد كثيراً من صلاحية إتخاذ القرارات التصرفية والتي يكون لها آثار مالية أو قانونية تبدل في الأوضاع القائمة بصورة جذرية. أما النوع الثاني، فهو يتعلق بالأعمال الإدارية التصرفية التي لا تعتبر من قبيل الأعمال العادية ذات الصلة بتصريف الأعمال الإدارية الروتينية، بل هي تهدف الى إحداث أعباء وآثار جديدة مالية وإدارية وتنظيمية لا يمكن للحكومة أو الوزراء القيام بها إلا في ظل وجود حكومة كاملة الصلاحيات، كالقيام بعقد صفقات أو إجراء عقود إدارية ترتب أعباء مالية جديدة عالية المستوى على الدولة، أو إتخاذ قرارات بتعيين موظفين أو متعاقدين أو أجراء تعديلات جوهرية في الأنظمة الداخلية وشؤون الموظفين أو المستخدمين، وإحداث أوضاع قانونية مستجدة أو تغيير في مواقع إدارية ثابتة ومستقرة. 

إن هذه الفئة من الأعمال تتجاوز حدود الأعمال الإدارية العادية دون شك. إلا أن النظريات الإجتهادية الحديثة المتعلقة بالظروف الإستثنائية ذات الإرتباط الوثيق بالحفاظ على النظام العام، كالأمن العام والسلامة العامة والصحة العامة وتدابير الضرورة التي تفرضها تلك الظروف،والتي لا تحتمل التأجيل أو المماطلة، فمن الجائز القيام بها ضمن ضوابط معينة ومحددة، يجيزها رئيس الحكومة للوزراء المعنيين بعد موافقة رئيس الجمهورية عليها أيضاً، كما أن المهل المحددة في القانون أو الأحكام القضائية المبرمة والنهائية، والتي في حال إهمالها أو تجاوزها قد تؤدي الى إسقاط الحقوق المكتسبة أو إبطال مفاعيل الأحكام ذات الصلة، فيجوز للإدارة تداركها وفقاً لمقتضيات شروطها ومعايير تطبيقاتها العملية حفاظاً على الحقوق المكتسبة، وإستقرار المعاملات الإدارية والإلتزام بتطبيق أحكام القانون. 

واللافت هنا، أن حالة تصريف الأعمال التي تضمنتها (الفقرة 2 من المادة 64 من الدستور)، على النطاق الضيق، تؤسس على إناطة هذه العملية الرقابية برئيس الجمهورية بالتنسيق والمشاركة مع رئيس الحكومة، لكن الواقع حالياً أن لا وجود لرئيس الجمهورية في هذه المرحلة، وحيث ينبغي عدم الوقوع بالفراغ تحت أي عذر أو سبب والعودة الى النص الدستوري الأساسي الذي تنطوي عليه (المادة 17) من الدستور، التي أناطت السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً والتي يتولاها وفقاً للدستور، وحيث لا مشاركة هنا مع رئيس الجمهورية في ممارسة السلطة التنفيذية بسبب الشغور الرئاسي، وأنه فيما لو إستمر التدهور في الأوضاع الإدارية والأمنية والإقتصادية لفترة طويلة، وتفاقمت حالة الضرورة القصوى للإمساك بالنظام العام وعدم الإخلال به على جميع الأصعدة، والحفاظ على حسن سير المرافق العامة للدولة، وفي ظل الأزمة السياسية المتمثلة بعدم القدرة حتى اليوم على إنتخاب رئيس جديد للجمهورية، فإن الضرورات سوف تبيح المحظورات من أجلتأمين المصلحة الوطنية العليا، لكن ذلك لن يكون بمعزل عن سلطة المجلس النيابي الذي يمكنه أن يشرع للحكومة الحالية القيام ببعض الأعمال التصرفية الضرورية والجوهرية في مواضيع محددة ولمدةزمنية محددة، وفي ظل رقابة القضاء المختص والأجهزة الأمنية والعسكرية كافة، ريثما يعود الإنتظام العام للدولة بإنتخاب الرئيس الجديد وإعادة تشكيل الحكومة وفقاً للدستور.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. وفيق ريحان

أستاذ جامعي