عن الطيب صالح و “منسي” ولبنان

             عن الطيب صالح و “منسي” ولبنان

   أفق يكتبه: صدوق نورالدين

 1/

     يمكن القول بأن الكتابة السردية الروائية تعد التمثيل الأقوى لرسم صورة عن الواقع في تحولاته كما عن صراع الإنسان الحياتي في محاولته تأكيد حضوره. وبالتالي، مجابهته لما يمكن أن يشكل عراقيل تحد من مطامحه وتطلعاته. من ثم، راهنت هذه الكتابة على فعل التخييل بغاية تقريب الواقع جماليا، وخلق متلق يتفاعل والمتعة الأدبية الإبداعية. هذا المتلقي الذي يخبر مجريات الواقع وتفاصيله، لولا أنه لا يملك العين ذاتها. العين الإبداعية التي تجيد الكتابة، التوظيف، الترتيب وحسن الإبلاغ والتبليغ. وثم التفاوت بين الرؤية الإبداعية والعادية. ولعل ما يمكن إضافته، الرؤية التنبؤية التي تتفرد بها الكتابة السردية الإبداعية، و ثمة أكثر من نموذج على مستوى الأدب العالمي والعربي.

2/

    على أن ما اقتضى هذا التقديم لحظتان:

أ _ العودة إلى قراءة نص الروائي السوداني الراحل “الطيب صالح” (“منسي”/ رياض الريس/ 2004). ويعد آخر ما نشره قبل وفاته، علما من ناحية بصعوبة تجنيسه، وبرغم الصيغة الروائية، إذ يبدو أقرب للسيرة الغيرية في تناوله محطات من حياة شخصية “منسي” الغريبة، والتي موضعها “الطيب” بين مسافتين: واقعية و خيالية، خاصة وأن كل ما يرتبط بهذه الشخصية المصرية حقيقي وساخر لولا أن ما تقدم عليه في جرأة نادرة يجعلها أقرب للخيالية. بيد أننا و من خلال هذه الشخصية، نستكمل ما وقف عليه النقد الأدبي العربي و هو يقارب رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال”، دون تمثل بقية آثاره الإبداعية المتميزة.

ب _ وأما اللحظة الثانية، فيجسدها ما يعيشه “لبنان” من مظاهرات واحتجاجات على الفساد السياسي. ذلك أن الراحل “الطيب صالح” في “منسي”، يصف الواقع اللبناني في أرقى لحظاته لما بعث منتدبا من طرف القسم العربي التابع لهيئة البريطانية. وهو الوصف الذي أوحى/ يوحي بما يمكن أن يصار إليه مستقبلا. يقول:

“.. ولبنان كأنه في حلم جميل لن ينتهي. المال يتدفق من كل الجهات، كما قال الشاعر القطري “البيت فاض ومصب السيل لبنان” والمصارف لا تدري أين تضع “البيزات”، والليرة مثل الذهب، والمطاعم  والمراقص والملاهي غاصة بالخلق من مغيب الشمس حتى مطلع الفجر، ونساء بيروت على طول الساحل يستقبلن شمس البحر المتوسط وكأن الرغد يدوم إلى الأبد، وكان أخونا نزار قباني يكتب شعرا يبكي العذارى في خدورهن ويجعل العجائز يتحسرن على شبابهن، وقال بيتين سار بهما الركبان :

أيلول للضم/ فمد لي زندك ، هل أخبروا أمي/ أني هنا عندك.” (ص/35).

3/

    إن ما يستشف من هذا المشهد الوصفي الدقيق، الإحاطة الشمولية بالواقع اللبناني اقتصاديا، اجتماعيا و ثقافيا، وآثار ذلك على السياسي. فالجملة “ولبنان كأنه في حلم جميل لن ينتهي”، ترتبط بـ” وكأن الرغد يدوم إلى الأبد”. إنها قراءة توقعية في واقع الحال، بل هي التنبيه إلى ضرورة الحيطة والحذر مما يمكن أن ينتهي إليه ترف و إسراف على هذا الشكل وهذه الصورة. والأصل أن نموذج هذا البعد التوقعي، لا يمكن تحققه واكتماله، إلا بالرهان على القدرة الإبداعية في / وعلى الخلق والتخليق  لولا أن ما يؤسف له كون درس الإبداع _ وباستمرار _ يظل غريبا عن الواقع العربي  بالرغم من خاصاته و سماته الرمزية البعيدة المدى.

4/

    يبقى القول بأن نص “منسي” ومن منطلق كونه آخر ما أبدعه الرائد “الطيب صالح”، قد دل على الكفاءة الإبداعية ذاتها التي عرف بها مبدع كـ”الطيب صالح”، ومنذ “موسم الهجرة إلى الشمال” إلى

  • الثلاثية (“عرس الزين”، “ضو البيت”، “مريود”).
شارك الموضوع

صدوق نور الدين

ناقد وروائي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *