رهانات الاحتفالية ورهانات الاحتفاليين

رهانات الاحتفالية ورهانات الاحتفاليين
 
 
طنجة عاصمة احتفالية
 
د. عبد الكريم برشيد
 
   ليلة الثلاثاء، 24 فبراير من سنة 2023 لم تكن ليلة عادية، والعادي في شرع الاحتفالية لا يعني شيئا، ولا يقول أي شيء من الأشياء، ولأنه بلا قيمة ولا قامة، فإنه لا يلتفت إليه التاريخ، ولا يحكيه الحكواتيون، ولا يرويه الروائيون، وفي تلك الليلة كان مولانا التاريخ حاضرا بكل تأكيد، ولقد رأيته في عيون الحضور، وفي أسئلتهم وفي تساؤلاتهم وفي صمته الناطق بأصدق اللغات.
   تلك الليلة التي نظمها بيت المبدع بمدينة طنجة، والتي اطرها الدكتو عبد النور مزين والأستاذ رضوان احدادو والدكتور يوسف الريحاني وعبد الكريم برشيد، كانت ليلة احتفالية بامتياز، ولقد عاشت الاحتفالية فيها ساعات عيدية واحتفالية صادقة وحية وشفافة، ولقد كان كل ذلك في مدينة احتفالية اسمها طنجة، حيث يلتقي الماء مع الماء، ويعانق البحر المحيط، وكان حضورا مع أجساد وأرواح احتفالية جاءت من مدن مغربية متعددة، من الدار البيضاء وتطوان ومن القصر الكبير والعرائش ومن مشرع بلقصيري والخميسات وتازة، ولقد حضرت أسماء وازنة في المشهد الثقافي والعلمي والفني المغربي، وتيقن الجميع بأن الفن الحقيقي لا يمكن أن يكون بغير احتفالية وبغير طقوسية وبغير عيدية وبدون مناخ عام وبدون حالات مشتركة ومقتسمة.
   هذه الاحتفالية، لمن يريد أن يعرف، هي أصلا اختيارات فكرية وأخلاقية جادة، وهي رهانات علمية وجمالية صادقة، وهي بالإضافة إلى ذلك قراءات وتوقعات بدرجة نبوءات، وبهذا يكون من الواجب أن يسأل السائل:
   ما الذي راهنت عليه هذه الاحتفالية، في مسيرتها الوجودية والفكرية والجمالية والأخلاقية، حتى استطاعت أن تحيا وتعيش، وأن تملأ الدنيا، وأن تشغل الناس، وأن تشغل البلاد والعباد، وأن تحرك النقد المغربي والعربي، وذلك على امتداد خمسة عقود؟
هذه الاحتفالية قرأت ذاتها أولا، وعرفت أنها أساسا صيرورة متحركة أكثر منها كينونة ثابتة وجامدة ومتوقفة، وبذلك فقد راهنت على الزمن، وذلك في حركيته وفي تمفصلاته وفي منعطفاته وفي منعرجاته الأكثر قيمة وخطورة، ولقد افترضت دائما أن تاريخها الأصدق هو الموجود أمامها وليس خلفها، وعلى ان الآتي في مسيرتها ومسارها هو الأجمل والأكمل، وأنجح كل المشاريع هي التي تكون رهاناتها حقيقية وصادقة وصائبة وواقعية وكبيرة وإنسانية ومدنية، وأن تكون وجهتها الإنسان والإنسانية، والحياة والحيوية.
   ومن المؤكد، أن هذه الاحتفالية، قد حفرت على الأرض طريقا خاصا، وأنها قد أوجدت طريقة خاصة للسير فيه، وأنها في سيرها ومسارها وحركتها لم تنتظر حتى تحركها الرياح الخارجية، والتي يمكن أن تهب من هذه الجهة أو تهب من تلك، وبهذا فقد كانت لا شرقية ولا غربية، وكانت بهذا حيوية متدفقة وكانت حرية عاقلة، وكان بإمكانها أن تسير في كل الجهات، وأن لا تكون يمينية أو يسارية فقط، وهي جسد حي يتحرك ليحيا، ويحيا ليتحرك، وذلك بمحركها الموجود فيها، وليس بأي محرك مستعار أو مستورد أو مقتبس أو مختلس أو مهرب عبر الحدود، وهي في علمها وفنها وفكرها تتحرك بطاقتها الفكرية والوجدانية الخلاقة الموجودة فيها، وهي موجودة في روح رؤيتها الخاصة للعالم، رؤيتها التي أوجدتها شروطها الموضوعية، وأوجدها سياقاتها العلمية والفكرية والجمالية في التاريخ الحديث والمعاصر.
   هذه الاحتفالية راهنت على الصدق والمصداقية، وراهنت على الحق والحقيقة، وراهنت على الحرية والتحرر، وعلى وجود الأحرار فيها أيضا، وراهنت على الفعل والفاعلية والتفاعل، وراهنت على الوضوح والتوضيح، وراهنت على الكائن والممكن، وراهنت على البيان والتبيين، وراهنت على الالتجديد واتجدد، وراهنت على الكلام والإنصات، وراهنت على الأخذ والعطاء، وراهنت على الفكر والعلم، وراهنت على الصناعة والفن، وراهنت على الخيال والتخيل، وراهنت على التأسيس وإعادة التأسيس، وراهنت على الرقي والارتقاء الاحتفالي يراهن على الممكن الآتي غدا.
   هذا الاحتفالي، العارف والعراف، ولأنه رأى ما رآه وعاشه من مشاهدات ومن تفاعلات ومن صدامات، فقد راهن على الأساسي والمحوري والحيوي في الحياة، والتي تعكسها الحياة، وهي في أسمى وأعلى وأنقى وأبهى حالاتها ودرجاتها، ولقد أكد هذا الاحتفالي دائما، سواء في فكره او فنه وعلمه، على التلاقي الإنساني، وعلى الحضور العيدي، وعلى الحوار المدني، وعلى المشاركة الوجدانية، وعلى اقتسام لحظات الفرح، وعلى التكامل أيضا بين الوات الأخرى، وليس على التناقض أو التنافي بينها، ولقد أكد على الحرية، وعلى الاستقلالية، وعلى الحق في التفكير وفي التعبير وفي التدبير، وعلى الحق في الاختلاف، ولقد كان دائما ضد الغياب والتغييب، وضد النفي والإقصاء، وضد الحدود المادية والرمزية، وكان ضد جدران السجون، وضد البيروقراطية وضد النفي في الداخل أو النفي في الخارج.
وبالنسبة للاحتفالية والاحتفاليين، فإن الأشياء والأفكار والحالات تظهر بشكل أحسن وأصدق من خلال ما يقابلها، و هل يمكن تمثل هذه الاحتفالية، بشكل حقيقي، إلا عندما نضعها أمام المأتمية أو أمام الدرامية أو أمام العدمية او أمام العبثية أو أمام الفوضوية أو أمام الدهرية أو أمام اللا أدرية أو أمام الظلامية؟
   إن اللون الأبيض يظهر مع اللون الأسد بشكل أحسن، وطبيعي أن الضوء لا يكون له معنى إلا مع وجود الظلام ووجود الظلاميين، وقد كانت هذه الاحتفالية نارا نورا دائما، وكانت شموعا وقناديل في ليل البشرية المظلم والمعتم، وهذا العصر هو عصر الاحتفالية والاحتفاليين بكل تأكيد، وهذا الفضاء المأتمي والعبثي والفوضوي هو فضاؤهما الحقيقي، والاحتفالية هي الإنسان والإنسانية، وذلك في مقابل الوحش والوحشية والتوحش وهي المدينة والتمدن، وذلك في مقابل الغاب، وغي مقابل وحش العاب، وفي مقابل شريعة الغاب، وفي مقابل (أخلاق) الغاب، وهي الامتلاء، الفكري والوجداني والعلمي والجمالي، في مقابل الخواء الروحي والأخلاقي، وهي فعل الحركة والتحرك دائما، وذلك إلى الأمام وإلى الأعلى، وإلى الأبعد، وإلى الممكن وإلى الغائب والمغيب.
   وهذه الاحتفالية هي أساسا عقلها، وهي عقلانيتها، وهي تفكيرها الإنساني والمدني العاقل، وذلك في مقابل الكسل العقلي، وفي مقابل الغيبوبة الفكرية والمعرفية، والتي قد تصيب كثيرا من الأفراد، وتصيب كثيرا الجماعات والمجتمعات، وذلك في مراحل تاريخية معينة.
وهذه الاحتفالية أيضا، هي ما تعرفه، وهي ما لا تعرفه، وما تريد أن تعرفه، وهو ما تسعى إلى معرفته من خلال البحث، ومن خلال التجربة والتجريب، ومن خلال الاستعانة بالسؤال والتساؤل وبالحوار الهادئ والرصين.
   وعندما نذكر الاحتفال، فإنه لابد أن نستحضر الغنى، وذلك بكل مظاهره وظواهره، أي وهو أفكار جديدة، وهو حالات حية، وهو مشاهدات، وهو أحلام، وهو خيال، وهو اندهاش، وطبيعي ان هذا الغنى الاحتفالي لا يمكن أن يكون له معناه إلا إذا كان في في مقابل بؤس الواقع والوقائع، وفي مقابل بؤس بعض النفوس والأٍرواح التي ( لا أناقة فيها ولا جمال) وبؤس كثير من العلاقات ( الإنسانية) و(المدنية) والتي تفتقر إلى الإنسانية وإلى المدنية
والاحتفالية أساسا قناعة فكرية بأن ( الخير أمام) وبأنه ( على هذه الأرض ما يستحق الحياة) وما يستحق النضال من أجل هذه الحياة، والتي ينبغي أن تكون أجمل وأكمل، وأن تكون أكثر حيوية، وأكثر إقناعا وأكثر إمتاعا، وأن يكون هذا في مقابل اليأس واليائسين وفي مقابل تجار اليأس الرخيص والبائس.
   وهذه الاحتفالية، هي أساسا خلق وإبداع، وهي دعوة لاقتراف الإبداع، وهي تحرص على أن يكون الإبداع الجميل مقتسما، وهي تؤكد على فعل الإبداع الإنساني، وذلك في مقابل الاتباع القطيعي والحيواني.
وهذه الاحتفالية ليست منزهة عن الخطأ، وهي لا تتوقف عن ترديد بأن الخطأ فعل إنساني، كما لها لا تتوقف عن الدفاع عن الحق في الخطأ، خصوصا بالنسبة للذين يعملون ويجدون ويجتهدون ويجربون، ي الفكر، وفي الآداب والفنون، وفي العلم والصناعات والاختراقات والاكتشافات، وهي تعطي نفسها الحق في أن تراجع نفسها، وأن تصحح مسارها، وأن تقويم بتصويب أخطائها، وهي فعلا تؤمن بالمراجعة، ولكنها أبدا لا تؤمن بالتراجع، خصوصا في مجال المبادئ، وفي مجال روح وجوهر الاختيارات الأساسية فيها.
   ولأن هذه الاحتفالية هي ( احتفالية بلا ضفاف) فقد كانت منفتحة على الأرض والسماء، وعلى كل الثقافات وعلى كل اللغات، وعلى كل التيارات الفكرية والجمالية في العالم، ويأتي هذا الانفتاح في مقابل الغلق والانغلاق، وفي مقابل التقوقع على الذات.
   وفي هذه الاحتفالية كثير من الأحلام الجماعية الصادقة، وهي تؤكد دائما على أن وجود حلم واحد صادق، خير من واقع يومي كاذب ومزيف، وهو خير أيضا من آلاف الوقائع المزيفة، والتي لا شعر فيها لا سحر فيها، وليس خلفها أية عبقرية خلاقة.
   هذه الاحتفالية هي حياة وحيوية، وهي موجودة دائما عبر حدين وجوديين اثنين، غير منفصلين ولا متناقضين، وهما حد الكائن، الآن ـ هنا، وحد الممكن غدا ـ هناك، وهذا ما يفسر أن يتسع اسمها اليوم، وأن يصبح هو ( الاحتفالية المتجددة) والذي يعكس آلية التجدد الحيوي في مسيرتها ومسارها، وهي بهذا احتفاليات متعددة، بحسب تعدد الحقب التاريخية، وبحسب تجدد المعطيات والشروط والسياقات والرهانات فيها ومن حولها.
   هذه الاحتفالية لا تسعى لأن تكون معروفة، وأن يعرف الجميع عطاءاتها العلمية والفكرية والجمالية المتعددة والمتنوعة، لأن الأساس بالنسبة إليها هو أن تساهم في نشر الوعي المعرفي، وأن تحرض على التفكير وعلى الاجتهاد وعلى التجريب، وعلى السؤال العلمي، وبهذا فهي لا تريد أن يقال عنها بأنها في شهرتها ( أشهر من نار على علم) أو ان يقال عنها ( هي علم في رأسها نار) وهي تفضل أن تكون منارة في بحر الإبداع الفكري والجمالي، وأن يقال عنها (هي منارة في رأسها نور)، وأن يكون دور هذه المنارة أن تهدي السائرين والمبحرين في بحر الظلمات.
   وفي لقاء طنجة، والذي احتفى بالاحتفالية والاحتفاليين، قال المخرج الاحتفالي د. يوسف االريحاني (مسار الاحتفالية هو بمثابة ربوة مشرعة على الزمن؛ ولن يمكننا أبدا الفكاك من فخاخها، مهما بدا لنا أن المسرح العربي اليوم هو في تطور وتحول وتغير لماذا؟ لأن أسئلة الاحتفالية كانت صنيعة انعطافة تاريخية حدثت إثر اصطدامنا بالتحديث، فكانت جسرا يربط بين الحلقة المفرغة لعصور الانحطاط بتاريخ العلم الحديث.. رضوان احدادو أو عبد الكريم برشيد، محمد الكغاط وحسن المنيعي، عبد الله شقرون أو أحمد الطيب العلج أو العميد الرائع الطيب الصديقي.. القاسم بينهم أنهم عاشوا اللحظة التاريخية التي التبس فيها الماضي بالحاضر.. الذات بالآخر.. مما جعل منهم صيرورات تعمل فينا في صمت، وتحفر في أجسادنا دمنا وآثارا يصعب على رياح الزمن أن تمحوها).
Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي