تحية للحمير في يومها العالمي!

تحية للحمير في يومها العالمي!

محمود القيسي

“بالأمس قابلت حمارا فقلت أسأله

عن الفرق بين العته والغباء والبله

…..

فنهق نهيقا أظنك تمنيت أن تسمعه

فقال العته أن تهمل الذى تزرعه

والغباء أن تحمل كل ما تجمعه”..

    نحن اليوم في صدد وصدى وحقيقة اليوم العالمي للحمير في كل أصقاع هذا العالم، الذي أصبح يعيش وتعيش معه كل المخلوقات والكائنات الحية على صفيح ساخن وقمة بركان قابل وعلى وشك الانفجار. نعم، يوم حمار نركبه خير مِن مَن يدعي إنه حصان ويرمينا تحت حوافره إلى الأرض المقسومة على نفسها قتيلًا وراء فتيلا.. وأنا أُجِلُ الحمار عن أن أُطالبه كما يقول إميل حبيبى بما اُطالب به ذوي العقل واليّد واللسان. أو كما قال أنيس منصور بوما: لو كان الثراء بقدر العمل.. لبات الحمار على سرير من ذهب. لايمكن بحال أن يكون الحمار صديق توفيق الحك غبياً، هو صبور بطبعه، قد يبدو الصبر غبائاً أحياناً وجُبناً أحياناً.. ويبدو إننا من بلاد قضينا أعمارنا حميرا دون إن ندري حتى حقيقة الحمير أو ندري… كما أعتقد بوذا أن الحمار لا يقل أهمية عن الماس والياقوت. كما إن أقوى الحيوانات على وجه الأرض هم أكلة النبات. الحمار أيها السيدات والسادة مخلوق قمنا بتجنيده للقيام بالعمل الذي لم نتمكن من التعامل معه والقيام به..!؟

   اليوم العالمي للحمير.. يحتفل العالم باليوم العالمي للحمير فى الثامن من مايو- أيار من كل عام. وتقول منظمات حقوق الحيوان في بعض البلدان إن الاتجار غير المشروع فى جلود الحمير يهدد بانقراضه. ووفق إحصاءات رسمية لبعض الدول التي لا أود ذكرها كي لا يسيس هذا اليوم، كما هي عادة بعض الدول والمنظمات والأحزاب من هنا ومن هناك، فإن بعض هذه البلدان تصدر نحو 8 آلاف من جلود الحمير في السنة الواحدة، في أقل تقدير هذا دون ذكر كيفية تصريف واستخدامات لحومها في دول العالم الثالث الفقيرة والأكثر فقرًا.. دون رأفة او حتى دون معرفة دور هذا الحيوان اللطيف والمثابر في حياتنا. ناهيكم، عن الدور الهام الذي يلعبه الحمار في بعض الصناعات البدائية في الدول الفقيرة.. ولا يزال يستخدمه الفلاحون في الحرث والنقل والزراعة والحصاد في مناطق عديدة في هذا العالم شرقه وغربه.. شماله وجنوبه.

   كما إن هناك فرق شاسع في الدور والوظيفة و(الحكمة ) بين بعض السياسيين والاقتصاديين والمنظرين والمسؤولين وبين عالم الحمير ودورها وصبرها واداءها.. حيث أن الحمار حيوان أليف يخدم الإنسان، في حين تدمر وتسرق وتنهب وتقتل بعض الدول والأحزاب شعوبها.. وهاكم بعض الامثلة على سبيل المثال والأمثلة:

– الحمار يمشي على الطريق مرة واحدة ليحفظها طوال حياته، في حين تضيع بلدان وشعوب بأكملها في عهود ووعود بعض الدول والبلدان وأحزابها!

– الحمار أفضل كاشف حي للألغام التي يزرعها الأنسان في حروبه ضد إنسان أخر، في حين تموت شعوب وتنتهي بلدان بأكملها في عهود الحروب  والألغام!!

– الحمار كما يقول الخبراء من أذكى الحيوانات على الإطلاق، في حين تسقط دول وحكومات وأحزاب كل يوم في الحسابات القاتلة والامتحان الأولية والابتدائية.. وعند الامتحان كما يقال ينجح المراء أو يهان!!!

   كان يا مكان فى أحد اِسطبلات دولة من الدول مجموعة من الحمير كما كتب الشاعر أحمد مطر.. وذات يوم أضرب حمار عن الطعام مدة من الزمن. فضعف جسده وتهدلت أذناه وكاد جسده يقع على الأرض من الوهن. فأدرك الحمار الأب أن وضع ابنه يتدهور كل يوم. وأراد أن يفهم منه سبب ذلك. فأتاه على اِنفراد يستطلع حالته النفسية والصحية التى تزداد تدهورا. فقال له: ما بك يا بني؟ لقد أحضرت لك أفضل أنواع الشعير. وأنت لاتزال رافضا أن تأكل. أخبرنى ما بك.. ولماذا تفعل ذلك بنفسك؟ رفع الحمار الابن رأسه وخاطب والده قائلا: نعم يا أبى.. إنهم البشر.. دهش الحمار الأب وقال لابنه الصغير: وما بهم البشر؟ فقال له: إنهم يسخرون منا نحن معشر الحمير. فقال الأب: كيف ذلك؟ قال الابن ألا تراهم كلما قام أحدهم بفعل مشين يقولون له يا حمار. وكلما قام أحد أبنائهم برذيلة يقولون له يا حمار.. أنحن حقا كذلك؟ يصفون أغبياءهم بالحمير ونحن لسنا كذلك يا أبى.. إننا نعمل دون كلل أو ملل.. ونفهم وندرك.. ولنا مشاعر..

   عندها ارتبك الحمار الأب ولم يعرف كيف يرد على تساؤلات صغيره وهو فى هذه الحالة السيئة، ولكن سرعان ما حرك أذنيه يمنة ويسرة ثم بدأ يحاور ابنه محاولًا إقناعه حسب منطق الحمير.. أنظر يا بنى إنهم معشر البشر خلقهم الله وفضلهم على سائر المخلوقات، لكنهم أساءوا لأنفسهم كثيرًا قبل أن يتوجهوا لنا نحن معشر الحمير بالإساءة. فانظر مثلًا.. هل رأيت حمارا خلال عمرك كله يسرق مال أخيه؟ هل سمعت بذلك؟ هل رأيت حمارا يعذب بقية الحمير ليس لشىء إلا لأنهم أضعف منه أو أنه لا يعجبه ما يقولون؟.. هل رأيت حمارا عنصريا يعامل الآخرين من الحمير بعنصرية اللون والجنس واللغة؟.. هل سمعت يومًا ما أن الحمير (…) يخططون لقتل الحمير (…) من أجل الحصول على الشعير؟..هل رأيت حمارا عميلًا لدولة أجنبية ويتآمر ضد حمير بلده؟.. هل رأيت حمارا يفرق بين أهله على أساس طائفي…؟

   طبعًا لم تسمع بمثل هذه الجرائم الإنسانية فى عالم الحمير… ولكن البشر هل يعرفون الحكمة من خلقهم ويعملون بمقتضاها جيدا؟.. لهذا يا ولدى أريدك أن تحكم عقلك الحمارى، وأطلب منك أن ترفع رأسك ورأس أمك عاليا.. وتبقى كعهدى بك «حمار ابن حمار».. واتركهم يا ولدى يقولون ما يشاؤون.. فيكفينا فخرا أننا حمير، لا نكذب، لا نقتل، لا نسرق، لا نغتاب، لا نشتم، لا نرقص فرحا وبيننا جريح وقتيل… أعجبت هذه الكلمات الحمار الابن فقام وراح يلتهم الشعير وهو يقول: نعم سأبقى كما عهدتنى يا أبى.. سأبقى أفتخر أنني “حمار ابن حمار”!

شارك الموضوع

محمود القيسي

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *