رُوبِين دَارِييُّو الشِّعر العرَبيّ المُعَاصِر.. عبد الوهّاب البيّاتيّ في ذكرىَ رحيله (1-2)

رُوبِين دَارِييُّو الشِّعر العرَبيّ المُعَاصِر.. عبد الوهّاب البيّاتيّ في ذكرىَ رحيله (1-2)

د. السّفير محمّد محمّد الخطابي

     فى الثالث من شهرأغسطس الفارط 2023 حلّت الذكرى الرابعة والعشرون لرحيل أحد اقطاب الشعر العربي المعاصر الشاعر المجدّد المشمول برحمة الله الصديق العزيزعبد الوهّاب البياتي، الذي جاء الى دنيانا فى بغداد عام 1926، وغادرها متوّجاً بالأمجاد في دمشق 1999 عن سنّ تناهز الثالثة والسبعين من عمره، ودُفن تنفيذًا وامتثالاً لوصيّته إلى جانب ضريح العالم  الأندلسي المتصوّف الشهير محيي الدين بن عربي المُرسي دفين دمشق (نسبةً الى مدينة مُرسية الإسبانية التي كان لها شأن عظيم خلال الوجود الإسلامي بشيه الجزيرة الأيبرية). وبهذه المناسبة أعود في هذا القسم الأوّل -1- من هذا المقال لقراءة إحدى قصائده الرّائعة، التي تحمل عنوان :”النّور ينبعث من غرناطة” التي نقلت إلى اللغة الإسبانية إبّان وجوده في إسبانيا، حيث كانت تربطني به صداقة متينة، وذكريات  ومعايشات رائعة خلال هذه الحقبة من حياته في الديار الاسبانية  في مدريد على وجه التحديد ،حيث صادف وجودي بالعاصمة الاسبانية كمستشار بسفارة المغرب وهو نفس المنصب الذي كان يتقلّده في ذلك الإبّان بسفارة بلاده بمدريد ، وهو ما سوف أعمل على معالجته في القسم الثاني -2- من هذا مقال  في أقرب الآجال إن شاء الله. 

بين دارييّو والبيّاتي 

    يذكّرنا الشاعر العراقي الكبير الصديق العزيز عبد الوهّاب البياتي حتماً بشاعر نيكاراغوا الكبير المجدّد (روبين دارييّو) الذي يضاهيه في العديد من المزايا و الخصائص المشتركة بينهما، وُلد روبين داريو في 18 يناير 1867 في مدينة بيدرو دي ميتابا التي أصبحت اليوم تحمل اسمَه وهي مدينة “دارييّو” في نيكاراغوا، وفي سن 14 سنة انتقل للعيش في العاصمة “ماناغو” حيث عمل – مثل خورخي لويس بورخيس- سكرتيراً في المكتبة الوطنية، ومنذ تلك السنّ المبكرة ألحق به لقب “الشاعر الطفل”، وفي سن 19 سنة سافر إلى سانتياغو دي تشيلي حيث نشر باكورة أعماله الشعرية وهو ديوانه الشهير «الأزرق» (قصائد وقصص) عام 1888 الذي لفت انتباه الشعراء والنقاد والقراء على حدٍّ سواء، والذي قال عنه صاحب «البؤساء» الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو: «الفن الحقيقي هو الأزرق». ثم انتقل داريو للعيش في الأرجنتين. وفي عام 1892 سافر إلى إسبانيا ممثلاً للحكومة النيكاراغوية للاحتفال بالذكرى المئوية الرابعة لاكتشاف أمريكا، وبعد عشر سنوات عاد إلى إسبانيا وباريس بعد أن أصبح شاعراً مشهوراً في كل من أوروبا وأمريكا . وفي عام 1907 أصبح ممثلاً دبلوماسياً لبلاده في مدريد وهو ما حدث بالضبط مع شاعرنا الكبير عبد الوهّاب البياتي. 

    ومثلما هو عليه الشأن مع الشاعر البياتي فإنّ قصائده الأولى هي مزيج بين التقليد والرومانسية، ثم سرعان ما أصبح يعرف بالشاعرالحداثي المجدّد الذي حقق طفرة أو قفزة كبرى جديدة في الشعرالإسباني الأمريكي اللاتيني المعاصر على وجه الخصوص، متجاوِزاً القوالب الأسلوبية الجمالية التقليدية، والأنماط التعبيرية البيانية المتوارثة التي كانت سائدة في إسبانيا، وذلك بعد مراجعة عامة لديوانه «الأزرق» الذي قسمه إلى أربعة أقسام وهي: «الربيعي»، «الصيفي»، «الخريفي» و«الشتائي»، وقد اعترف له بذلك شعراء كبار معاصرون له أمثال رامون فاييي إنكلان، وأنطونيو ماتشادو، ليوبولدو لوغونيس وغيرهم. من أعماله في هذه المرحلة «غنائيات الأمل والحياة»، «والغناء الهائم» وهو من أشهر أعماله الشعرية على الصعيد العالمي. له كذلك «غناء للأرجنتين وقصائد أخرى» (1914). و«إيقاعات» 1887، و«الحمائم البيض» 1988، و«قصائد ملحمية لأمجاد شيلي»، و«قصيدة الخريف وقصائد أخرى»عام 1910، ومن أعماله النثرية: «النوادر» 1906. و«اسبانيا المعاصرة» 1901. و«القوافل» 1902. و«أرض الشموس» 1904 الذي يتعرض فيه لزيارته لمدينة طنجة ،و«آراء « 1906. و«آداب» 1911. و»حياة روبين داريو بقلمه» 1913. و«جزيرة الذهب» (وهي رواية لم تكتمل) وفي عام 1915 عاد روبين داريو إلى بلده نيكاراغوا مريضاً حيث توفي فيها عام 1916. هناك إذن خصائص تطبع الشاعرين باعتبارهما من الشعراء المُجدّدين كل حسب اللغة التي يستعملها والعصر الذي عاش فيه. 

   الكاتب الإسباني الأندلسي افرَانسِيسْكُو فِييا إسْبِيسَا يقول عن دارييّو: “إنه حتى إن كان قد وُلد في نيكاراغوا، إلا أنه من أصل عربي أندلسي، والده وجميع أفراد عائلته وُلدوا في قلب الأندلس في منطقة البِشْرات في أوهانيس إقليم مدينة ألمرية أو المِرَاية، كما يحكي لنا فِييا إسبيسَا، أن روبين داريو «الهندي» أو «الإفريقي» المغربي يكتب عن زيارته لأول مرة لمسجد الجامع الأعظم في قرطبة فيقول: إنه عندما همّ بالدخول إلى هذه المَعلمة المعمارية الكبرى الخالدة أحسّ أنه في حاجة ماسّة إلى استبدال حذائه ببلغتين (*) وأنه كان في تلك الهنيهة يتمتم في نفسه قائلاً الله وحده هو الأكبر”. 

   ومثلما حدث للبياتي خلال وجوده في  مدريد  ثمّ في الاندلس التي كان يعتبرها ارض اجداده كان  دارييّو خلال وجوده  في فيها قد صرح لأصدقائه ومرافقيه أنه لن يغفر ذنباً لنفسه إنْ لم يقم بزيارة أرض أجداده وجذوره، فقرّر القيام بزيارة لمدينة طنجة (شمال المغرب) عام 1902، وترك لنا ذكرياته وانطباعاته عن هذه الزيارة في كتابه الذي يحمل عنوان «أرض الشموس»، فيقول عن ذلك: إنه عندما كان على ظهر مركب إنكليزي أو (عبّارة) بخارية في عرض البوغاز أو مضيق جبل طارق، تراءت له مدينة طنجة من عرض البحر، فقال عنها:”وعلى حين غرة ظهرت لنا من بعيد مدينة طنجة بيضاء، بيضاء، بيضاء موشاة بمنارات خضراء”. ويقول روبين داريو إنه عندما اقترب المركبُ الذي كان يقله من ميناء المدينة، ودنا من البنايات الشاهقة التي كانت تتراءى له من بعيد، كانت مفاجأته كبيرة عندما اكتشف أن تلك المنارات أو المآذن في الواقع لم تكن سوى لمسجد، ولكنيسه، ولبيعة”. 

الشّعر فتحَ البابَ على مِصرَاعيْه أمام المبدعين 

    إذا كان “برغسون” ينعى على اللغة قصورها الشديد في التبليغ والإبلاغ، فإنّ الشّعر قد فتح الباب على مصراعيه أمام المبدعين لتفادي هذا العجز وبلوغ أرقى ضروب العطاء بتفجير هذه اللغة وتطويعها، وإعطائها نفسا إبداعيا جديدا، لأنّ الشّعر هو اللغة في أرقى مظاهرها، والشعر الذي أعني هنا هو الشعر بكل ما ينطوي تحت هذه الكلمة من مدلول وحيرة وغموض. هو الشعر الذي يهزّنا عند سماعه، ويسمو بنا عند قراءته، والذي لا يرقى إليه سوى القادر على إقتحام شعابه ،وعوالمه،هو الذي ينفذ إلى أعماقنا، ويلامس شغاف قلوبنا وقلوب المحرومين والمحظوظين منّا على حدّ سواء. 

   والشّعر ليس قصّة تروىَ، ولا منطقا يدرّس، ولا فلسفة تناقش، ولا قولا يجري على ألسنة قادة كبارالعقول، وهو ليس علما محدّدا، ولا غاية في ذاتها، إنه كلّ أولئك جميعا، وما وراءها وتحتها، إنه علم ما وراء العلم، وهو تجسيد للكون وما يكتنفه من غموض، وقلق واغتراب،الشعر تحدّ لهذا الكون ولما بعده، وهو ليس أغنية تسري في نغماتها آهات العشّاق، ولا أنشودة تفصح عن شكوى المتيّمين،الشّعر ضرب من مناوشة الوجود،وهذه أبرز خاصّياته وأخطرها. 

   والقصيدة الجيّدة تجسيد أبدي للوجود، تتعدّد فيها الدّلالات، وتتشعّب الرموز وتختلط وتتداخل في تناوش بديع ،هي التي تكاد لا تقول أيّ شيء، وهي في الوقت ذاته تقول كلّ شئ . والشعراء أناس سيزيفيّون دائمو الحيرة والقلق والعذاب والسؤال عن كنه الحياة وأسرارها وتناقضاتها وغموضها. 

   والقصيدة باقية بقاء الدّهر لأنها أبدا حيّة وحبلى بمختلف العطاءات، وهي ليست وقفا على حاضر أو ماض أو آت، بل إنّها تطوي المسافات السّرمدية طيّا، لتضرب في عمق حياتنا الأولى، وينابيعها البعيدة، لتعايش كلّ عصر وزمان. هي التي أحالت أساطير الأقدمين إلى علم المحدثين، إنها تعبير أخناتوني عن توحيد الجزء في الكلّ والعكس. إنها مخلوق يدبّ على قدمين، وليس للشاعر عليها هيمنة ولا سطوة، لأنها ليست ذاته ولا حياته ولا تجاربه، ولا معاناته، ولا أحاسيسه وحده، بل إنها ذوات وحيوات وتجارب ومعاناة وأحاسيس الوجود نفسه، وما الشّاعر سوى جزء حيّ نابض من هذا الوجود. 

   والشاعر دائم المقاومة والتحدّي، شديد المراس،لا يؤخذ جانبه بسهولة ويسر . قال ‘مالارميه’  إنّ أرقى أنواع الشّعر هو الذي لا يرقى إليه الفهم سوى بقدر باهظ من الذكاء والفطنة، والصّبر والمكابدة . والقصيدة الجيّدة حوار مع الكون، ومناوشة دائمة له، وإستكناه لما وراءه، وتلك عملية صعبة ومركّبة تنطوي على مجازفة خطيرة لأنها بداية أحتراق وكيّ. 

   الحديث عن الشّعرهو الحديث عن الحياة، بكلّ ما فيها من معان وأسرار وغموض ومفارقات،الحديث عن الشّعر هو حديث عن الكون الهائل المحيّر،عن عذابات النفس المكلومة في متاهات الدنيا ومرابض الكينونة..الحديث عن الشّعر هوس إنساني، وشجون لا يماثله سوى شجون الشّاعر إزاء العالم وأهواله،والدنيا وأحداثها. 

   الشّعر نقمة الوجود لأنه كاشفه، وهو قيد الحياة، وديمومة متجدّدة، وخلق دائم لها. الشّعر أكثر الفنون هموما،وأخطرها بحثا، وأعمقها قضيّة، وأبعدها مراما، وأعلاها قدسية..إنه قلب الدراما كما يسمّيه ‘ريتشاردز’ وهو الرّوح الهائمة في غياهب الكون واللاّمحدود. 

القصيدة.. قدّر مُشعل على قلبٍ نابض 

   في وقت مّا من عصرنا كانت القصيدة الجيّدة ‘بيّاتية’ بامتياز، إلى جانب صفوة من جهابذة الشعر العربيّ الحديث، لأنها كانت عنوان هذه المكابدة والمواجهة والاستعداد الدائم للخوض في أصعب التجارب الإنسانية وأسماها، والبحث المستمرّ، والترحال الأبدي في دروب الدنيا، وغياهب الزّمن ومجاهله انها قدَرٌ مُشعل على قلب نابض. 

   إنّ الألم هو المحور الذي يحوم حوله الشاعر، لم يعد الشّعر إذن مجرّد وصف، أو إفتتان بجمال، وإنما أضحى هو البحث عن وطن ضائع، أو عن مدينة لم تولد بعد، والشّاعر الفنّان دائم البحث عن القيم الجديدة. إن هموم العصر تملأ رأسه، وتثقل كاهله لأنها هموم ليس لها نظير ولا قرار تبتدئ بالإنسان وتقف عنده، والشّعر ليس قصرا على التذوّق الفنّي، والإحساس المرهف، والتسامر أو الانطواء أو الانتماء، وإنّما هو مواجهة صريحة للواقع ونقد له، وعامل من عوامل التحدّي والإدانة. 

   يقول البيّاتي في مقدّمة أحد دواوينه: ‘هناك بعض القصائد حاولت أن اطرح فيها موقفا جديدا يختلف عن المواقف السائدة في العالم، فالإنسان اليوم في إمكانه الدفاع عن الحرية دون وصايا وتعاليم وكتب، فأحيانا هناك تناقض بين الواقع والكتب، بعض أبطال قصائدي يرفضون الوصايا ويطالبون بحريّاتهم الشخصية، إنّه عصر نضال الإنسان خارج الأيديولوجيات التي تهرّأت واستهلكت’. 

هذه هي فعلا أهمّ القضايا في معظم قصائد البياتي التي تقطر دما ودمعا، وتتفجّر آهات، ويصدق هذا بالتالي على قصيدتنا ‘النور ينبعث من غرناطة’ (وهي من ديوانه “مملكة السنبلة”) التي قال عنها إبن عبّاس الصولي قبل كتابتها بقرون (!): ‘كلامها حسن المعنى، سهل اللفظ،، عذب المستمع، صعب ممتنع، عزيز النظير، قليل الشبيه، بعيد مع قربه، حزن مع سهولته، جلّ الناس يقولون هذا كلام أحسن من الشعر’. 

تزاحم الأضداد 

منذ قراءتنا الأولى لهذه القصيدة نجدها تفجّر في ذواتنا لوعة غريبة من تزاحم الأضداد، وتداخل المعاني، وإننا عند قراءتنا لها الثانية نجد أنفسنا أمام عمل محيّر يثير فينا تساؤلات أبدية، ومشاعر حادّة لا نجد لها تفسيرا ولا تأويلا، لأنها مشاعر تسمو فوق كلّ تفسير أو تأويل. 

وإننا لدى غوصنا فيها للمرّة الثالثة قد لا نجد لنا مخرجا منها ولا مهربا لأنها تشدّنا إليها شدّا، وتثير فينا من القضايا التي لا شكّ أننا فكّرنا فيها، وكوّنّا لأنفسنا رأيا بشأنها، إنها تقودنا إلى التفكير، وتبعثنا على التأمّل، وتحيي فينا الرّوح الراقدة الكامنة في أعماقنا منذ الولادة الأولى..!. وتفجّر فينا مأساة ذلك الرجل الطفل، إنها سفينة مثقلة بالرموز البعيدة الغور، المسرعة في وجه الرياح، المحمّلة بالحقيقة، والجمال والإدانة والصمود في تداخل غريب. 

فى هذه القصيدة يوقظ فينا الشّاعر إحساسا غريبا بالزّمن وفعله مع نوع من الحذر إزاء ‘الطفل المتكوّر في قطرات المطر المتساقط فوق الصّحراء، ولكن ليس أيّ صحراء، إنها الصّحراء العربية.. ! 

وما هذه الأفعال المتوالية القويّة الواردة في القصيدة بصيغة التشديد سوى تأكيد على قيمة الحدث وجلاله، إنها تتوالى في إسترسال، وإلحاح، ومعاودة. فإذا بالتكوّر، والولادة، والالتواء، والعودة، والخطف، والتخطّي والدوران والملاحقة والإنجراف والصيّاح والاندفاع والتوسّل والتوقف والبكاء والتعرّي والرحيل والوداع…إلخ. 

كلّ أولئك تأكيد على ما يعتمل في نفس الشاعر إزاء الحدث، وهي بالتالي إفصاح عن معاناة حقيقية. إنّ أيّ تفسير لهذه القصيدة قد يفسدها، فالشّاعر يبحث عن بديل، إنه يدور حول الله وحيدا، وحول منازله في الأرض، او عن حقيقة ضائعة، يلاحقه صوت كمان (أرقّ الآلات الموسيقية) يعزف عليه في الليل آلاف العشّاق مثله المسكونين بنار الميلاد. ولكن على الرّغم من ذلك، فإنّ الموسيقى تجرفه فيصرخ وإذا بكاؤه بكاء إنساني ثمّ موسيقي أعمى (أيّ أعمى) إنه الأعمى الذي ينزف فوق الأوتار دما، الباحث عن شئ ضاع، يدور وحيدا بصوته أو بصوت الشّاعر أو بصوت الآخرين، يصيح فتحمله الذروة نحو القرار نحو الهاوية..! 

فإذا به يبكي حاله ومآله، فهو المنتهى، وهو الرائي والمرائي في آن واحد، ولكن في سماء بلاد أخرى ‘فمن منّا يولد من جديد بعد أن أقفرت الدنيا وغاضت السماء..’ ولكن سرعان ما تأتينا النجاة من النور الخالد المشعّ المنبعث من غرناطة الحمراء الباقية، وكذا من صوت غناءالإنسان الواحد والحبّ الموعود..! 

على ضفاف شُرفات غرناطة الحمراء 

   إن تداخل المعاني وتناوشها يضفيان على القصيدة عمقاً درامياً مثيرًا، فمن هو العازف في وحشة على ضفاف الشرفات العربية في غرناطة..؟ الأعمى القديم.. أم الجديد ..؟ ويفرض رمز المرأة في هذه القصيدة نفسا قويا صاخبا كما هو الشأن في قصائد الشاعر الأخرى ،والنهاية هي الخصوبة والبقاء، هي الوطن، أو الأرض، هي الحلم، هي الحياة، بأوسع معانيها وأنبلها، هي الأمل الناجي، وضوء الفجر الباسم،هي الحبّ، وهي لغة يستولد منها وبها ولها، هذه اللغة الكنه المتداخلة المتناوشة التي تغلف القصيدة وتجعل منها شكلا متماسكا قويّا، يحوي فكرا ثاقبا، وقيما جمالية رائعة. 

   وما شأن هذا الطفل أو هذا الرجل الطفل ‘المترعرع في القصيدة حتى يصبح حقيقة ماثلة أمام أعيننا، هذا الطفل المتكوّر اليتيم، الرجل المسافر فالمترنّح تذروه السّحب البيضاء هباء، وما يبقى يهدمه أو يبنيه الشّعراء، ومن أين له بهاذين الضدّين البناء والهدم.. ؟! 

   وتعود المرأة للظهور أكثر إلحاحاً من ذي قبل، إنها تبكي غربتها في منفى لغة الرمز، ترى ماذا فعلت..؟ إنها خانت، وسقط تاج الذهب المضفور على قدميها..! ويعود بالتالي بعودتها صوت الكمان رخيما حزينا رتيبا كئيبا كوقع الزمن، ليضيع في عتمة الليل، ومتاهاات الصّخب، وزبد القرون. 

وليس الليل هنا المدّة المحدودة زمنيا في عمر الساعات والمسافات، بل إنه تعبيرعن وجود قائم، وكيان جديد يعزفه مآت العشّاق، ولكن الشاعر لا يرتاح له لأنه يولد فيه، ولديه معنى التدمير ويلجئه إلى جدار الصيّاح الأبدي، وهو عنده وتر مرتجف مقطوع يجرفه، فإذا به يزداد صيّاحا وهذه المرّة من أعلى الذروة، من منّا خان و باع المرأة..!؟ 

إنّ فداحة الموقف لدى الشاعر لا بعد له سوى إيقاع مصحوب ببكاء إنساني حزين، وموسيقى الأعمى النازفة فوق الأوتار دما التي لا تفتأ أن تعود في كلّ مرّة كلاهما يرفع يديه في صمت فراغ الأشياء، وكلاهما يبحث عن شئ ضاع، ويزداد الصّوت إلحاحا وعمقا في هذه المرّة حتى يتّخذ شكل صيّاح حادّ: ‘من، من، غرناطة خان، وباعَ عذابَ الشعراءْ.. وسنابل قمح الفقراء.. من منّا مات على الأسوار’..!؟ 

يا نائحَ الطّلحِ أشباه عوادينا ! 

   ويلاحظ أنّ الشاعر واقع تحت تأثير الشكوى الأبدية التي طالما فجّرها الشّعراء العرب بالنسبة لهذا الموضوع غير أنّ شاعرنا يتخذ لنفسه موقفا مغايرا، فهو منذ البداية يسخر منهم ويعاتبهم..! خصوصا بعد أن أضحى التنائي بديلا عن تدانيهم، وناب عن طيب لقياهم تجافيهم..، بعد أن ناحوا الطلح والعوادي..وتأسّوا على النافورة والوادي..! وبالتالي لابدّ للمرأة أن تبكي في منفاها الأبدي، وتبكي لبكائها النافورةُ في قصر الحمراء. 

   إنّ البياتي الذي يوضع بلا منازع في مصافّ كبار الشعراء العرب المحدثين إنطلاقا من السيّاب، ونازك،وعبد الصّبور، وحجازي، وأدونيس، ودرويش، والجواهري، وصلاح إبراهيم وسواهم وهم كثر، يتفرّد بخاصية غريبة بينهم، فهو حتى وإن تعدّدت مواضيع شعره، وتنوّعت اهتمامات قصائده، واختلفت عناوين دواوينه، فإنه أبدا كان مخلصا لقضاياه الأولى التي كانت تفرض عليه فرضا، تفرضها ظروفه، ومعايشاته، وأقداره، مأساته، ومعاناته، في مختلف إبداعاته والتي كانت تركّز في الأساس على الحنين القاتل، والحزن العميق الموغل في القلوب، على هذه الحمّى الآكلة، وعلى هذا الإنسان المحترق، وأخيرا على هذا الشاعر المعنّى وحيدا (وما قوله كذا ومعه الصّبر..!)، المتشبّث أبدا (بالقرطاس والقلم..!) أو بالحبر والورق، في هذا المنفى الإنساني السحيق مع عذابه، ومكابدته، وتأوّهاته، وجنونه، وصراخه، وصيّاحه، وصخبه، وتيهه بين صروف الدهر، وسديم العدم . 

  وبالجملة فإنّ البياتي مثلما هوالشأن مع نظيره شاعر نيكاراغوا الكبير روبين دارييّو كان الشّعر هو قلبهما، ونبضهما،وجوهرهما، وعبقريتهما، وشجاعتهما،وتجديدهما، إنهما الشّاعران المسافران أبداً بين مرابع الدنى ومراتع المتاهات، بين ليالي القطب البيضاء، والمتنقّلان بين ربوع الفجر الدراميّ المخمور، وبين الغسق الباسق والشفق الداميّ المتسربل بسديم، وسُخام ، وجحيم معاناتهما الإنسانية ما بين عذاب قلبهما المُعنّى والموت الزّؤام . 

_______________________

* البَلْغَة حذاء أو نعال تقليدي متوارث في المغرب مصنوع من جلود البقر والماعز بعد دبغه، وهو يُسمى عند الرّجال بالبلغة، وعند النساء الشربيل. قال الشاعر عن البلغة : لتبليغها المضطرّ سُميتْ ببلغةٍ/ وإنْ قِسْتَ بالتشبيه سمّيتَها نعلاَ.

Visited 11 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا