غزة الشاهدة.. والشهيدة!

غزة الشاهدة.. والشهيدة!

محمود القيسي

“هيا.. تقدم أنت وحدك،

أنت وحدك.

حولك الكهان..

ينتظرون أمر الله.

فأصعد أيها القربان

نحو المذبح الحجري

يا كبش الفداء

فدائنا…”

*محمود درويش

غزة الموت الجماعي تنادي.. على من تنادي؟ لا حياة لمن تنادي! لم يخطئ الشاعر اليوناني الكبير صاحب الكوميديا الإلهية “دانتي أليغييري” عندما قال: “لن ينجوا أحدٍ من نار جهنم.. وخصوصًا أولئك الذين يُحيّدون أنفسم في المعارك الكبرى”.. أولئك الذين يبيعون اليابس والأخضر في مزادات الشرف الوطني.. والشرف القومي.. والشرف الأممي! هل أصبحت “عاصمة” التغريبة والموت الجماعي  الفلسطيني غزة العزة والكرامة “طروادة” العصر الحديث في سلسلة ملاحم “هوميروس” مَن “الالياذة”  اليونانية.. وصولًا إلى إلياذة الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة؟ هل أصبحت المزايدات والصواريخ الصوتية على غزة الرماد سيدة الموقف، أو (سيّدَ المواقف الصوتية) لدى البعض؟!.. “أيها الجمهور، ضج بشكلٍ صحيحٍ لقد تاهَ قلبي.. أيها المنتشون بمحض الصُراخِ المُلَقّنِ  والبث والذبذبة.. لحظةُ الصمتِ أعظمُ إن صدقت.. أنتَ أجِب أيها الدم يا سيّدَ المَعرِفة”!؟ هل أصبحت غزة الموت الجماعي المجبولة بالدم والتراب والأنقاض والركام شاهدة على سقوط شقيقتها بغداد على يد المغول قبل ما يزيد عن سبعة قرون.. شاهدة على قتل ما يقرب من مليون أنسان من أهلها فى أربعين يوماً، شاهدة على تدمير مكتبة بغداد الأكبر تاريخيًا.. شاهدة على إلقاء الكتب فى نهر “دجلة”، وتحول مياهه إلى اللون الأسود من أثر الحبر والدماء الغزيرة.. شاهدة على انسياب جنود “هولاكو” فى الشوارع، ينهشون المواطنين، ويقتلون الرجال والشيوخ والنساء والأطفال الرضع.

هل أصبحت (عاصمة الفقراء) غزة الموت اليومي.. طائر الفينيق الفلسطيني.. عنقاء الرماد الغزاوية، شاهدة تحمل جثة شقيقتها (حلب الشهباء) على كتفيها يوم سقوطها سنة 962م. يوم انقض “البيزنطيون” على السكان العزل الأبرياء فوضعوا السيف فيهم.. وارتكبوا مجازر رهيبة راح ضحيتها مئات الالاف من أهالي (بغداد التاريخ)، وأسر أعدادًا كبيرة من النساء والأطفال، وقتل معظم الرجال، وأقامة “نقفور” أو كلب “الروم” بحلب ثمانية أيام يقتل، وينهب، ويقتل، ويسبي، ويقتل ويخرّب قصر سيف الدولة، ويقتل ويصادر كل ما فيه من تاريخ ومال وسلاح.. يقتل ويحرق المساجد والكنائس والجوامع ودور العبادة ومُعظم أسواق ودُور المدينة كلها دون أستثناء أو أستثناء يُذكر. نعم، كانت غزة شاهدة وشهيدة إلى إن وصل البيزنطيُّون إلى خباب الزيت فصبُّوا فيها الماء حتَّى فاض الزيت على الأرض، وأُحرقوا ما بقي في المدينة من بشر وحجر وكائنات.

هل أصبحت غزة “المصلوبة” على بوابة الشرق جزءً لا يتجزا من أكبر (إبادة جماعية) حصلت في التاريخ و(التطهير العرقي) للشعوب السلافية (البولنديون والروس والبيلاروس والأوكرانيون وغيرهم) أثناء غزو ألمانيا (النازية) لأوروبا الشرقية والإتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية من عام 1939 إلى عام 1945، الخطة النازية المعروفة كما جاء في كتب التاريخ وذاكرة الشعوب بإسم “جنرال بلان أوست” التي هدفت إلى (التهجير الجزئي للغالبية من سكان المناطق المحتلة) في شرق أوروبا والإتحاد السوفيتي إلى غرب سيبيريا في حين تم إستعباد البقية الباقية من سكان تلك المناطق كعُمّال يتم التخلص منهم تلقائيًا فيما بعد في أعقاب (توطين) السكان الألمان في تلك المناطق (المحتلة) وهنا يطرح التاريخ السؤال على نفسه: “هل يعيد التاريخ نفسه”؟ نعم، غزة كانت هنا وكانت هناك.. شاهدة وشهيدة.. حتى الأبد..!

هل أصبحت غزة مجرد (مذبحة صامتة) على مقياس الحروب الصامتة التي تمت ببطئ وعلى الأرجح لم يسمع بها الكثيرون على غرار مذبحة قيادة جيوش الحلفاء (جيوش الديموقراطية و الحرية) في حق المدنيين الألمان بعد أنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لم تكن مجزرة بشكل مباشر (تقول غزة الشاهدة والشهيدة) بل جائت على (هيئة سياسة تجويع) استمرت لسنين، حيث كانوا يمنعون وصول المعونة الغذائية لعدد من المدن الألمانية كنوع من الانتقام، الكاتب الكندي James bacque في كتابه Crimes and mercies of war: the fate of German civilians under allied occupation رجح أن تكون هذه السياسة الانتقامية لجيوش الحرية و الانسانية قد أسفرت عن مقتل و تشريد ما يقارب ال9 مليون مدني ألماني. غزة المدينة التاريخية.. تجيد قراءة وكتابة التاريخ.. تجيد الدفاع الأسطوري عن أرضها وعزّتها وكرامتها الوطنية حتى النصر أو الشهادة.

فى “كتاب الضحك والنسيان” للروائى التشيكى “ميلان كونديرا” عبارة بليغة تقول: “إن نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال للذاكرة ضد النسيان”. منذ بدايات القرن العشرين، والفلسطينيون يناضلون ضد سلطة غاشمة نزلت ببلادهم فاحتلت الأرض وأنشأت عليها المستعمرات الاستيطانية، وأعملت القتل والتهجير فى الناس، ثم أعلنت قيام دولة إسرائيل وفرضت على الفلسطينيين إما العيش دون دولة مستقلة وتحت الإحتلال فى الجزء الشرقى من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة أو حياة التغريبة والشتات. تلك السلطة الغاشمة لم تتوقف لحظة عن أستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين وضد جوارهم العربى ولم تمتنع عن إشعال الحروب الكبيرة والصغيرة كما يجري ألان في غزة وقطاعها من تدمير وتهجير مُبرمج في عصر الذكاء الاصطناعي المُبرمج.. ودفن الأطفال والنساء أحياء كتعبير عن غطرسة قوتها العسكرية وتحالفاتها الدولية.

ونحن كما يقول شاعر فلسطين تاريخيًا: “لم نحلم بأكثر من حياة كالحياة”.. كانت ومازالت أحزاب وحكومات الكيان الصهيونى تاريخيًا تعيق التوصل إلى تسوية سلمية حقيقية رغم كل المؤتمرات والمواثيق والاتفاقيات والقرارات.. ومازالت تمنع حتى هذه الأيام الوجودية قيام دولة فلسطينية مستقلة وعودة اللاجئين من الشتات.. ومازالت تواصل العصف بقرارات الشرعية الدولية التى أقرت الحقوق التاريخية للفلسطينيين فى قيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. إزاء تلك السلطة الغاشمة يناضل الشعب الفلسطينى نضال الذاكرة ضد النسيان والحياة ضد الموت إذا ما إستطاعوا أليها سبيلا.. ما يجري في غزة العزة من موت غير الموت فضح إمريكا، واسرائيل، والغرب، والشرق، والساكتين عن الحق والنائمين على جثة الحقيقة، وفضح من معهما من المقنعين الهكسوس والتتار والمغول.. ما يجري في غزة الإبادة الجماعية بالآلة العسكرية الصهيو-غربية بأدق التفاصيل والبراهين، يجب أن ينتشر على كل المستويات، وبكل اللغات، حتى يعرف العالم حقارة امريكا والغرب، ومن يدور في فلكهم، وإجرام الصهاينة المغتصبين للأرض الفلسطينية، وحتى يتكون راي عام دولي، ينبذ إسرائيل ومن معها ومن خلفها، ويتم محاكمة المجرمين في محاكم علنية ترعاها الشعوب الحرة بعيدًا عن المنظمات الدولية!

غزة تموت كل ثانية.. غزة تُذبح كل دقيقة.. غزة تُحرق كل ساعة.. غزة تدفن تحت الأنقاض كل يوم… غزة العزة، والكرامة الشاهدة على كل المجازر في هذا العالم الكوني المشبوه تقوم كل ثانية.. وتقوم كل دقيقة.. وتقوم كل ساعة.. وتقوم كل يوم من تحت الركام وتقاتل… غزة العزة والكرامة، هي الموت.. وهي القيامة.. غزة القادمة من أساطير وقيعان البحار والمحيطات القديمة هي الجنة وهي النار.. هي الحنة والحنطة.. حنة العروس وحنطة الفخار والصلصال.. غزة تنادي على من تنادي؟ لا حياة لمن تنادي!.. غزة تجمع أشلاء أطفالها وبقايا المصاصات والحليب الناشف وقطرات الماء.. غزة تجمع بقايا خصلات وجدائل شعر الصغيرات المجدولة والمعقودة مثل جديلة المجدلية والبتول.. جديلة مريم العذراء أشرف نساء الخلق. غزة شهيدة كل ثانية زمنية.. شهيدة كل دقيقة في عقارب الزمن.. شهيدة كل ساعة كونية في الزمان المطلق والمكان المطلق.. غزة شاهدة وشهيدة على مساحة هذه الأكوان اللانهائية واللانهائية واللانهائية… مجددًا ومجدداً ومجدداً… غزة العزة والكرامة في هذا الزمن المخصي.. تموت وتقوم.. تقوم وتموت.. تموت وتقوم.. تقوم وتقاتل..!

غزة، “مسيح” هذا العصر الحديث.. أو عصر ما يسمى الحداثة وما بعد الحداثة.. تحمل صليبها، أو تحمل بشكل أدق سلاحها اليومي، وأشلاء اطفالها الرضع وجثامين شهدائها كلهم على كتفيها.. كلهم يعني كلهم، وتسير على درب “الجلجلة” مجددًا ومجدًا.. فغزة كانت دائمًا تسير على درب الجلجلة أو “الجلجثة” كما في لغات البعض.. تسير شاهدة وشهيدة على صلب أخاها في الرضاعة (عيسى بن مريم ابنة عمران) بتول هذه الأرض وكل أرض.. تسير غزة حاملة سلاحها اليومي مرورًا بكل أسماء من قضوا في فلسطين وخارج فلسطين على يد الجلاد الصهيوني المدجج بكل أنواع الأسلحة.. من أسلحة الإرهاب، إلى الطائرات العامودية، والطائرات الحربية، والغواصات، والدبابات، والصواريخ، والمدافع والقذائف العنقودية و الفراغية و الفسفورية.. غزة تسير حاملة صليبها وسلاحها اليومي في  هذا العصر النووي الغربي والشرقي أقوى من الجميع دون أستثناء يذكر أو لا يذكر.

تسير وتزور كل إخوتها وأخواتها ضحايا المجازر الصهيو-إسرائيلية من النكبة إلى النكبة.. وعيسى يرافقها حاملًا صليبه وسلاحه اليومي.. تسير وتسير شاهدة وشهيدة على كل المجازر التي ارتكبتها العصابات الإجرامية الصهيونية المسلحة من مجزرة “حيفا” في مارس 1937.. مرورًا بمجزرة “الشيخ بريك” في ديسمبر 1947.. إلى مذبحة دير ياسين 1948.. إلى مذبحة قرية أبو شوشة 1948.. إلى مذبحة الطنطورة 1948.. إلى مذبحة قبية 1953..إلى مذبحة قلقيلية 1956.. إلى مذبحة كفر قاسم 1956.. إلى مذبحة خان يونس 1956.. إلى مذبحة تل الزعتر 1976.. إلى مذبحة صبرا وشاتيلا 1982.. إلى مذبحة المسجد الأقصى 1990..إلى مذبحة الحرم الإبراهيمي 1994.. إلى مذبحة مخيم جنين 2002… تلف غزة الأرض.. تلف غزة الأرض والسماء حاملة صليبها وسلاحها الفردي.. تزور كل مخيم، وتزور كل مجزرة وكل مذبحة وكل شهيد.. وتعود غزة العزة إلى غزة الكرامة.. تعود غزة إلى غزة.. تعود إلى مستشفى المعمداني، وإلى مستشفى القدس، وإلى مخيم جباليا أو إلى جبل الصوان الفلسطيني.. تدفن شهدائها.. نعم، تعود غزة.. تموت عزة.. تقوم غزة.. تقوم وتقاتل..!

شارك الموضوع

محمود القيسي

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *