الاختراق الفلسطيني للعقل الصهيوني الغربي والمكابرة في إنكار وقوعه

الاختراق الفلسطيني للعقل الصهيوني الغربي والمكابرة في إنكار وقوعه

عبد السلام بنعيسي

     أوردت وسائل إعلامية إسرائيلية وغربية تقارير إخبارية تشير إلى أنّ شعبة الاستخبارات العسكريّة (أمان) كانت لديها الخطّة التفصيليّة لهجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر الماضي، ولكنهم في قيادة المنطقة الجنوبيّة تعاملوا مع هذه التقارير باستخفاف، ظنا منهم أن حركة حماس ليست قادرةً على تفعيل أكثر من سبعين عنصرًا من قوّات النُخبة، وأنها أوهن من إرسال ثلاثة آلاف فدائيّ لتنفيذ ما سيعرف لاحقا بعملية طوفان الأقصى، وهناك من يستفيض في التحليل والاستنتاج ليخلص إلى أن إسرائيل غضّت الطرف، وسمحت بوقوع عملية طوفان الأقصى، لكي تظهر في هيئة الضحية المعتدى عليها، وتجعل من العملية مبررا للجرائم والمجازر التي ترتكبها حاليا ضد الفلسطينيين، بما يفضي إلى ممارسة تطهير عرقي وتهجير قسري لهم من القطاع، ويضيف أصحاب الاستنتاج أن عملية الأقصى، المدبرة إسرائيليا، بشكلٍ غير مباشر، استجلبت للمنطقة حاملات الطائرات، والبوارج الحربية، والأساطيل الأمريكية، وأقيم الجسر الجوي لحصول الجيش الإسرائيلي على ما يحتاجه من الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية الأمريكية والأوروبية لأداء وظيفة التهجير للفلسطينيين…

واضح أن الهدف من نشر مثل هذه التقارير حاليا هو التبخيس من الأداء الجيد الذي أشرفت عليه حركة المقاومة حماس، حين تمكنت من التلاعب بالعقول الاستخبارية الصهيونية وتنويمها، للانقضاض عليها في عملية طوفان الأقصى. فكما هو معروف، فإن حماس رفضت الدخول في المواجهات العسكرية التي نشبت قبل هذا التاريخ بين الجيش الإسرائيلي وسرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي، لأنها كانت تعد العدة لعملية طوفان الأقصى، ولقد خلق عدم دخول كتائب القسام غمار المعركة إلى جانب سرايا القدس الانطباع لدى قادة إسرائيل بأن حماس مردوعة، وأنها منشغلة بتدبير الشؤون المعيشية للساكنة الغزاوية التي تحكمها وتتكفل بمعيشها..

 القائد الميداني لحركة المقاومة يحيى السنوار سبق له أن صرّح لسجانيه وهو في الأسر، بأنه يفكر في تحويل قطاع غزة إلى سنغافورة، ولم يعد مهتما بالعمل العسكري ضد الإسرائيليين، وأياما قليلة قبل عملية طوفان الأقصى، كانت حماس تفاوض من أجل السماح بدخول عدد كبير من العمالة الغزاوية للاشتغال في إسرائيل، كما أن التركيز الحمساوي كان منصبا على القيام بأعمال فدائية داخل الضفة الغربية، وبتنظيم مسيرات احتجاجية قرب الجدار، وكان كل ذلك، يجري للتمويه على ما تنجزه القيادة الحمساوية  داخل قطاع غزة من تدابير وإجراءات  للمباغتة بعملية الطوفان…

فإذن، ركونُ المخابرات الإسرائيلية إلى الاطمئنان بأن حماس لن تُقْدم على عملية بحجم طوفان الأقصى لم يكن ناجما عن تراخٍ فحسب من جانب الإسرائيليين، ومن منطلق الاستهانة بقدرات المقاومة، جاء الركون نتيجة عملٍ استخباراتي دقيق ومدروس أوحت به العقول المقاومة إلى المخابرات الإسرائيلية، وخدعتها وتفوقت عليها بواسطته. فالحدث لم يكن مجرد صدفةً سعيدة بالنسبة للفلسطينيين، وسوء تقدير من جانب الإسرائيليين، إننا في حلبة صراع مرير بين طرفين، كلاهما يسعى للقضاء على الآخر، والجهد والتخطيط والاستعمال للعقل خلال الإعداد والتنفيذ، من جانب المقاومة الفلسطينية، خدّر العقل الإسرائيلي وسيطر عليه، ليفاجئه بضربة 7 أكتوبر ويهزمه في عقر داره.

إذا افترضنا أن المبادأة فاجأت المخابرات الإسرائيلية يوم 7 أكتوبر، فماذا عن الاستنفار الاستخباراتي الغربي والإسرائيلي الحاصل في حدوده القصوى، من يوم 8 أكتوبر إلى حدود الساعة، للوصول إلى الأسرى الإسرائيليين، بغرض الإفراج عنهم، ولكن مع ذلك فشلوا في العثور عليهم، لقد شنّت القوات الإسرائيلية الحرب على قطاع غزة، ولم تترك طائراتها مكانا هناك إلا وقصفته وأردته رمادا، ودخل جيشها إلى مناطق متعددة في القطاع، وأقمارها الصناعية تُصوّرُ وتراقب كل شيء في غزة، ومُسيَّراتُها التجسسية تجوب المكان، مُعزَّزةً بنظيراتها الأمريكية والبريطانية والألمانية والفرنسية، وجميعها تبحث عن الأسرى الإسرائيليين.. ولكنها لم تعثر على أي منهم، ولا على يحيى السنوار، أو محمد ضيف، أو مركز قيادة المقاومة في غزة لتدميره والاستيلاء عليه، بل لم تصل الاستخبارات الإسرائيلية إلى أنفاق غزة لتصويرها وهي معرضة للتدمير.

المثير في الأمر، هو أن مخابرات المقاومة استولت يوم 7 أكتوبر على كمبيوترات لبعض أذرع المخابرات الإسرائيلية في غلاف غزة، واستخرجت منها أرشيفا يضم معطيات غاية في السرية، واحتفظت به لنفسها، مع كل المعطيات التي يتضمنها، ولاحظ العالم أن المقاومة، كانت تُفرج على بعضٍ من أسراها، أثناء صفقة التبادل، في مناطق تقع تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، دون أن يدرك أفراده، من أين خرج الأسرى وكيف خرجوا، إلى أن يراهم وهم يُسلَّمون ويصعدون في الحافلات، مفرجًا عنهم.

أفلا يدلُّ هذا على تفوقٍ فلسطيني كاسحٍ في المجال الاستخباراتي على مثيله الإسرائيلي؟ ألا يعني ذلك، أن المخابرات الفلسطينية جديرة بالتقدير والاحترام لأنها تقارع مخابرات إسرائيل والغرب دفعة واحدة ولم يتمكنوا من قهرها، رغم الفرق الهائل في الإمكانيات بين الجانبين؟؟؟ من الأجدر بالتبخيس، المخابرات الغربية والإسرائيلية المتظافرة الجهود والفاشلة في الوصول إلى مبتغاها، أم مثيلتها الفلسطينية التي تُمسِكُ الأسرى بمفردها، وتحافظ عليهم كنزا ثمينا في حوزتها؟؟؟

في الواقع لا يطيق الغرب الإقرار بأنه انهزم ضد العرب والمسلمين، في أي واقعة، وبأي شكل من الأشكال، عاينّا كيف تم نشر فيديوهات، ومقالات، وكتب، وأشرطة وثائقية بعد أحداث 11 شتنبر 2001 التي كانت من ترتيب تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، وكيف أمسوا يزعمون فيها أن المخابرات الأمريكية كانت على علمٍ بيوم وقوع تفجيرات مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع بواشنطن، وأنها لم تتحرك لمنع وقوع التفجيرات، بغرض توظيفها لاحتلال أفغانستان والعراق، وتمَّ نشر هذه المواد الإعلامية بعد وقوع الغزو، وبعد أن أخذت أمريكا حقها بيدها..

لقد كان الغرض من نشر تلكم المواد الإعلامية ذات الطبيعة الدعائية، هو التقليل من شأن الاختراق الذي حدث في الجهاز الأمني الأمريكي من طرف العقل العربي والإسلامي والتهوين منه، للإيحاء بأنه عقلٌ غير مؤهل لإحداث مثل هذا الاختراق. نفس الأمر يحدث اليوم مع اختراق القائمين على طوفان الأقصى للعقل الصهيوني الغربي. الإسرائيليون والغربيون يكابرون في عدم تقبلهم لحدوث ذلك الاختراق لمنظومتهم العقلية.

لا تحتاج إسرائيل لذريعة، أو حتى لنصف ذريعة، إن أرادت شنَّ حرب على غزة أو لبنان أو سوريا، يكفي أن تتوفر لها النية والاستعداد للقيام بذلك، وستخلق لنفسها الذرائع لشن العدوان، وسيجد لها الأمريكان والأوروبيون ما يكفي من المبررات والأعذار لشن حروبها واقتراف مذابحها، والاستيلاء على أراضي غيرها. في نظر الغرب، إسرائيل دولة فوق القانون الدولي، ومتحررة من توابعه، وكل ما يصدر عنها مقبول غربيا، ومرحب به من طرف الدول ذات الماضي الاستعماري.

وعلى افتراض أن النخبة الحاكمة في إسرائيل كانت على علم بعملية طوفان الأقصى وأنها سمحت بوقوعها لاستغلالها في حربها المشنة حاليا ضد الغزاويين، فيتعين على الغرب عموما، وعلى الجمهور الإسرائيلي خصوصا، أن يحاكم هذه النخبة بأكملها، وأن يزج بها في السجون، وقد يستحق العديدون منها أحكاما بالإعدام بسبب الجرم المشهود الذي ارتكبوه، والمتمثل في العدد الكبير من القتلى الإسرائيليين الذين سقطوا في عملية طوفان الأقصى التي المفترض أنها مدبرة من طرف هذه النخبة الإسرائيلية الحاكمة.

هذا، طبعا، دون الحديث عن الحق في متابعتها عن آلاف الضحايا الفلسطينيين الذين سُفكت دماؤهم في هذه الحرب، فهؤلاء بالنسبة للغرب، وحتى للحكام العرب، لا بواكي لهم، وعليهم. إنهم كمٌّ بشري مُعرْقِلٌ، يتعين التخلص منه، للتفرغ لإنشاء المشاريع الزجاجية العملاقة، بالشراكة بين أبناء العم..

شارك الموضوع

عبد السلام بنعيسي

صحافي وكاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *