“أبعد من حدُود الوُجُود ” للأديبة مارلين سعادة.. مِن المَعَانيِ صَدَفَاتٌ ودُرَر لا نلقىَ منها إلاّ مَا ندَر

“أبعد من حدُود الوُجُود ” للأديبة مارلين سعادة.. مِن المَعَانيِ صَدَفَاتٌ ودُرَر لا نلقىَ منها إلاّ مَا ندَر

  د. السّفير محمّد محمّد  الخطّابي 

     “أبعد من حدود الوجود” كتاب جذاب اختارت له واضعته الأديبة اللبنانية مارلين سعادة عنواناً جميلاً ومؤثراً ومثيراً ومعبِّراً عمّا يعتمل فى مكنونات صدرها من تطلعات، ومشاعر، وخواطر، وأحاسيس، وذكريات ومعايشات منذ طفولتها البرئية الأولى، التي لا أقول عنها “البعيدة” لأنّ صاحبة الكتاب لمّا تزلْ تنعم، وما فتئت تحفل وترفل فى أثواب الشباب، وتنعم فى حلل وأردية ريعان مقتبل العُمر وشرخه، هذا الكتاب مرآة ناصعة ساطعة تنعكس عليها هذه الذكريات وهذه المعايشات، وهذه المشاعر الفيّاضة، والخواطر المتدفّقة.

إنّها من فرط لطفها، وحميد شيمها تضع هذه المرآة أمامنا لنتأمّل ونرى فيها ذكرياتها فإذا بنا نرى شيئاً آخر غير ما رأت، نرى ذكرياتنا نحن، وكذا معايشاتنا، ومشاعرنا، وخواطرنا تتراقص، وتترنّح، وتصدح أمامنا فى جذلٍ، وفرحٍ، وانبهارٍ، وسرورٍ بعد قراءة شذراتٍ  من شذى هذه الأحرف اللّجينية الملتاعة الملتهبة، فإذا بنا نسبح فى يمّ تعابيرها الجميلة بتأنٍّ، وتؤدةٍ، ونحتسي معانيها العميقة، ونستنشق نسائمَ طيبها، وننتشي عطرَ عبيرها الفوّاح فى شغفٍ ونشوة، وفى انسياق، واتّساق، واشتياق، وخشوع وخنوع .

الشّعرُ لمحٌ تكفي إشارته

    بين دفتيْ ديوان (أبعد من حدود الوجود)- الحاصل على جائزة الميتروبوليت نقولاّوس نعمان للفضائل الإنسانية بلبنان، والصّادر عن مؤسّسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية  ببيروت – تضعنا الشاعرة مارلين أمام لمحاتٍ وومضات شعريةٍ شفيفة تبيّن لنا مرّةً أخرى أنَّ الشّعرَ ليس تعقيداً ولا تعويذاً بل “لمحٌ تكفي إشارته وليس بالهذر طُوِّلت خُطبُه.. “، هكذا قالها قديماً أبو عبادة  البحتري المَنبجي، بعد أن بذّ وتفوّقَ على أستاذه، ومعلّمه أبي تمّام الطّائي عند مَقدم النيّروز، وهو يتغنّى بالرّبيع الطّلق الذي أتاه هاشّاً، باشّاً، ضاحكاً، مرحاً حتى كاد أن يتكلّما..! وهو يطربُ للبركة الحسناء التي لاحت مغانيها لمولاه المُتوكّل، ويتغزّلُ ويتشبّبُ بعيون المَها بين الرّصافة والجِسر اللاّئي سبق أن جَلبنَ الهوىَ لبلديّه عليِّ  بن الجَهْم من حيث يدرى ولا يدري! فضُرِبتْ للبحترى قبّة من أدم فى قرض الشّعر، كما ضُربت من قبل لصاحبه فى سماء النقد، والبلاغة، والإبداع نابغة بني ذبيان فى سُوق عُكاظ بظاهر بكّة الفيحاء.

هذه الّلمحات ” المارلينيّة ” التي تفيض (وداعةً وسعادةً) المُوفيّة، الحالمة، الهائمة، والعفيفة، الشفيفة تشيع بيننا حلوَ الكلام، وعذبَ البيان، وتنشرُ أو تنثرُ حولنا أريجَ الشّوق، وروائعَ البيان، وهالات الفِكر، والعِبر، ونوادر الدّررالتي تغبط القلوبَ المُعنّاة، وتجذل الأفئدة الحزينة، وتنعش الأنفس المكلومة (ما لعينكِ لا تنامُ …كأنّ في جفونها كِلامُ).. إنها ومضاتٌ استغوارية، واستكناهية، وإستبطانيةٌ جوّانية تبعث على الأمل والتأمّل، وتُفسحُ أو تفتحُ الأبوابَ على مِصراعيْها للخيال المُجنّح الفسيح، وتطلق سراحَ أسراب القطا المُحمَّلة أجنحتها بمراسيل الهويَ، والحبّ، والصّبابة، والجوىَ، والحنين لتحلّقَ طليقةً فى الفضاء اللاّزوردي البعيد، وما إنفكّت الشّاعرة تتساءل حيالها فى إلحاح بِضَرْبٍ من العتاب والضّنك: (ما للكلماتِ جوفاءَ لا تواتيني؟ صمّاء بكماء تنكرني وتجافيني) وكأنّ حالَ لسانها يشدو أمام هذا العجز، وحيال هذا القصورمع المّجنون العاشق المُتيّم الولهان قيس بن الملوّح وهو يسرح بعينيْه في الفضاء اللاّمتناهي البعيد صادحاً : ( أسِرْبَ القطا هل من يُعير جناحَه / لعلّي إلى مَنْ قد هويتُ أطيرُ..)!. إنها (ترجوها متلهفةً نقلَ سلامها إليه والحنين إلى المنزل الأوّلِ والحبيب الأوّلِ) وهذا الجمال، وهذا الانبهار، وهذا الإبحار يذكّرنا  لا محالة ببيتيْ أبي تمّام الطائي الرائعيْن القائليْن:

 نقّلْ فؤادَك حيثُ شِئتَ من الهَوىَ  /  ما الحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوّلِ..

كمْ منزلٍ في الأرض يألفُه الفتيَ    /  وحنينُه أبداً لأوّلِ منزلِ ..!

الكلمات عند هذه الأديبة والشاعرة الرقيقة تغدو فى هذه اللّمحات تساؤلات ملحّة متواترة،  وتنويعات وتريّة مؤثّرة، وهي وإنْ قَصُرتْ، تظلّ مشاعر مُفعمة بفيضٍ غامرٍ من الصّفاء والنقاء، ومُترعة بالبهاء والوفاء  نابعةً من نفسِ شاعرةٍ، رقيقةٍ، أنيقةٍ، ساهرةٍ، ساهدةٍ، سامرةٍ، تائهةٍ بين أعطاف الصبّ، والصّبا، والصّبابة، وحائرةٍ بين معارج التّيم، والتّيه، ومدارج الجَوىَ وأنين الرّبابة.

وأنا من وراء البّحار، وبيننا جِبالٌ الرّيف الشاهقة، وهِضابٌ، ومرتفعاتٌ، وآكامٌ، وسُهولٌ، وسهوبٌ، ومَفاوزَ، ومَهامِه، وقفار وصلتني همساتُ كلماتٍ شعريةٍ جميلة، أدركتني نفحاتُ معانيها، وسبك مبانيها، بعد أن حطّمت، ودمّرت، وهشّمت، واخترقت جدارَ الصّمت، وتجاوزت وقلّصت حواجز النأيَ والبعاد عن الديار، وشحط المسافات والمزار، وصلتْ، ودغدغتْ حلاوتُها مسامعي، وغَشَتْ أنفاسي طلاوتُها، وجَذلت قلبي معانيها، أدركتُ سريعاً أنّ مَصدرَها الفوّار، ونبعَها الفيّاض، وماؤها الزّلال، ومنهلها الرّقراق، ينابيع مُزنٍ غير غريبة عنّي، مألوفة فى مسامعي، معروفة في مداركي، تلمّستُها وسط زحام الحياة، وخضمّها، واكتظاظها،  ومشاغلها التي لا تنتهي وتترىَ أمامنا أيامُها الهاربات، وتنثالُ نصب أعيننا لياليها المدلهمّات، فأيقنتُ أنّها قاطنة فى جوارحي وساكنة في وجداني، وملازمة لآذاني وجَناني.

الأسلوب هو الرّجل

   عندئذٍ تساءلتُ مع نفسي في إعجازٍ وإعجاب: إذا كان “الأسلوب هو الرّجل ” Le style, c’est l’homme –  كما كان يقول المفكّر الفرنسي جورج بوفون Georges-Louis Leclerc, de Buffon –  فإننا والحالة هذه نكتشف، ونعرف، ونستشفّ من جرّائه روحَ (الكائن الإنساني) l’être humain   ( رجلاً كان أم إمرأة) ونتعرّف على طبعِه (ها) و على خصائص إبداعاته (ها)، وطرائق كتاباته (ها)، ومناهجَ تفكيره (ها)، أجل، نكتشف ونستشفّ كلَّ ذلك فى أسلوبه أو فى أسلوبها، وفى نظره أو فى نظرها إلى مَجريات الأمور ونوائب الدهر وتقلّباته.. ولا ريب أنّ المرأة أحرىَ، وأجدر وأحقّ بهذه المعاني الرّقيقة جميعِها، فأجلُّ وأجملُ الدّرر والآلئ والصّدفات، والجمانات، وأدقّ وأرقّ المباني والمعاني الشفيفة للمرأة نصيب الأسد فيها، وهي من صميم إختصاصاتها، وطبعها لحكمةٍ أرادها أو رامها  الخالق الناطق فى خلقه.

إنها نفس المرأة التي أدركتْ، وإعترفتْ أنّها لا تلقىَ من هذه اللآلئ والدّرر إلاّ ما ندر..! ولا غروَ ولا عجبَ فالعِطر الغالي، والثمين، والباهظ، والباذخ يُودَع في الغالب فى قواريرَ وأحقاق فى منتهىَ الصّغر والدقّة حتّى تكاد أن تُخطئها العين، وعلى الرّغم من صِغرها فإنّها تملأ حياتنا، وحواسَّنا، ووجداننا، وأنفسَنا طيباً زكياً، وعِطراً نديّاً، وعبيراً عَبِقاً فوّاحا.

الفكرُ الخلاّق

   ولمَ لا يجود الفكرُ الخلاّق علي الشّاعرة بما قد تروم من عِبَرْ..؟ ففي حالاتٍ “قد يطرق صمتاً يحوط المعاني “، ولا يرضى بوحًا بسرٍّ مَكنون، ومَصون كضميرٍ مستترٍ مُوارىَ فى بُطون أمّهات الكتب، والمصادر، والمراجع، والمظانّ، والمخطوطات، والمُتون.. إلاّ أنّه خلف جدار الصّمت تلمح الشاعرة بريقاً يشي بما هو مُخبّأ تحت هيادب الصّخور من دُرَرْ، يُخفى بين جوانبها، وسوانحها، وجوانحها، وجوارحها سلاماً مُرهفاً، وحنيناً مُترفاً، وحياءً، وقبساً من خَفرْ، فإنْ كانت بعض الكلمات تُمعن فى أن تظلّ فى أعين الشّاعرة المُجيدة (جوفاءَ، صمّاءَ ، بكماءَ)..؟ علّها ألِفَتْ بريق السّكوت، ففى بعض الصّمت حكمة، وبلاغةً، وملاذ.. إذ فيِ الصَّمْتِ – قالهَا ذات مرّة الشّاعر الفرنسيّ المُعنّىَ ” أرثورامْبُو” – يَنبغيِ لِلْقَصِيدَةِ أَنْ تَقْطُن- إذ يُخَيَّلُ إِلَينا أَحْيَاناً، أنَّهُ قدْ حَانَ أَوَانُ الصَّمْت، وكما أخبرنا العارفون .. فإنّ بعضَ الكلام إذا كان من فضّة، فإنّ الصّمت من ذهب.. والله تعالى وهبنا فماً واحداً لنتحدّثَ أقلّ.. وأذنيْن إثنتيْن لنسمعَ أكثر..!

قَدرٌ مُشْعلٍ على شفةٍ

   سكوت الشّاعرة، أو صمتها يشي بما لا يُدرَك إلاَّ بقدْرٍ باهظٍ من الصّبر، والجلد، والمثابرة، والأناة، والتريّث، والعَناء والذكاء، وبمصارعة المستحيل، كما صارع فى الزّمن الغابر ذاك الذي ( أسمعتْ كلماتُه مَنْ به صَمَمُ )، خيولاً من فوارسها الدّهرُ… وحيداً وما قولهُ كذا ومعهُ الصّبر..؟!، وتمرّس في الآفات حتى تركها تقول: أمات الموتُ أو ذُعِر الذُعرُ…؟ ولا يفتأ أن يضجّ فى ذهن الشّاعرة ضجيج، يفوق صخبَ، ودأب،ولجبَ البحر، وهدير لججه العاتية،وزبد أمواجه العالية ، إنه يدعوها للغوْص (عندما طابَ لنفسها الولوجُ لعُمْقِ المياه ونبش ما فات النظر) تحت ثبج صفحة البحر السّاكن، حيناً، والمُزبد أطواراً لتنبشَ، وتستخرجَ من قاعه ما لا يُرى، وما لا يُدرك وما لا يُشاهد بالعَين المُجرّدة من علٍ في السّطح.. عندئذٍ لم تلبث أن أتتها النجاة كقَدَرٍ مُشعلٍ على شفةٍ، فأدركتْ بالفعل أنّ المعاني، واللآلئ، والدّانات، والصّدفات، والجُمانات، والدّرر النفيسة ليس من السّهولة واليُسر الحصولُ عليها، أو الوصولُ إليها إلاّ بعدَ جُهدٍ جَهيد، وكدٍّ عَنيد.. ولا جَرَمَ أنّ هذا البحر هو اللغة لا محالة، كما أنّ لآلئه، وداناته، وجماناته، وجواهره، وصدَفاته، ودُرره هي معانيها، وبيانها، وتبيينها، ومَحاسنها، وشواردها..وبذلك كان قد أخبرنا ببراعة شاعرُ النيل حافظ إبراهيم عندما ألقىَ على مسامع الدّهر  تائيته الرّائعة الخالدة عن لغة الضّاد الجميلة. ونختم – والختامُ مِسكٌ كما يُقال- بالقصيدة الجميلة ذاتها التي نحن بصددها:

“صخورٌ ودُرَر” لمارلين وديع سعادة

ما للكلماتِ جوفاءَ لا تواتيني؟

صمّاءَ بكماءَ تُنكرُني وتجافيني!

تناديها المعاني، ترجوها ملهفةً

نقْلَ سلامي إليكَ وحنيني

سألتُ الفِكْرَ: لمَ لا يجودُ

عليّ بما قد أرومُ من عِبَرْ؟

فأطرقَ صَمْتًا يحوطُ المعاني

لا يرضى بوحًا بسرٍّ ضُمِرْ

وخلفَ السّكوتِ لمحتُ بريقًا

يشي بما تحتَ الصخورِ من دُرَرْ

وضجَّ في ذهني ضجيجًا يفوقُ

بصخبِ هديرِهِ موجَ البحرْ،

فطابَ لنفسي الولوجُ لعُمْقِ

المياهِ ونبشِ ما فاتَ النظرْ،

وأدركتُ أنّ المعاني لآلي

لا نلقى منها إلاّ ما ندرْ.. ! **

_____________________________________

* تحريراً في يوم 5 ديسمبر 2023 Torre Molinos (برج الطواحين ) إسبانيا .

شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *