الوطن أغنية حزينة

الوطن أغنية حزينة

هشام بن الشاوي

نص مهدى إلى كل أصدقائي الأساتذة

    كنت هناك، قبل عشر سنوات..

شاركت في ورشة الجائزة العربية الشهيرة، وباقتراح من الشاعر الراحل أمجد ناصر.  في منتجع قصر السراب، في ضواحي أبوظبي،  كنا محظوظين بأن نعيش  صيفا آخر هناك، بينما برد نونبر كان  يعربد في  نهارات مدننا البعيدة.

على الرغم من كل هذه الرفاهية الأسطورية، لم أكن سعيدا أبدا، هناك. كان الوطن يركل  قلبي، بكل ضراوة،  متواطئا مع موسيقى بليغ حمدي في فيلم “الزمار”. كان  الوطن  يختبئ خلف قطعة لحم صغيرة، أثيرة، فيسرق دموعي في وحدة الهزيع الأخير، حين يستبد بي الحنين إلى ابنتي البكر ياسمين، والتي لم يكن عمرها يتجاوز ثلاثة أشهر آنذاك، في ليال طاعنة في الوحشة.

أحياناً، كان يتقمص – هذا الوطن – دور طفل ، قفز إلى نهر الحكاية فجأة، فأغراني  بلعبة السياحة الافتراضية بعين الطائر،  فأتسلل إلى خارطة جوجل،  حيث يتمدد هذا العالم أمامي منبسطا في استسلام، كأنما  خرج، للتو، من سفر التكوين،  وفي لمح البصر، تتجاوز  أصابعي المرتبكة  الجبال والوديان، وتخترق الحدود في غفلة الخفر، وبسحر خفي، توسع الأصابع الملتقى عند نقطة ما فوق تراب ينشج في القلب، وحين يلوح اسم  منارة الجديدة، ناصعا  كالألم، أرتمي في حضن الدموع، دون أن أبحث عن بيتنا في سكينة تلك الظلمة البعيدة.

ذات هاجرة، اقترح أحد الأصدقاء المبدعين، أن نجرب الجلوس في المقاهي المتاخمة للمسبح. كنا نتحدث بلهجة واحدة تقريباً حتى نفهم بعضنا، وهي اللهجة المصرية، بينما  كنت أتحدث بلهجتي حين أكون مع الصديق الروائي الجزائري سمير قسيمي أو مع محمد الأشعري، وكانت لقاءاتنا شبه نادرة.

 في المقهى، فوجئت بشاب تجاوز منتصف العقد الثالث يقترب مني،  فشلت ملامحه في أن تخفي سعادته بالعثور على مغربي هناك. لم أكن أعرف أن  قسمات وجهي ستفضحني، في مكان أغلب رواده وموظفيه أجانب،  قد يخفون لغاتهم، ويتواصلون مع الآخرين بلغة شكسبير،  وبسبب جهلي الأثيم بهذه اللغة، واجهتني  مشاكل شتى، لا تحل إلا  بالعثور على  موظف عربي.

أخبرني ذلك النادل أنه من الدار البيضاء. لم يتحدث عن الغربة، بنبرة بكائية، كما أكتب الآن. كان يتحايل على الحنين بذكر سنوات عمله هناك، وعبر عن سعادته بأن أهداني كأس عصير على حسابه.

سنخرج من نهر الحكاية، لنرتطم بالواقع مجددا.

من قبل، كنت أرفض بشدة أي اقتراح بالعمل في الخارج. كنت مغفلا؛ أعتبر  كل من استسلم لهذا الإغراء خائنا للوطن؛  كل من هاجر فقد  خان  الدم، الماء والهواء.. خان التراب، الحجر، الوجوه الشاحبة والفصول الأربعة.

 الآن، هنا، تحضرني  ذكرى ذلك الكهل الصعيدي، الذي توجهت نحوه، وحييته. كان يقف وحيدا. كان الرجل الطيب مدججا في وقفته الشامخة بغربته الآنية،  يتلفت حواليه، بحثا عن زمكان إقلاع طائرة ستقله إلى غربة أخرى،  طويلة، موحشة، وعميقة كطعنة  غادرة.

الآن، وبعد أن اكتسح  الصدأ قلوبنا، لا ( ولن ) ألوم أبناء جارنا الأربعة، الذين  لا يزورون المغرب إلا في العطل، وهم يحملون الجنسية الفرنسية.

لقد  اكتشفت أن ذلك الطفل الصغير، الذي  ركلني هناك، قد  لقنني أهم درس في حياتي، بعد فوات الأوان؛  الحب مجرد كذبة، مثل السياسة تماماً، التي هربت منها دوما، وها أنذا أحاول أن أتعلم السباحة في مستنقعها، وعمري يحبو نحو الخمسين، بعد أن اكتشفت أن كل غنيمتنا في الحب: الألم والدموع،  في وطن ينكل بأحلامنا، يسحل مشاعرنا على الأرصفة الباردة، ولا يثور في وجه أقلية تراه مجرد كعكة، ولا ينتفض –  هذا الوطن-  في وجه قطاع الطرق عندما يتحول إلى  أغنية حزينة تغفو في عيون الأرامل واليتامى والفقراء.

شارك الموضوع

هشام بن الشاوي

قاص مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *