عبد القادر الشاوي: رحابة الكائن

عبد القادر الشاوي: رحابة الكائن

 إبراهيم الخطيب

          تغلب صفة الكاتب على عبد القادر الشاوي دون غيرها من الصفات. لكن إمعان النظر في سيرته، بالنسبة لمن عرفوه عن قرب، تكشف عن مشهد كائن متعدد، تظهر بعض مناحيه أحيانا بارزة، حين تختفي أخرى، أو تبرز هذه المناحي الخفية فتغدو مسيطرة على المشهد، إلى حين.

ابراهيم الخطيب مع صديقه التاريخي عبد القادر الشاوي في الرباط
ابراهيم الخطيب مع صديقه التاريخي عبد القادر الشاوي في الرباط

        عرفت الشاوي منذ ستينات القرن الماضي. وعندما أفكر فيه اليوم تبدو لي صورتي القديمة عنه باهتة، أحادية البعد، لكونها ارتبطت بالكتابة فقط. لكني أعتقد حاليا أنه لا يمكن الحديث عنه إلا إذا واكبنا مساره المُركب دون نزعة انتقائية، مع محاولة الإمساك بمشهده، بحثا عن رؤية جامعة. لقد نشر الكاتب المصري عباس محمود العقاد في أربعينات القرن الماضي سلسلة (بيوغرافيات) لشخصيات تاريخية معروفة في السياق الإسلامي أطلق عليها صفة (العبقريات)، فاستنتج من كل شخصية «قيمة» تفسر وتؤول مسارها كله، على أصعدة مختلفة. وحين أحاول النظر إلى عبد القادر الشاوي انطلاقا من قيمة كبرى تستوعب كيانه كفاعل متعدد، أكتشف الأبعاد التالية التي تتكتل في صفة «الرحابة»:

البعد العلائقي.

البعد السياسي.

البعد الجمالي.

البعد المبادراتي.

    1-  فيما يتصل بالبعد العلائقي، يمكنني القول، وقد خبرت الشاوي منذ سنوات طويلة، أنه كائن ودود، منفتح، يصغي للآخرين دون عقد. يتجلى ذلك في سعة لائحة معارفه، وأصدقائه، وصديقاته. وفي هذا الإطار يمكن الحديث أيضا عن وفائه وكرمه الإنساني، ومن هنا لجوء العديد من معارفه إليه لحل بعض مشاكلهم الظرفية، أو دعوته للمشاركة في تجمعات او ندوات أو وقفات التضامن دفاعا عن حقوق الإنسان، وهي مشاركات يقوم بها عن طيب خاطر.

   2- ويشكل البعد السياسي عنصرا بارزا في حياة الشاوي. فمنذ التعليم الثانوي، أدمج في اهتماماته هذا البعد، كقراءات، وكتحليل للأوضاع الاجتماعية في المغرب. وحين التحق بالجامعة ناضل ضمن اتحاد طلبة المغرب (وكانت منظمة مستقلة)، وساهم في فعاليات وتظاهرات ضد النظام الاستبدادي والقمعي. في هاتين الفترتين، أي في شبابه، شرع الشاوي في نشر مقالات في صحف ومجلات تقدمية، مثل مجلة «أنفاس» التي كان يصدرها عبد اللطيف اللعبي، وذلك دفاعا عن قضايا الشعوب المستضعفة، وخاصة القضية الفلسطينية، و ضد العنف المصلت على رقاب الحريات. في هذا البعد، يندرج عمله كمناضل في حركات سرية، ماركسية لينينية، وذلك قبل أن يقع فريسة العنف الجسماني والنفسي، ثم السجن الذي تطاول 15 عاما.

   3-  أما البعد الثالث لرحابة عبد القادر الشاوي فهو الجمالي. لم يضيّع وقته في نقاشات زملائه السجناء، وإنما اغتنم وضعه كسجين لممارسة العزلة والكتابة وتعلم العزف على القيثار ومراودة التشكيل في مختلف أشكاله. فيما يتعلق بالكتابة، كتب هناك روايته الأولى «كان وأخواتها» التي روى فيها مسارات ودهاليز التعذيب الذي عانى منه قبل الحكم عليه وإدانته، وقد تكفل بعض أصدقائه وزواره في السجن بالعمل على نشرها، لكن سيف المنع ما فتئ أن وضع حدا لتداولها العلني، قبل أن يتم بيعها بصورة سرية. وعندما غادر السجن، نشر الشاوي روايات يغلب عليها النفس الأوتوبيوغرافي، وتروي وقائع حقيقية ومتخيلة عن حياته كطالب، وأستاذ تعليم ثانوي، وصحفي، وسجين سياسي، ومشارك في هيئات حقوقية (كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجنة الإنصاف والمصالحة)، إلى جانب إنجازه دراسات نقدية استهلها بكتاب «سلطة الواقعية». وإثر خروجه من السجن، واظب على ممارسة الرسم باستعمال الألوان الزيتية (وقد شارك مؤخرا في معرض تشكيلي جماعي بطنجة)، كما دأب على رسم وهندسة أغلفة كتبه أو كتب أصدقائه كلما أتيحت له فرصة القيام بذلك. من جانب آخر، لم يتخل الشاوي قط عن العزف على القيثار، والتدرب على لحون مختلفة، لكنه يعتبر ذلك هوىً شخصيا محضا.

   4- ويتجلى البعد الرابع في قيام الشاوي بأعمال النشر وإحداث الصحف والمجلات. في هذا السياق، يعتبر الكاتب رجل مبادرات لا تخلو من جرأة، واستماتة. هكذا، بعد خروجه من السجن، عمد في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات إلى نشر مجلة فصلية ذات بعد عام تحمل عنوان «على الأقل» وتعالج موضوعات سوسيولوجية وحقوقية ونسوانية، إلى جانب موضوعات ثقافية. وفي التسعينات أيضا عمل، بتعاون مع بعض أصدقائه، على إصدار صحيفة أسبوعية على شكل طابلوييد هي «الموجة»، فضلا عن مجلة «الأخبار»، وقد تناولتا مواضيع سياسية، كما تطرقتا إلى تقديم بورتريهات لرجال السياسة المساهمين في التحولات التي عرفتها بلادنا في تلك الفترة، مع نقد سياسي لا يخلو من سخرية أحيانا. ويجدر بنا أن نضيف أنه في التسعينات أيضا، بادر الشاوي إلى إحداث دار نشر أطلق علها اسم «موجة» (تيمنا بالصحيفة المذكورة) واستهلها بنشر كتيبات صغيرة (36 صفحة) زهيدة الثمن (10 دراهم) تتناول موضوعاتها شخصيات ثقافية (بول بولز) أو سياسية (نوبير الأموي، وعبد السلام ياسين). والملاحظ أن مؤسسة النشر هذه، رغم انقطاعات اضطرارية، لا تزال تعمل إلى يومنا هذا، حيث تسهم، بين الآونة والأخرى، في تزويد المكتبات وفضاءات الكتب بدراسات تاريخية وسياسية، إلى جانب روايات ومتون مراسلات.

   ذلك في تحليلي هو مشهد رحابة عبد القادر الشاوي. مشهد غني، يعرض مسالك وسبل حياة كاتب صبور، عانى بمعنى الكلمة، حيث تعرض لأحداث جسيمة (بما فيها السجن الظالم والمرض الأليم)، لكنه استطاع الخروج من شرنقة اللامبالاة والعادة المرهقة واليأس إلى فسحة الابتكار والتخييل والعمل من أجل ثقافة كونية.

Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

ابراهيم الخطيب

ناقد أدبي ومترجم