الصالون المغربي وحضور الآخر

الصالون المغربي وحضور الآخر

 غيلان خالد

     البيت في الثقافة المغربية ليس تلك الدائرة المحدودة والمغلقة بالأسوار والسياج، هو كله أدوات تنكشف أسرارها من خلال سبر غور تعدد الاستعمالات وتحيل التفكير على أشياء أخرى بحسب الرغبة في توسع الإدراك والفهم. البيت المغربي  “مكان” لكنه أكثر من مجرد “مكان” هو تعاقد مشروط بمسؤوليات الذات اتجاه نفسها واتجاه الآخر، أي أن البيت  في شكله وجوهره نداء  “الأنا” لـ “للاأنا” في علاقة الذات بالعوالم الخارجية، مما يمنح الأنا الشعور بالأمان في إطار الانتماء للجماعة. المنزل في ظاهر بنيانه هو استقلالية للذات عن الغير، لكن الباب، النافذة، الفناء، وبالأخص غرفة الضيوف أو “الصالون” فضاء يساعد على انتشال  الذات من السقوط في الانطوائية والاغتراب، فتلك الزاوية بالبيت ملازمة لضرورة  “الوجود مع الآخرين” في هذا العالم. يعيد الصالون سؤال الذات للواجهة؛ فهل يمكن اعتبار غرفة الضيوف تبذير للمساحة داخل البيت المغربي كما يُروج له؟ أم أنه أفقا للغيرية يسمح ببلورة كينونة اعتبارية للأسرة  لنسج العلاقات الأفقية بين الذات “العاقلة البرهانية” في احتكاكها بالغير؟ هل يمكن الرهان على “الذات العمرانية” في الزمن المعاصر من أجل التشبث بالصالون في ظل ارتفاع الأصوات المُنادية بالتركيز على “الأنا” دون الغير، وحذف الغرفة المخصصة للاستقبال؟ أم أن الصالون كأداة فقد قابلية الاستخدام ولم يعد لوجوده نفعاً في زمن انتشار الغرف الافتراضية؟

 الصالون كفضاء للتواصل في الزمن المعاصر

   يحيل الصالون المغربي على الوصل بحمولته الوظيفية،  إذ يُمكن الذات  من “دمج الآخر”؛ الغرض الذي من أجله وجد. يوضح موضعه على مدخل الشقة أو على مستوى طابق بأكمله، بالنسبة للمنازل التقليدية، أهمية الآخر في تشكيل الذات المغربية المبنية على قواعد الانفتاح والترحيب، وحسن الاستقبال. ويحظى الصالون عند المغاربة بأهمية بالغة بالنظر لحجم المساحة المخصص له التي تراوح ما بين 30 و 40% من المساحة الإجمالية للبيت، بالإضافة لتكلفة التأثيث الباهظة. تعتبره الأسر واجهة للبيت إذ يصبح فضاء للإفصاح عن الهوية الذاتية، والترابية تبينها المنتجات التقليدية المختلفة المستعملة في تأثيثه من ديكورات أعدت من مواد خزفية – فخارية، جلدية، خشبية، وزجاجية. يتيح الصالون فرصة العرض لأدوات ومجسمات مصغرة تربط الأمس باليوم حتى تحول دون إقامة قطيعة الفرع بالأصل. وتحرص الأسر المغربية على وضع لمسات فنية حتى تصير الأفرشة متناسقة والستائر فاتنة ومتناغمة حول طاولة دائرية صُنعت من أجود أنواع الخشب ووضعت على زربية تنطق هي الأخرى بتعبيرات تشكيلية  في حوار هندسي لا يخلو من رسائل دفينة تترك للزائر وللضيف التقاط دلائلها الظاهرة والتساؤل عن أبعادها الخفية.

   ويُستشف من تخصيص جناح غربي بالصالون قدرة الثقافة المغربية على استيعاب احتياجات الآخر والتعبير عن تأقلم الهندسة المغربية مع متطلبات العصر. ويتم تأثيث الصالون الأوربي بأرائك جلدية وموقد للنار، وتزين جدرانه بلوحات زيتية في وضعية مقابلة للصالون التقليدي، مؤسسة بذلك لإمكانية الحوار وحل الخلافات، وتذويب التعارض بين الأسلوبين القديم والحديث. يزيد التنوع على مستوى الديكور المنزل أناقة مع وضع اعتباري متقدم للصالون التقليدي المغربي. ويعرف هذا الأخير ترتيبات خاصة في الأعياد الدينية والوطنية وبمناسبة استقبال شهر رمضان المبارك، وفي مناسبات عائلية كالولادة، النجاحات الكبرى، والتوثيق للزواج أو لتدبير الإرث، أو الالتفاف كعائلة ممتدة للتصدي لبعض المآسي وامتصاص حالات الحزن في فضاء  يساعد على تقوية الروابط. يراعي حضور الصالون بهالته تحقيق التوازن بين تناقضات الحياة، وهذا ما يفسر الاهتمام ” المبالغ ” فيه بهذا الركن من البيت والذي يعرف رغم تفكك الأسرة الممتدة وطغيان وحدات ذات بنية نووية، رعاية اعتبارية خاصة يعكسها توظيف العناصر المعمارية الضاربة في عمق التاريخ المغربي التي تؤثث مكونات البيت المغربي. وُجدت غرفة الضيوف بطبيعتها وبإرادة أهل البيت لكي يستعملها الآخرون، فهؤلاء هم الذين ساهموا في وجودها، فهم ليسوا غرباء عنها فهي منهم وإليهم، ولو امتلكوها مؤقتاً.

   يُوجهنا الصالون، في هذا الإطار، للحديث عن حتمية الانفتاح على الغير في زمن الضياع والعزلة، زمن طغت فيه الفردانية، والأنانية. يقدم الصالون – إن جاز القول –  “الوجه” لمصافحة “الوجه الآخر”، ويمثل بذلك جسر عبور للخروج من الجزيرة، وفرصة لتجاوز العزلة التي ولدها الاجهاض على الروابط الإنسانية والسقوط في فخ الخطابات الذاتية التي ترغب في اغتياله والنيل من خدماته، في ظل انتشار ثقافة تدعو بكل الوسائل للتركيز على “الأنا الضيقة”، وإغفال التعبيرات العميقة التي ما انفك الصالون كأداة يقدمها. ولدت غرفة الضيوف مجموعة من الأسئلة ذات حمولة فلسفية – فكرية باعتباره “المكان المرن” بالبيت الذي يساعد عملياً على ممارسة التأويلات بين الوجه والوجه الآخر، وبين ثقافات مختلفة، فكل ما يوجد بالصالون يحمل تعبيرات فيما بات اليوم دالا على التعايش مع الغير، بحسب ما تمليه ظروف الامتلاء والفراغ، والتكيف مع حالتي الوحدة والتنوع. فالدعوة لفتح الصالون للاستقبال الضيوف لا ينفي الذات وإنما يفتح مجالا لها – ككينونة – للتعبير والتعالي، أي أن سمو الأنا يتحقق في علاقاتها مع باقي الأكوان والأقوام، مما يعيد مفهوم ” الذات العمرانية ” للتداول من جديد في إطار ” التفاعل التواصلي ” والمستمر بين ” نحن” و”هم”.

الصالون فضاء “تحت التصرف ”

   وُجد الصالون ليُختبر باعتباره غرفة  “تحت التصرف”، وهذا الموضع المتقدم هو الذي يُتيح تحديد أوجه الاستخدام الذي يصلح له، سواء كفضاء مخصص لأهل البيت فيما بينهم أو كفضاء يقربهم من الضيوف القادمين من العالم الخارجي. تتكيف قاعة الضيوف مع احتياجات الأسر إذ يتم استعمالها في بعض الأحيان لأغراض مختلفة طارئة؛ فتستخدم كغرفة للنوم، كقاعة للقيام ببعض التمارين الرياضية الخفيفة، وتتحول كذلك لقاعة للمطالعة أو لتأدية الصلاة، كما عاشت الأسر هذا الوضع زمن انتشار فيروس كوفيد-19. إلا أن الصالون، رغم تعدد وظائفه، يحافظ على وظيفة خاصة نجد دليلها في حوار الذات مع الآخر، بغض النظر عن توزيع البيوتات بين الأحياء الفقيرة والغنية أو بين القرية والمدينة. ينتج الصالون للأسرة خلفية الترابط بين “الأنا ” و “الغير” وكأنه يذكر أفرادها حتى لا تُكرس النزعة الفردانية والنفعية  من جانب واحد، سواء كُرست عن وعي أو عن غير وعي. ليست الغاية من الصالون – إن جاز التوضيح – الامتثال للتراث، ولا هدم الموروث الثقافي ونفي الماضي جملة وتفصيلا، بل الرسالة من وراء الحفاظ عليه والاهتمام به هي نسج العلاقات الاجتماعية وتلبية الاحتياجات التواصلية تأسيسا للحوار وتمتينا للروابط بين بني الإنسان.  

   إن الذات هنا كهوية فردية تحمل أبعاداً متفرعة، فبالعودة لقراءة أستاذنا محمد المصباحي  في مؤلفه (الذات في الفكر العربي الاسلامي، 2017)، فالذات لها  بعد  “عقلاني برهاني”،  بعد “عمراني”، وكذلك بعد “عرفاني صوفي”  خفي لا يدرك بالعقل، بل “قائم على الغيرية”، وعلى نفي الذات باعتبار “الموجودات كلها تجليات لله” وتذوب في المطلق. فبالنسبة لابن باجة مثلا، فالذات الفردانية متحررة من مطلب خدمة الغير، “إلى درجة دفعت ابن باجة إلى ابتكار علم جدید خاص بها، هو ” التدبير المتوحد”  في مقابل “التدبير الاجتماع البشري” الذي نادى به ابن خلدون. يصبح الصالون بالنسبة “للذات العاقلة الفردانية”  فضاء غير نافع بما أن  الفرد المتوحد مطالب بـ “أن يعتزل عن الناس جملة ما أمكنه… أو يهاجر إلى السير التي فيها العلوم إن كانت موجودة” (بن باجة، تدبير المتوحد)، بينما حال الحياة المدنية “تقتضي ما هو عام ومشترك ودائم، الذي یمكن التحكم به واستثماره لخیر جمیع الناس وسعادتهم أو في الأقل معظمهم، أي تقتضي نفع الإنسان على المجرى الطبیعي، لا على المجرى غیر الطبیعي”. وفي هذا الباب يُطرح السؤال؛ هل نحتاج لغرفة الضيوف في ظل مجتمع طغت علية الفردانية؟ أم  أن بنية مجتمعاتنا العربية الإسلامية هي فردانية التكوين والنشأة؟ أي أن سعادة الفرد لا تكتمل إلا بالعزلة وبالتالي بالاستغناء “اضطراريا” عن الصالون والإعراض عن الناس والمجتمع والمدينة؟ فيمكن استنباط من أحكام ابن باجة بأن الرهان على “خدمة الآخر” لاكتساب مرتبة “الإنسان السعيد ” مسألة مستبعدة.

   بحسب أستاذنا محمد المصباحي (المرجع السابق، 2017) فطرح ابن باجة يقتضي استبعاد علاقة الكراهية بين النفس والبدن على مستوى الذات الواحدة، وهذا الطرح يعارضه اجتهاد ابن طفيل حول مفهوم الذات التي لا تكتمل إلا بحضور ذات ثالثة عرفانية “لا تحصل لا بمواظبة ولا باجتهاد، وإنما هي هبة من الله يهبها لمن يشاء وفي أي وقت يشاء”، بالعودة للباحث محمد المصباحي (المرجع السابق، 2017). فالصالون – في تقديرنا – سيحاصر الذات بطابعه العملي كفضاء للتداول له بعد “اجتماعي عمراني” باعتبار الإنسان كذات مكلف بإعمار الأرض؛ فتُعطى الأسبقية، كما يقول ابن خلدون، “للعلاقة على الجوهر، وللحركة على الثبات، وللاتصال على الانفصال”. من خلال هذا المنحى الاجتماعي، فالذات  “لا تدر ذاتها إلا من خلال غيرها “،  كما يقول ابن رشد نقلا عن أستاذنا محمد المصباحي (المرجع السابق، 2017). هذه المراهنة على الصالون ما هي إلا وسيلة للاعتراف بالآخر كللا تناهي infini؛ أي انفتاح على المجهول ليس بغرض الاستحواذ عليه، والقضاء عليه، لكن بالاستسلام له. يقول إيمانويل ليفيناس بأن علاقة الأنا بالغير هي علاقة استسلام لوجود لا نعرفه كما هو. فالمعادلة عنده مقلوبة، شبيهة بحالة الأرق؛ لن يأتي النوم بغرفة النوم، ولن تأتي الراحة والسلم والسلام بالاختباء داخل البيت إلا بالاستسلام للآخر. يساعد الصالون على رد الاعتبار للمجهول  وليس للمعلوم في إطار مبدأ أخلاقي هو “المسؤولية الشاملة اتجاه الآخر”.

   فالصالون – في تقديرنا – هو الاستجابة للاتناهي والانفتاح على الغير كما هو حتى ولو أُربكت الذات في عقر دارها، لأن الصالون يكسر وهْم الذات ويُشكك في قدرتها على تدبير المدينة  باكتفائها بذاتها. إن قاعة الضيوف  هنا تحمل دلالات ورسائل  بأسرار كثيرة لم تكتشف بعد، بحيث لا يكتمل الوجه وهو الجامع لجل الحواس إلا في  “حضرة الآخر” كما يقول إيمانويل ليفيناس، فيضفي عليه بعدا خاصاَ وعميقا، وكأن البيت مهما التصق بهوية صاحبه أو صاحبته لا يكتمل بدره إلا بحضور الآخر ومصافحته. يؤسس الصالون، في هذه الحالة لما يمكن تسميته بـ”حوار المواجهة”، فالمفكر المغربي طه عبد الرحمان، سيتحدث في سياق كلامه عن الذات وعلاقتها بالآخر، عن مفهوم “المواثقة” كتجلي ” يُشهد المسؤولية” على أسس تقدير الأمانة، بما في ذلك مسؤولية الجواب على أسئلة الآخر وانشغالاته (طه عبد الرحمن، سؤال العنف، بين الائتمانية والحوارية، 2017). وكأن غرفة الضيوف تقف هنا ضد النظرة الأحادية للعالم لتمنع التمدد الخطير للذات وما قد  تقترفه من جرم، فليفيناس يستهل الحديث في كتابه (الشمولية واللاتناهي، 9119) عن الحرب وأسبابها، مشيرا إلى أن هيتلر -كديكتاتور- لم يقم إلا بالإخلاص للدم والعرق الآري بمرجعية شمولية للسيطرة على العالم. وهكذا فالحرب تتوخى قتل الآخر لأنه يعارض الذات ولا يشبهها، وبالتالي يفرض المنتصر  نظامه الخاص، ونظرته الأحادية للحياة؛ في الأكل، والشرب، والملبس، والحكم، والإدارة، وما إلى ذلك من معايير المطابقة le même ! التي بإمكانها أن تقود البشر للتجانس تحت تأثير “الإرادة العمياء”، بهدف طمس الحق في الاختلاف.  ومن شأن اللاتناهي؛ أي الاهتمام بالآخر كمجهول أن يحرر الإنسان من هذا الواقع المر. ومن هنا تأتي ضرورة استضافة الآخر وفتح أبواب الصالون للضيوف حفاظا على الإنسان وإنسانيته.

خاتمة

   في الوقت التي ترتفع الصيحات عبر العالم لغلق الصالون و التركيز على الأنا معتمدين في ذلك على قولة جان بول سارتر “الجحيم هم الآخرون”، يعود الصالون المغربي ليجدد رسالته وينفتح على الآخر وهو في أحلى حلة صامدا في وجه المخططات التي تسعى لهدمه بخطاب لا ينسجم مع المجتمع المغربي المنفتح بثقافته القائمة على المسؤولية اتجاه الوجه الآخر. إن مغاربة العالم يحملون أركان ثقافة الصالون أينما حلوا وارتحلوا عبر بلدان المعمور، في وقت يتم الإقبال عليه وعلى الزخارف التي تؤثثه من طرف أوربيين وأمريكيين. تقدم غرفة الضيوف كما هو معلوم عدة خدمات اجتماعية، ونفسية، تواصلية إذ تساهم في فك النزاعات وإقامة مواثيق المودة  بين الأسر وربط الأجيال فيما بنيها . وهكذا تتكيف غرفة الضيوف مع التعدد في إطار وحدة البيت الواحد ميسرة حرية استقبال الغير دون المس بخصوصية الأسرة. هكذا تشكل الصالة الصلة بين الذات والغير وبين الانسان والعمران في إطار الاستفادة من التنوع لتزكية الغنى المعرفي، العملي الخلاق.

   هذه المكونات هي التي ساعدت الصالون المغربي على الذيوع والانتشار ليصبح ظاهرة فنية معمارية معبرا عن الجوانب المادية واللامادية المكونة للهوية المغربية ولخصوصيات المجتمع المغربي الموجود في نقط التماس بين الشرق والغرب، بين أوربا وإفريقيا، وبين العالمين القديم والجديد. نعتقد أن الصالون المغربي (غرفة الضيوف) ليست حجرة غريبة عن البيت وجب محوها باعتبارها تعكس الثنائية والتناقض بين الذات والآخر، بل الصالون في الثقافة المغربية هو تعبير عن الأنا التي تذوب في الوجه الآخر.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

غيلان خالد

باحث وكاتب