الفراغ الرئاسي في لبنان يهدد الجمهورية…

الفراغ الرئاسي في لبنان يهدد الجمهورية…

أحمد مطر

       في ظل ارتفاع منسوب القلق، ومع حلول الأعياد التي غابت الفرحة عن البيوت المثقلة بهموم الرغيف والدواء وقسط المدرسة، وزادت جراح الجنوب النازفة بدماء الشباب، من معاناة الناس الغلابى، الذين فقد بعضهم أموالهم في المصارف، فيما تهدمت بيوت البعض الآخر بالقصف الإسرائيلي الهمجي على القرى الحدودية الآمنة .

‎ لم يعد الخلاف على انتخاب رئيس الجمهورية، هو السبب الحقيقي للمشكلة التي يعاني منها لبنان حاليا، وإن كان هو الواجهة التي يتلطى وراءها حزب الله وبعض حلفائه ظاهرياً، منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، قبل ما يقارب السنة والنصف، بل يظهر جلياً مع مرور الوقت أن المشكلة ابعد من الانتخابات الرئاسية، وتتعداها إلى التركيبة السلطوية عموما، وموقع لبنان من خريطة المنطقة العربية التي ترسم حاليا، من خلال نتائج الحرب الإسرائيلية التدميرية على قطاع غزّة، والحروب الدائرة على هامشها في المنطقة، وعلى الحدود الجنوبية اللبنانية مع إسرائيل، ودوره المستقبلي وتبعيته السياسية والاقتصادية.

‎    الصراع السياسي المحتدم بالداخل اللبناني حول شخصية رئيس الجمهورية المقبل، وانتمائه السياسي، وإبقاء لبنان بلا رئيس للجمهورية منذ قرابة العام والنصف، بالرغم من حدة الأزمة المتعددة الاوجه ووطأتها القاسية على اللبنانيين، لم يحصل بالصدفة، بل كان مخططا له، لتسهيل تنفيذ الاهداف المتوخاة منه على المدى البعيد.

   نبع تعطيل الانتخابات الرئاسية مباشرة، انقسام حكومة تصريف الأعمال والشلل الجزئي بعملها ومهماتها، وضعف الأداء في مختلف إدارات الدولة، إضعاف السلطة القضائية ومنعها من القيام بالمهمات المنوطة بها في ملاحقة المتورطين بالفساد والملفات المشبوهة، الفراغ في الوظائف والمراكز القيادية، وتردّي الاوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية للمواطنين.

‎   لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فكان قيام حزب الله بفتح جبهة المواجهة مع العدو الإسرائيلي على الحدود اللبنانية الجنوبية، من جانب واحد، تحت عنوان التضامن مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، متجاهلا وجود الدولة وحكومتها ومؤسساتها، وسياسيها وقادتها ورغبة معظم الشعب اللبناني، برفض الانجرار إلى الحرب خارج حدود لبنان ولحسابات خارجية، وكان هذا الحدث أبرز مؤشر على سبب تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية عمدا، وإبقاء لبنان بلا رئيس للجمهورية.

   كان لتدرج الأحداث وهول المخاطر والتداعيات المحدقة بلبنان منذ، اندلاع المواجهات العسكرية بين حزب الله وقوات الاحتلال الإسرائيلي جنوبا قبل ستة أشهر، أكثر من دافع ضروري لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلا أن استمرار حزب الله بربط انتخاب رئيس للجمهورية، تارة بوقف إطلاق النار في غزة، وتارة أخرى بانتهاء المواجهات العسكرية على الحدود الجنوبية، يزيد من الإشارات والدلائل بوجود نوايا مبيتة، أبعد من الخلاف على الرئاسة لأسباب محلية.

‎    أما الأهم في كل ما يحصل، فهو ما كان يمرر على هامش تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية طوال هذه المدة، من شعارات وموصفات تبرر التعطيل، بداية من فرض إجراء حوار مسبق بين الأطراف السياسيين، أو لجهة شخصية الرئيس المقبل، وميوله السياسية، تارة أن لا يطعن المقاومة، وتارة أخرى أن يكون شجاعا ولا يخاف الأميركييين، كما قال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله ذات مرة، وغير ذلك من مفردات الحزب السياسية.

    بعد ستة أشهر على المواجهة المحتدمة بين حزب الله وقوات الاحتلال الإسرائيلي على الحدود اللبنانية الجنوبية، وأضرارها وتداعياتها على مناطق الاشتباكات الحاصلة وعلى لبنان كله، لا يظهر أن انتهاء حرب غزّة قريبا، بعد فشل المساعي المبذولة على أكثر من صعيد، هل يستمر الحزب برفض الإفراج عن الاستحقاق الرئاسي، للخروج من دوامة المأزق الذي تسبب بإدخال لبنان فيه، بممارساته وسياساته الملحقة بإيران ولحساباتها ومصالحها الإقليمية والدولية، بالرغم من كل المحاذير والمخاطر الناجمة عن ذلك.

‎   ختاماً، لا شك أن استمرار الحزب بالمواجهة المحتدمة جنوبا، بكل تداعياتها ومؤثراتها الخطيرة على الداخل اللبناني، وعدم الأخذ بالأصوات الداعية لوقف هذه المواجهة، التي وصلت في أنظار الكثيرين إلى حائط مسدود تقريبا، في ظل اختلال موازين القوى بفعل الدعم الأميركي اللامحدود لإسرائيل، حفاظا على مصلحة الوطن كله ومصلحة الحزب أيضا، فهذا معناه انسداد آفاق الحلول للأزمة المستعصية، والاستمرار في مسار الانحدار نحو الأسوأ، وقد تكون الأفضلية لتحقيق الأهداف المرجوة من تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية والشلل بمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها إعادة النظر بالنظام السياسي وتوزيع السلطة السياسية، ووضع تشريعات لقوننة سلاح الحزب، أسوة بما حصل بالعراق، لإبقائه سيفا مسلطا على الدولة اللبنانية ومؤسساتها وقراراتها السياسية ومقدراتها الاقتصادية، وموقعها ودورها الإقليمي والدولي، وإن كان تنفيذ مثل هذه الأهداف المبيتة، مرفوضا من معظم اللبنانيين، ويضع لبنان كله في مهب مواجهة غير محسوبة.

Visited 11 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

أحمد مطر

صحفي وكاتب لبناني