الرؤية النسوية وتفكيك الاستعمار في رواية “العشاء الأخير لكارل ماركس”

الرؤية النسوية وتفكيك الاستعمار في رواية “العشاء الأخير لكارل ماركس”

لحسن أوزين

       “زوجتي جيني، لروحها السلام، كانت دائما تقول لي: “تاريخ الأدباء خير من تاريخ المؤرخين”. هؤلاء الأخيرون تعلموا ألَّا يروا إلا ما هم متعودون ومبرمجون على رؤيته.

– فعلا.. ما لا نُؤرِّخ له هو الأجمل دائما” 101

     تؤكد رواية فيصل الأحمر الأخيرة “العشاء الأخير لكارل ماركس”، هذه الرؤية العميقة للأدب في خرق المألوف السائد من المعرفة الجاهزة. ففي الرواية إبداع حقيقي وقدرة خلاقة على إنتاج معرفة سوسيولوجية وأنثربولوجية، من خلال آليات وتقنيات الشكل الروائي، ككتابة فنية إبداعية، لها أدوات اشتغالها ومنطقها الداخلي الخاص والمتميز. هذا يعني قدرة الأدب على أن يكون أرضية وسندا داعما وفاعلا للعلوم الاجتماعية والإنسانية. وذلك من خلال استغلاله لآليات اشتغاله في الجمع بين المتخيل والواقعي كاستراتيجية في الكتابة تروم تحرير المكبوت، والمسكوت عنه والمنسي، والموؤود، بفعل الغلبة والقهر والقمع.

    والجميل في هذه الرواية أنها تسير في هذا الاتجاه، وهي تنسج الخيوط المعروفة والمجهولة لرجلة ماركس الى الجزائر. لا تكتفي بسبر أغوار هذه الرحلة وما كتب عنها، بل تستنطق المعطيات، وتؤسس أخرى تسمح بفهم ما حدث. وذلك تبعا للمعاني العميقة التي ارتبطت بشكل أو بآخر بفكر وسيرة وحياة كارل ماركس، الخاصة والعامة، الفيلسوف والمفكر والثوري المناضل، والزوج العاشق، والأب…

    والجميل أيضا أن الرواية غير مأخوذة بالماضي، بقدر ما تتوخى تحيين تلك المعاني، ومنحها آفاقا إنسانية رحبة في التحول والتغيير، والثورة الحقيقية على كل الجذور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية، الوحشية التي تقف في وجه التغيير المنشود والتحرر الشامل من كل أسس ومظاهر القهر والاستغلال والعنف والهمجية التي تكيل وتعيق الشرط الحضاري الاجتماعي الإنساني.

   لهذا تعمل الرواية على تفكيك الاستعمار، بصورة كلية، كظاهرة تاريخية اجتماعية، متجذرة في البنيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ولدها التراكم الرأسمالي عبر سيرورة حركته التطورية، كنمط إنتاج وعلاقات اجتماعية اقتصادية سياسية. تكرس القهر والطبقية والاستغلال والتبعية البنيوية، التي تصوغ وتعاود إنتاج أشكالا سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية، لاستعمار الاستعمار بكل عنفه وتوحشه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يناقض كليا الوجه الديمقراطي الحداثي الذي يتستر وراءه الاستعمار في جشعه واستغلاله وتوحشه القهر اللاإنساني واللاأخلاقي.

” هل علينا أن نقول للتاريخ وللأجيال التي تأتي من بعدنا ونحن ورثة أهل المُتنوِّرُون(.. ( illuminati الأنوار.. نحن الذين نزهو بتسمية الإيلوميناتي إن دورنا في التاريخ لم يتجاوز التلاعب بالسياسة لخدمة المصالح المالية، وإننا نحن أول من غلَّب المصلحة الاقتصادية على المُثُل الأخلاقيَّة العليا التي مات لأجلها الناس، والتي حوَّلتنا إلى الجهة المركزية في هذا العالم؟” 61

   وفي سياق هذا التفكيك للاستعمار في أسسه المادية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وفي خلفيات الفلسفية والمعرفية والابستيمولوجية والأيديولوجية تحضر أيضا الرؤية النسوية،(زوجة ماركس) بمنظور نقدي واسع شامل، للجوانب المادية الاجتماعية التاريخية وللأنظمة الثقافية والرمزية، التي ولدت منهجيات ومقاربات فلسفية علمية وسوسيولوجية أحادية سطحية عاجزة عن الإحاطة بالإنسان في واقعه المادي، وفي أبعاده المعنوية الوجدانية الميتافيزيقية.

     تحكي لنا الرواية عن رحلة ماركس الى الجزائر، حيث نصحه الطبيب بضرورة تغيير المكان، بحثا عن مناخ معتدل مشمس، قد يساعد في تخفيف أزمته الصحية. لهذا سافر الى الجزائر واستقر بفندق فيكتوريا. وهناك التقى بشخصيات واقعية مثله عايشت هذه الفترة التاريخية الحديثة من تطور الرأسمالية، بوصفها استعمارا إمبرياليا. وانطلاقا من هذا الفندق تطور الفعل الحكائي السردي بطريقة تقليدية كرونولوجية. معتمدا على تقنيات في الكتابة الفنية، تمزج بين الحوار المتماهي مع الواقعي، في شخصياته ووقائعه، كآلية للتوليد والبناء السردي للرؤى والأفكار والدلالات، وبين المتخيل المولد للخصائص المعنوية الفنية والفكرية. هكذا نتعرف على الحياة اليومية لماركس التي من خلال تفاعلاتها الجوانية، وما تحمله من تركم نفسي فكري وعاطفي، ومن خبرات وتجارب وعلائق اجتماعية. وتفاعلات برانية مع شخصيات في الفندق وخارجه. وانطلاقا من هذه التفاعلات نتعرف على الواقع الكولونيالي للجزائر. وما عاشته البلاد كمستعمرة فرنسية من نهب وقهر، وسلب للأرض، وتجريد للإنسان من قيمته وحصانته الإنسانية، بالقتل الى حد الإبادة والاستيطان.

    الرواية بلغتها الجميلة الشائقة، والعميقة الرؤى الفكرية تقدم لنا جميع الترابطات والعوامل المادية الرأسمالية، وأنماط الممارسات السياسية الاستعمارية الصريحة والفظيعة. بالإضافة الى الرؤى الفكرية السياسية الثورية الحمراء من الخارج، والبيضاء من الداخل في انتصارها للاستعمار والاستغلال والدمار وكل الفظاعات الإنسانية باسم الحضارة والتمدن والتحديث والتأهيل…

     “كيف يدافع رجل عالي الهمَّة مثل طوكفيل عن الديمقراطية، ثم يأتي بعد ذلك ليصوِّت لصالح قرارات استعمار الجزائر التي ستؤدي إلى سرقة أراضي القبائل هناك، مع علمه اليقيني بأن ذلك سيؤدي إلى ثورات شعبية لا مهرَب منها. وسينتج عن ذلك قمع وتقتيل. تصل الحكومة وقُبَّة البرلمان تقارير دقيقة عنه، ثم يقبلها العقل العظيم لطوكفيل والعقل الرومانسيّ عالميّ الحساسية إنسانيّ القيَم والميول للامارتين، رجلان عظيمان أو هكذا يبدوان ولكنهما سينسيان تمامًا حق الجزائريين في التعبير عن رأيهم وفي تقرير مصيرهم على أرض جدودهم؟”144

    كما تحضر في هذا اليومي بقوة زوجة ماركس في كل تفاعلاته مع المكان وشخصيات الكولون الواقعية، وأهل البلد. وكان لهذه المرأة دور بارز في نسيج الرواية، باعتبارها الرؤية السوسيولوجية النقدية الشاملة للعلاقة الكولونيالية، وللعلاقات الاجتماعية الإنسانية في ظل التوحش الرأسمالي المتلبس لقيم الحداثة الساقطة في وحل ومستنقع السلب والنهب والقتل والخراب والجرائم ضد الإنسانية. دون أن ننسى دورها النفسي العاطفي في تحريك القلب والعقل. بوصفها رؤية نسوية مدركة خبرة وتجربة الاضطهاد المزدوج المضاعف، والأبعاد والوجوه الأخرى للإنسان، التي قل ما تنتبه إليها القوة والسلطة والمعرفة الذكورية.

أولا / تفكيك الاستعمار

    “طوال حياتي لم أفعل شيئًا عدا العمل في البحرية العسكرية. ظللت أذهب إلى جُزُر بعيدة مثل جزر الغْوِيَّان وكايين وجزيرة الشيطان، أو إلى كاليدونيا الجديدة والمارتينيك وأبعد منها.. كنا ننقل الأسرى والمؤونة. لم أَقُم طوال حياتي برحلة خالية من الموتى والمتمردين. حياتي هي سلسلة طويلة من الخدمة في ميدان نسميه البحرية والمقصود هو الحربية، ونسميه زيارة الجُزر والاستكشاف مع فرَق العلماء، والواقع أنها كانت تنظيما لمجازر رهيبة، ثم كذب أبيض من خلال إطلاق أسماء علمائنا وأمرائنا الجبناء على نباتات ندَّعي أننا اكتشفناها فيما أهل البلد يعرفونها ويستعملون معظمها منذ الأزل. وكل من يتحرك ضد ما نفعله نعاقبه بأقسى أشكال التقتيل، حتى لا نخول لغيره من الغاضبين على الوضع نفسه فيتحرك هو أيضًا. إنها حضارة القتل والخوف. لا مجدَ مع الرعب. الرعب يُنتج الرعب والكُرْه الكبير.”66

    يعمل العنوان والغلاف على القصف الذهني لما تختزنه الذخيرة الثقافية التي يمتلكها القارئ المطلع على السوسيولوجية والانثربولوجية الكولونيالية، وعلى الدراسات والطروحات النظرية والنضالية لما بعد الاستعمار، ومدرسة التابع، ومقاربات العصيان المعرفي الديكولونيالي. وقد يتبادر أيضا بشكل خاص ما أشار إليه إدوارد سعيد في كتابه القيم الاستشراق حول ماركس فيما يخص وجهة نظره في الاستعمار باعتباره ضرورة ثورية في سيرورة تطور الرأسمالية، لاجتثاث الأطر الاجتماعية والاقتصادية التقليدية.

    هذا يعني أننا أمام رواية تندرج ضمن أدب ما بعد الاستعمار. فهي تعري بشكل واضح الوجه الدموي للحداثة والقيم الديمقراطية الغربية. وكل التناقضات التي رافقت التطور الرأسمالي في مرحلته الاستعمارية والامبريالية. وحضور ماركس هو تحيين إبداعي لكل التناقضات والعوائق التي أعاقت وتعيق تحرر مجتمعاتنا من السيطرة والهيمنة الكولونيالية. وفي الوقت نفسه فضح للممارسات والخطابات الغربية في علاقاتها الدولية مع الخارج، حيث التغلب والقهر والإرهاب العسكري والإعلامي والسياسي الذي مارسه الغرب، ولا يزال، بوصفه استعمار دموي لا علاقة له بالتمدن ونشر الحضارة. بقدر ما كان احتلالا واستيطانا ومجازر وقتلا،” وتهبا للثروات المادية والرمزية، ومسخا وتشويها للهويات و للتراث الإنساني.

    متعة الرواية في كونها تستحضر مجموعة من الشخصيات الواقعية التاريخية، التي عاشت وعايشت التجربة الاستعمارية: فيرمي، لا مارتين، غيزو، جول فيري، طوكفيل، ماركس، أنجي زوجة ماركس…

  وتشتغل الرواية على الوقائع والمعطيات التاريخية بلغة ساحرة وأخاذة، تنسجم مع تقنيات الكتابة السردية العالية الصنعة الفنية، والمحكمة الرؤية الفكرية. حيث تنظم حوارات عميقة مفعمة بالكثير من الاعتراف والنقد الذاتي، وفتح دفتر الحساب العسير مع الذات الاستعمارية المتغطرسة. البعيدة كليا عن إرث الحضارة العقلانية والحرية والعدالة والمساواة، وكل التراث الأنواري في الانتصار للإنسان.

    ” – لا أحد قال لي إن هؤلاء المساكين الذين أعدمناهم في إطار خدمة المصلحة العليا للبلاد سيستيقظون بعد كل هذه السنوات ليأتوا فيزورونني كل ليلة. لا أحد قال لي إنني سأتذكَّر وجوههم جميعًا أنا الذي كنت كثيرًا ما أقتلهم دون التفرُّس في وجوههم لهذا الغرض بالذات. كنت أعتقد أنه يكفي ألَّا تنظر إلى وجوههم لكيلا تتعرَّف عليهم ولا يتعرفون إليك. كَمْ كنتُ مخطئًا!

–  فعلا الأمر رهيب، رمى ماركس ليمنح صاحبه فرصة استرجاع أنفاسه التي كانت قد بدأت تقصر وتتضاءل.

–  لا.. ليس رهيبًا كما تعتقده. عليك أن تعيش هذا العذاب لكي تفهم حجم المأساة. يأتونني بالعشرات، كلهم بوجوه حزينة وبأعناقهم أو بطونهم المفتوحة. يقفون هنا عند باب الفندق أو باب الغرفة، أو في حديقة بيتي في الجنوب. لا يقولون شيئًا. ينظرون إليَّ أو يتفرَّسون في البيت دون أية كلمة. الغريب أنني أذكرهم بوضوح وأرى أمامي حادثة الذبح أو القتل أو بَقْر البطن.”67

    ومع ذلك ظل هذا النقد الذاتي حبيس الجدران وطي الكتمان الخجول، عاجزا عن ممارسة الاعتذار وتطهير النفسية المعذبة للجلاد المتوحش. هكذا تستثمر الرواية تقنية الحوار كآلية لتعرية وكشف المستور والمسكوت عنه. ذلك الوجه الاخر الفظيع والدموي اللامرئي للقيم الديمقراطية الغربية. حيث تسقط خطابات الحداثة والحضارة والقيم الإنسانية ومنظومة ومبادئ حقوق الانسان.

” كَمْ أتمنى لو أستطيع الاستغفار. لحظتها فقط أنتبه إلى أن رأسي مفصولٌ عن عنقي، لقد ذبحت نفسي أيضًا من الوريد إلى الوريد فلم أعد قادرًا على الكلام. يا إلهي ماذا فعلت بنفسي وبهم. أنا أود أن أعتذر أمامهم عن الحماقات التي مارستُها. كنت أعتقد أنني أُسدِي خدمة كبيرة لوطني، الذي كنت أعتقد أنه يفعل كل تلك الفظاعات في محاولة لنقل الحضارة إلى كل مكان”68.

لم تكن البرجوازية الفرنسية الاستعمارية معنية بكل هذه المآسي، بقدر ما كانت سعيدة ومنتشية بما حققته مت تراكم ومكتسبات رأسمالية. تحت غطاء خطاب إيديولوجية نقل الحضارة والتمدن. أو ما كانت تسميه تأهيل الهمج. الشيء الذي رفضه ماركس في حواره مع جميع شخصيات الرواية التي تجادلت وتحاورت معه في فندق فكتوريا بالجزائر حيث استقر هناك بدافع محاولة تخفيف ضغط عذابات ألم المرض الذي أنهكه في المدن الغربية الغائمة، الباردة والشديدة الرطوبة.

-“- مسيو ماركس غير مُعجَب – على عكس الجميع – بتجربة تحضير الهمج في إفريقيا على ما يبدو- قال المستر فولر، الكاتب الإنجليزي المقيم في الجزائر.

رشف ماركس رشفةً من نبيذ فيرمي شاكرًا إياه، وقال بصوتٍ أهدأ:

  • أعتقد أن الدور الأول للحضارة هو التنظيم. إذا كنَّا نقيم نماذج جديدة للحياة لا يجد فيها الناس جميعًا أنفسهم فمعناه أننا لم ننجح في مهمتنا. والعلامة التي لا تخطئها العين هي كُرْه الناس لنظامنا وشعورنا بالحاجة إلى القمع لجعل الناس يرضون بنظامنا. القمع آفة الزمن الحالي.” 163

   تذهب الرواية في اتجاه الحفر وتسليط الضوء على الواقع الجزائري، حيث تجد في شخصية ماركس كمفكر ثوري أممي مساند للعمال والمسحوقين، ما يسمح لها بتحليل ونقد وتفكيك الاستعمار. مع الإشارة الى بحثه واهتمامه بالحركات والتنظيمات المقاومة للاستعمار وسياساته المتناقضة مع خطاب الحضارة الزائف والمغرض. وهذا يعني أن الشعب الجزائري واع بحقيقة وخطورة أهداف ومصالح السياسة الاستعمارية. وليس مجتمعا جاهلا، مكونا من الهمج. وهذا ما يتسجم مع فكر وقناعات ومبادئ ماركس في التأييد والدعم والمشاركة فكريا وسياسيا في الفعل الكفاحي لكل الفئات والطبقات والشعوب المقاومة للاستغلال والطبقية والملكية الخاصة، وللعلاقة الكولونيالية.

   تمكنت الرواية من تأسيس شكل سردي روائي، سمح بقراءة التاريخ وتفكيك الاستعمار، واستثمرت شخصية ماركس، كموجه إرشادي (براديغم) لإستراتيجية الكتابة الروائية.

   كما توفقت الرواية في تعرية تناقضات النخبة المثقفة الحداثية الغربية. التي كانت بمثابة غطاء إيديولوجي داعم، وأطر فكرية منظرة لشرعية الجرائم والممارسات الفظيعة، باسم الحضارة والديمقراطية وحقوق الانسان.

 “لا فرنسي في الجزائر يتصرف كإنسان مسؤول عن القيَم الإنسانية. ألاحظ سلوكهم، يبدون جميعًا كحارس السجن أو كالجلَّاد. يكسبون مالًا وفيرًا ولا يتمتعون به. كل ما يهمهم تتبُّع سرقات الأهالي من محاصيلهم وهي كميات صغيرة يُعيلون بها أهلهم”96.

ثانيا / سقوط بعض رموز النخبة المثقفة الغربية (الأنتلجانسيا)

    “أليكسيس دو طوكفيل. مؤلف تحفة “الديمقراطية في أميركا”.. الرجل الذي كان نصف عقله يقبل استعمار الجزائر لأن الاستعمار صار واقعًا لا نقاش فيه، فيما كان نصفه الآخر وريث الثقافة الإنسانية للنهضة والأنوار يرفض الفظاعات التي يرتكبها الجيش على هامش مَهمَّته الأمنيَّة. التقتيل والاستيلاء على الأملاك. تعرف جيدًا بأنه في رسالة 1841 الثانية قال بصريح العبارة:

– مَهمَّتنا المُحضرة لهذه الشعوب تتسم بكل السمات البربرية في أبشع صورها” 98.

     لا تكتفي الرواية بفضح وتفكيك الاستعمار في سياساته وأهدافه ومصالحه الاقتصادية والجيوسياسية، البعيدة عن إيديولوجيا الحضارة والتمدن. ولا تقف فقط عند ممارساته الفظيعة والهمجية، كجرائم ضد الإنسانية. بل تفكك فكر وخطاب وممارسات النخبة المثقفة الحداثية والتنويرية الغربية التي باركت ودعمت همجية الاستعمار، وأيدت وساهمت في الفظاعات باسم المجد والحضارة والتفوق العنصري العرقي. هذا ما حصل مع طوكفيل وجول فيري ولامارتين و اللائحة طويلة…

“ما يحدث على يدَي المستعمر هنا لا يقبله أحد.

    أعتقد أنني قلَّما رأيت قسوة سلَّطها بشر على بشر مثل هذه التي أراها هنا، موجهة من الفرنسيين صوب الجزائريين. والأغرب في كل هذا هو أن الذي يفعل ذلك هم سادة مثقفون جدًّا. كلهم مثل جول فيرِّي في نهاية الأمر رجال نظيفون جدًّا بأيدٍ لا تتعفف عن أن تكون وسخة”105

    هكذا كانت النخبة المثقفة الفرنسية مزدوجة المعايير ومعبرة عن السقوط المعرفي والأخلاقي للقيم الديمقراطية الغربية. وهو الواقع والممارسات التي لا تزال فاعلة بقوة في العلاقات الدولية للغرب الأوروأمريكي باسم الدفاع عن الحرية والديمقراطية. ولعل ما يحدث اليوم في غزة بدعم غربي مطلق يؤكد فيما ذهب الى تفكيكه الرواية بطريقة أدبية شائقة، لا تخلو من لذة ومتعة في القراءة.

” – طوكفيل ولامارتين وغيزو هم أغرب ثلاثة فرنسيين في هذا القرن الصاخب. تجد لديهم الشيء ونقيضه دائما.

    قال فيرمي بابتسامة تصله بمحدثه ببساطة:

  • ربما يكون هنالك رابع يُضاف إليهم ببساطة.

ابتسم ماركس من رواء لحيته المضادة لكل تعبير على الوجه لا يمرُّ بالضرورة بالعينين:

– – جول فيري.. أنا متأكد أنك تقصد جول فيري. رجل التناقضات كلها.

– فعلا.. يبدو تلميذًا وفيًّا لطوكفيل.. وإن كان هذا أعرق وأعمق في تربية التناقضات.. كان يشعر بمسافة مزعجة تقف بينه وبين المغاربة. تعوَّد على النظر في عيون الجرمان والفرنسيين والإنجليز. تحدث مِرارًا عن العمال البسطاء والأُجَراء المسحوقين والبروليتاريا الذين نَذرَ العمر دفاعًاعنهم فيما هم ينظرون إليه ويحركون رؤوسهم إيماءً بالموافقة على كلامه، إلا أن عيون الجزائريين كانت تقول شيئًا آخر عدا ما كانت عيون أشباههم في أماكن أخرى تقوله. شيئًا تأسف لأنه شعر بعمق بأنه عاجز عن فهم المسحوقين المعذبين في الأرض…

 – هنالك تعبٌ عميقٌ في عيون هؤلاء الناس. تعب يفضح قنوطًا عميقًا منَّا ومن أفكارنا النبيلة. هم يخشون نبيلنا بقدر ما يخافون من جنديِّنا المسلَّح. أشعر بأنه ذات يوم سيكون علينا أن نترك هذه البلاد لأصحابها يا صديقي. هكذا سيتغير شكل عيونهم ونظراتهم إلى الأحسن. “114و115

ثالثا / الرؤية النسوية: “لا بد من تحرير السوسيولوجيا من الرياضيات يا حبيبي”. 145

    “لا تستطيع أن تكون ماركسيًّا لأن الظرف التاريخي الذي يتماشى مع الماركسية ليس جاهزًا، ولن يجهز إلا بعد مراحل عديدة بمعارك عديدة، لم نكسب إلى غاية اليوم إلا واحدة منها بشكلٍ جزئي: وعي الطبقة العاملة بالعمل الخبيث للبرجوازية على قهرها باستعمال أجهزة القمع الشرعية للدولة.. ستلومني على هذا الكلام ولكنني سأتركه لك وسيسقيه ماء الموت من بعدي: تعلم ما العائق الأكبر الآخر أمام نظريتك؟ إنه عطش السماء.. رغبة الناس في الميتافيزيقا.. ليست ميتافيزيقا السلع التي تتحدث عنها ببراعة في “رأس المال”، بل تلك الميتافيزيقا المَقِيتة التي يُحتل على الدين، على الرَّبّ، على المسيح، على الخلاص من العذاب.. كونك أهملت هذا العنصر في نظريتك هو ما يُرشِّحها للفشل. وهذا ما ستدور حوله مُلاحظاتي حول السوسيولوجيا الضرورية لعلوم العقل وعلوم المادة.” 108

    انعكس حضور أنجي زوجة ماركس فنيا وفكريا على الرواية. وجعلها رواية يتمفصل فيها بشكل جدلي تكاملي ما هو فني أدبي، وما هو فكري فلسفي عميق الرؤى النقدية والتحليلات الاستشرافية. الشائقة والمغرية بمواصلة فعل القراءة، كجمالية تلقي رفيعة فنيا.

    تبدو أنجي من خلال رسائلها وحضورها، الطاغي المستحوذ على نفسية وتفكير ماركس، امرأة ذات حضور باذخ في العلاقة العاطفية الإنسانية التي تربطها بماركس. وصاحبة رؤية سوسيولوجية نقدية عميقة في تحليلاتها للمعطيات الواقعية، والديناميات التي تميز تفاعلات الواقع الحي، وأنها قادرة على تحديد سقف التحولات والتغيرات الاجتماعية في ظل سيطرة وهيمنة الرأسمالية الاستعمارية في البلدان الغربية، ناهيك عن البلدان المستعمرة.

    “كثير مما يقف بين الطبقات لا يتم قوله. فالتفسير المادي للأشياء يقف في وجهه جدار ما لا يُقال. العرض الناصع البليغ الذي تقدمونه، أنتم كبار الخطباء والثوريين، يتخلَّلُه صَخَب هادئ ومُرْبِك للأشياء التي لا يجدها العامل البسيط والمواطن إپسيلون في كلامكم، لأنكم لا تقولونها ولا تؤمنون بها، وهذا العامل المواطن البسيط لا يجد لها تعبيرًا في عالمه الذي تُسيِّجونه بالمصطلحات.. وينتهي هذا الشخص المسكين بالتهيُّب منكم لأنكم لا تجيبون عن كل ما يجول داخله من أفكار. لهذا تجد الجموع مستعدة لإعلان العداء للمُفكِّرين دائما وببساطة مربكة. البرجوازية تعمل على سحق الطبقة البروليتارية من زاوية الوجدان أيضًا. تذكَّر ما كنت تقوله حول الأسياد في مَزَارِع القطن وغيرها في أميركا؟”110

    لهذا تبدو الرؤية النسوية ذات قدرة على تحرير السوسيولوجية، ومنح التحليل والتفسير المادي الأحادي الرؤية معنى عميقا لتوسيع المنظور، للانتباه الى العوامل النفسية الوجدانية، وإعطائها قيمة ووزنا واعتبارا. لذلك كانت أنجي تتميز بنظرة ثاقبة، وبوعي كبير باللحظة التاريخية من تطور الرأسمالية وما ولدته من فظاعات رهيبة وتناقضات، يصعب جدا على الفحولة الذكورية الأبوية في قوتها وعنف سلطتها المعرفية فصل نفسها نقديا عن جرائم البورجوازية تفكيرا وممارسة وهذا ما جعل أنجي تدرك بحس وحدس نقدي الواقع الاستعماري الهمجي، والسقوط المعرفي والأخلاقي للنخبة المثقفة، المنتفخة بحضارة الحداثة وفكر الأنوار.

“الجزائر؟

    سمعت عنها ألف حكاية جميلة. ومائة ألف حكاية فظيعة. بلاد المتناقضات كلها. تاريخ عظيم وحاضر بائس. لن تُعجبك. أؤكِّد لك أنك سترى ما نعرفه جيدًا في المستعمرات من غياب للإنسانية، ومن قسوة في التعامل مع الأهالي. الاستعمار هو الابنُ غير الشرعي للرأسمالية التي كنتَ قد جعلتَ حياتَك كلها، وأفكارك جميعًا، بمثابة صاروخ مُوجَّه صوبها لهدمها عن آخرها. سوف ترى في مُضيِّفيك – الذين سيبتسمون لك ابتسامة المتحضرين- شياطين ووحوشًا يقهرون الأبرياء لأجل استغلال خيرات بلادهم.

    هل تذكر الأرقام التي في تقاريرك وأوراقك، التي كنتُ أراجعها دومًا حول ما تم جلبه من الجزائر تحديدًا من مواد بهدف المشاريع الجنونية لتحويل باريس إلى أكبر مدينة في العالم؟ المواد الأوَّليَّة وخاصةً الحديد.. العمال.. الحِرَفيُّون المختصُّون، العمال البسطاء من مساجين وسياسيين مُعاقَبين يَّريُخمن بين هذا العمل في باريس وبين منافي الجُزُر البعيدة؟” 186

    ما كان لهذه المرأة أن تملك هذه الرؤية العميقة، لولا تفاعلها الخلاق مع المحن والعذابات التي عاشتها مع ماركس، كرفيق وزوج. تقاسما معا الجوع والتهجير والقهر والمرض، وجنون عشق الكتب، والتعلق بالحياة من زاوية القيمة الإنسانية للحب، بوصفه أرضية للتفكير والتفاعل والعلاقات وتشكيل الذات، وتكوين الرؤى المنفتحة على الاخر المختلف، باعتباره جزءا حيويا من الذات الإنسانية.

“اشتقتُ إليك يا رجل. اشتقتُ إلى جنونك وعنفوانك. اشتقتُ إلى أيام الجوع والبرد التي كانت تدفئها رُزْمة الأوراق التي تكون عند الصباح قد كتبتها لتأتيني وتقرأها عليَّ ولا تنتبه إلى أنني جائعة، وأنه لا شيء صالح للأكل في البيت. كنتُ ثَرِيَّة جدًّا رغم الجوع والبرد. كنت أشعر بالسعادة، وهو شعور

لا يعرفه أخي الوزير العظيم في دولة بسمارك.. شعور لا يعرف عنه أخي إلا أنه كلمة تختبئ من عيونه داخل القواميس. أحبك ولا أريد أن أموت قبل أن أقول أحبك بالقدر الكافي.”188

الهامش

فيصل الأحمر، العشاء الأخير لكارل ماركس،دار العين للنشر، الطبعة الأولى- 2023.

Visited 102 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

لحسن أوزين

كاتب مغربي