فاتح ماي: من يَستطيع القيام بمهمة تَثْوِير الطبقة العاملة؟

فاتح ماي: من يَستطيع القيام بمهمة تَثْوِير الطبقة العاملة؟

عبد الغني القباج

1- موجز من تاريخ الحركة العمالية النقابية في المغرب

     كانت ظروف عمل العمال المغاربة في المناجم والمصانع، خلال مرحلة الاستعمار قاسية ولا إنسانية،  والأجور ضئيلة بسبب التمييز الكبير الذي فرضته الرأسمالية الاستعمارية تجاه العمال المغاربة، مقارنة مع العمال الفرنسيين الذين كانت أجورهم مرتفعة وتصرف لهم تعويضات إضافية مقابل عملهم في المغرب.

    مع بداية سنوات العشرين، بعد سيطرة الاستعمار الفرنسي على المغرب، سيتم بناء وتتكاثر مؤسسات وشركات تجارية وصناعية لتوسعه الرأسمالي وتصدير المنتجات الزراعية والمعادن والمنتجات الصناعية.. وتأسست شركات تابعة للمجموعات الصناعية والخدماتية والمالية الفرنسية الرئيسية (بنك Paris Bas )، وفي سنة 1932 ظهرت شركات كبيرة:

(Régie des Tabacs et Chaux) و(Ciments du Maroc) و(Super Phosphate)، (BrasserieMaroc  ،(Société Carno)، (Les Sucrerie du Maroc)  (Compagnie Sucrière Marocaine) ،(Raffineries Saint-Louis) ، (Sociétés Minières :Aouli, Zellidja, Djerada ) ، (Chérifiennes des Pétroles ).

   أيضا في هذه الفترة ظهرت مؤسسات وشركات: (Chemins de Fer du Maroc) (Electrique du Maroc Energie و (Société Marocaine de Distribution).

كما توسع استثمر الرأسمال الاستعماري في الزراعة والتعدين والوساطة التجارية والمصرفية.

    وبالموازاة، كان طبيعيا أن يرتفع عدد العمال في هذه المصانع والمؤسسات. وسيلتحق عمال مغاربة في منتصف الثلاثينات بالعمل النقابي لينخرطوا بداية من سنة 1936 في الفرع الفرنسي لـ”النقابة العامة للشغل” في المغرب بعد النضالات النقابية لعمال مصنع “كوسيمار” في الدار البيضاء، ليمتد انخراط العمال المغاربة في النقابة إلى مصانع أخرى و مناجم الفوسفاط في خريبكة ومناجم جرادة، وأصبحت هذه النقابة تضم أكثر من 000 20 عضو مغربي ، ونقابة الفوسفاط تضم وحدها 2000 عضو مغربي.

    وفي سنة 1955 بعد أن تم إنشاء “الاتحاد المغربي للشغل”،، ضمت نحو 000 300 عضو بالنظر لأنها ارتبطت بالمقاومة الوطنية والحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال.

    أما اليوم فإن المركزيات النقابية، وخصوصا الاتحاد المغربي للشغل والكنفدرالية الديمقراطية للشغل، لا تكشفان عدد المنخرطين والمنخرطات!!

وبالنظر لأن “النقابة العامة للشغل” لم تتخذ موقف استقلال المغرب عن الاستعمار الفرنسي، لأنها تعتبر “أنه لا حل لمشاكل العمال المغاربة بدون تحرير الطبقة العاملة الفرنسية من سيطرة رأس المال واستغلاله”، فقرر زعماء الحركة الوطنية تكوين منظمة نقابية مستقلة عن “النقابة العامة للشغل” (س.ج.ت)، وتشكل اتحاد النقابات الموحدة تضم قيادتها عمالا مغاربة، إذ في 1952، أغلبية المؤتمرين من العمال المغاربة. فقرروا تكوين منظمة نقابية مغربية مستقلة عن أي تأثير أجنبي. ساند النقابيون الفرنسيون ومغاربة شيوعيون هذا المطلب. ولكن سيتأخر تشكيل نقابة مغربية “الاتحاد المغربي للشغل” في 20 مارس 1955.

    نستخلص من تشكل مسار النقابيين المغاربة خلال مرحلة الاستعمار وتأسيس (ا.م.ش) أن الوعي النقابي للعمال المغاربة ارتبط بالنضال السياسي الوطني التحرري، وبمقاومة السيطرة الاستعمارية، إذ سينخرط عدد من العمال في المقاومة الوطنية وفي العمل المسلح الذي تشكل في المدن المغربية، وخصوصا في الدار البيضاء.

    لكن بعد الاستقلال الشكلي، وتشكل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959، وإسقاط حكومة عبد الله إبراهيم في ماي 1960، برزت خلافات بين “جناح الرباط” بقيادة المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد البصري، وبين جناح عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق، سيستفرد هذا الأخير بالـ ( ا.م.ش)، ويفرض قطيعة مع النضال السياسي التحرري.. كان من نتائج هذا الخلاف قيام “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” سنة 1978 بتأسيس الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.

2- فاتح ماي .. لكي يكون نضال الطبقة العاملة ثوريا 

    كل تشكيلة اجتماعية طبقية لها قانونها الطبقي الخاص، لكن هذا القانون لا ينفي نظرية ماركس الثورية العامة.. ولا ينفي بالتالي دور البروليتاريا عندما تحرر نفسها بنفسها كطبقة وتبني تنظيمها السياسي الثوري مع عموم الكادحين والفلاحين، نساء ورجالا، وفق دياليكتيك نظرية/ممارسة ثورية.

    وبالتالي، فالطبقة العاملة لا تحتاج فقط إلى النضال النقابي ورفع شعارات فاتح ماي لترقية واقعها الاقتصادي والاجتماعي، كما تطرح القوى اليسارية الإصلاحية والبيروقراطية النقابية.

    على عكس هذا الخط السياسي الإصلاحي والاقتصادي السائد في نضال الـ (ك.د.ش) والـ (ا.م.ش) النقابي، فإن اليسارية الثورية، وخصوصا الماركسية، مهمتها تـثـقـيـف الطبقة العاملة وتسليحها بالنظرية الثورية والممارسة الثورية، من صلب واقعها ونضالها الطبقي، ووفق التناقضات الطبقية والصراع الطبقي السائد في مجتمعات مراكز النظام الرأسمالي العالمي، وداخل التشكيلات الاجتماعية الطبقية في بلدان الأطراف التابعة كالمغرب.

    إن اليسار الماركسي المغربي لم يحلل نقديا ووفق الواقع الملموس للطبقة العاملة المغربية، تصور ماركس الذي يفترض أن الطبقة العاملة تحرر نفسها بنفسها في صيرورة الصراع الطبقي، لأن واقع الاستغلال الطبقي الذي يمارسه الرأسمالي عليها، يمكنها من اكتساب وعي سياسي ثوري لتحررها.. ولم يبلور ممارسة نظرية وسياسية وتنظيمية، بارتباط مع واقع الطبقة العاملة المغربية.

    بعد أن كان العمال المغاربة ينتمون إلى التحمت الحركة العمالية بالنضال الوطني التحرري لحزب الاستقلال ابتداء من سنة 1953، بعد أن ناضل العمال داخلالكنفدرالية الديمقراطية للشغل” عند نشأتها سنة 1978، رغم أنها رفعت شعار البديل للبيروقراطية النقابية ضد قيادة الاتحاد المغربي للشغل، وشعار الديمقراطية، فإنها لم تستطع تجاوز أساليب التحكم الخط السياسي الإصلاحي البرجوازي الصغير في مؤسسات وفروع النقابة. ورغم التناقض السياسي بين رفاق ورفيقات الحركة الماركسية اللينينية، وبين توجهات القيادات النقابية ونقدهم لبيروقراطية قيادة الاتحاد المغربي للشغل، وإصلاحية الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، فإنهم لم يستطيعوا تَـثْـوِيـر الطبقة العاملة بالنظر لشبكات تحكم القيادات بيروقراطية وخطها الاقتصادي والإصلاحي البرجوازي الصغير، ومصالح الأطر داخل هاتين النقابتين.

    استمر اليساريون واليساريات “الماركسيون” الممارسون داخل النقابتين (ا.م.ش) و(ك.د.ش) يتعايشون مع الخط الاقتصادي، ومع الخط اللإصلاحي في نضالهم داخل النقابتين، رغم خطابهم النقدي للبيروقراطية والإصلاحية النقابية. وبالتالي لم يستطيعوا العمل بشكل نوعي ومستمر لنقل الوعي النقدي والاشتراكي للعمال وللعاملات، وتـثوير وعيهم وممارستهم لإحداث قطيعة فعلية مع الخط النقابي الاقتصادي، ومع الخط الإصلاحي البرجوازي الصغير، مع أن جوهر النضال الطبقي الاقتصادي الذي تخوضه الطبقة العاملة يرتبط دياليكتيكـيا بالصراع بالصراع الطبقي السياسي الثوري. ولا يمكن للطبقة العاملة أن تحرر نفسها بنفسها دون أن تتجاوز النضال النقابي الاقتصادي والإصلاحية البرجوازية الصغيرة، ودون أن تنخرط نظريا وسياسيا وتنظيميا (التنظيم الثوري) في النضال الديمقراطي الثوري، ضمن نضال عموم الجماهير الشعبية الكادحة المستغلة والمحرومة، في أفق صيرورة تجاوز النظام والمجتمع الرأسمالي والانتقال إلى الاشتراكية كمرحلة موصولة بتحقيق مجتمع لا طبقي.

    اليوم، يشهد الواقع نمو نضال الحركة الجماهيرية الشعبية العفوي، محليا وعالميا، وهو نضال يتفجر باستمرار في كل مناطق المغرب والعالم.. وهو نضال كذلك غالبا لا تقوده قوى طبقية عمالية منظمة، بالنظر لسيادة الطبيعة البيروقراطية والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة داخل الحركات النقابية العمالية وداخل حركات “الديمقراطية الاجتماعية” (La social-démocratie) في العالم وفي المغرب.

   ولا نأتي بجديد إذا أكدنا أن تحرر الطبقة العاملة سياسيا وإيديولوجيا لن تحققه سوى الطبقة العاملة بنفسها، بتنظيمها السياسي الثوري المناهض لواقع الاستغلال الطبقي، والحامل لمشروع تجاوز ثوري للمجتمع والدولة الطبقيين، لأن الرأسمالية العالمية والرأسمالية الكمبرادورية في المغرب يستخدمان مؤسسات الدولة والمجتمع لفرض نظام سياسي ومؤسساته، لخدمة مصالح طبقة البرجوازية احتكاراتها الاقتصادية والمالية فقط.

    وهذا ما أكده كارل ماركس منذ سنة 1847: “إن البروليتاريا تحتاج أكثر من خبزها إلى شجاعتها وثقتها بنفسها وكبريائها وروح استقلالها”، لأنها “الطبقة الأكبر والأكثر حرمانا في المجتمع”. واعتبر أن الفكرة تصبح قوة عندما تتملكها الجماهير.

    فالعمال والعاملات لا يشكلون طبقة، إلا إذا توحدوا وتنظموا سياسيا ومارسوا نضالا مشتركا ضد طبقة الرأسماليين. وبالتالي فإن نجاح نضالات الطبقة العاملة يشرط أساسا تنظيمها السياسي كطبقة أساسية في النضال الطبقي السياسي العام، النضال الديمقراطي الراديكالي المرحلي المرتبط بصيرورة النضال الاشتراكي الثوري.

    إن صيرورة هذا النضال تتطلب من الحركة اليسارية الماركسية تجاوز الصراعات الاقتصادية المحضة والصراعات الطبقية الفئوية و”العفوية”، لأن تحرر الطبقة العاملة يمر بالضرورة بصيرورة تجاوز خط النضال الاقتصادي، الذي تفرضه بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل، وتجاوز خط النضال الإصلاحي الذي تفرضه البرجوازية الصغيرة والمتوسطة داخل الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.

    لا شك أن صيرورة تحرر الطبقية العاملة يفرض عدم حصر نضالات البروليتاريا عموما في النضال الاقتصادي والإصلاحي، اللذين يقتلان الروح الثورية للبروليتاريا المناهضة للاستغلال الطبقي وللمجتمع الطبقي. ونحن نرى اليوم واقع الحركة العمالية الثورية وتشتتها إلى تيارات متناقضة، كما نعيش ما وصلت إليه حركات “الاجتماعية الديمقراطية” (Mouvements de la Social-démocratie) التي تخلت عن الجوهر الثوري لنظرية ماركس في أنظمة الرأسمالية المتقدمة وكذلك في أنظمة الرأسمالية التبعية.

    بالطبع في الممارسة النقلبية تطغى صعوبات كبيرة وصراعات عديدة، يواجهها الماركسيون الثوريون داخل العمل النقابي، صعوبات نظرية وسياسية لم تستطع تجاوز النظرية الكلاسيكية للثورة، وبلورة نظرية ثورية جـديـدة مستلهمة نظرية وممارسة ماركس الثورية ومُستفيدة، وفق رؤية نقدية راديكالية، من دروس الثورات الاشتراكية، والثورات الديمقراطية، والثورات العفوية، إخفاقاتها، انهياراتها، ونجاحاتها.

    لكن من الضروري أن لا تحجز هذه الصعوبات والصراعات الضرورة السياسية التاريخية لنضال الماركسيين الثوريين، للاجتهاد وللتجديد النظري والسياسي والتنظيمي، وفي أساليب الممارسة مع البروليتاريا في معمعان الصراع الطبقي النقابي والسياسي، وبناء وحدتهم الديمقراطية. إن هذه الضرورة السياسية التاريخية هي القادرة على تمكين البروليتاريا من تجاوز سيادة البيروقراطية النقابية، والـنـزعات النقابية البرجوازية الصغيرة داخل النـقابات، وعدم مهادنتها أو التواطؤ معها. وفي نفس الوقت بلورة من داخل هذا الصراع، ومن داخل النضال العمالي، وبارتباط عضوي بالبروليتاريا، بدائل النقابية ثورية وفق صيرورة تحرر النضال النقابي العمالي من سيطرة النقابية البيروقراطية والنقابية.

Visited 8 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد الغني القبّاج

كاتب وناشط سياسي وحقوقي