لماذا أنظار العالم مُتَّجهة صوب محكمة الجنايات الدولية؟

لماذا أنظار العالم مُتَّجهة صوب محكمة الجنايات الدولية؟

عبد السلام بنعيسي

     خلال مقابلة أجرتها معه شبكة (سي. إن. إن)، أكد الرئيس الأميركي جو بايدن أن القنابل التي قدمتها واشنطن لتل أبيب استُخدمت في قتل المدنيين في غزة. هذا كلام ملطّفٌ من جانب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

 قد يفضي تصريح بايدن إلى خلق الانطباع لدى الجمهور بأن ما وقع في قطاع غزة، مجرد حدثٍ عابرٍ وبسيط نجم عن قنابل أمريكية توصَّل بها الجيش الإسرائيلي، واستعملها بطريقة خاطئة، ونتج عن استعماله الخاطئ لها، قتلُ مدنيين فلسطينيين، ومن المحتمل أن يكون عدد الذين قتلوا بالقنابل الأمريكية محدودا… 

والحال مختلف تماما عن تصريح الرئيس الأمريكي. السلاح المتطور الذي أغدقت به الإدارة الأمريكية على الجيش الإسرائيلي، ارتُكبت بواسطته مذابح ومجازر تقشعر لها الأبدان ضد أبناء الشعب الفلسطيني في القطاع وفي الضفة. بالسلاح الأمريكي قام الإسرائيليون بذبح أكثر من 35 ألف فلسطيني من الوريد إلى الوريد، معظم الذين قتلوا على أيدي القوات الإسرائيلية، التي كانت مدججة بالسلاح الأمريكي، من الأطفال والنساء، والشيوخ.

كما تمَّ بهذا السلاح التدمير شبه الكلي لقطاع غزة، فلقد سَوَّى سلاح أمريكا بالأرض، المستشفيات، والمدارس، والجامعات، والمساجد، والمباني السكنية، والمؤسسات العامة، ودمر البنية التحتية في القطاع، ولم يعد فيه لا ماء، ولا كهرباء، ولا مخابز، ولا دواء، وشلَّ تقريبا كل مقومات الحياة بالنسبة للفلسطيني المقيم في غزة..

بتجاوزنا لهذه الملاحظة، نحن، مع تصريح الرئيس الأمريكي بأن القوات الإسرائيلية قتلت مدنيين في الحرب التي تشنُّها على الشعب الفلسطيني، أمام اعتراف رسمي أمريكي ومن أعلى سلطة في الولايات المتحدة الأمريكية باقتراف القوات الإسرائيلية لجرائم ضد مدنيين فلسطينيين. والمطلوب حاليا، تمشيا مع تصريح جو بايدن، هو اعتقال الذين أمروا، وخططوا، ونفذوا جرائم قتل مدنيين فلسطينيين، وتقديمهم للمحاكمة، لكي تقول العدالة فيهم كلمتها. فالاعتراف سيد الأدلة كما يقول فقهاء القانون. والمثول أمام محكمة الجنايات الدولية يندرج في هذا السياق السائد تطبيقا للنصوص القانونية الإنسانية.

لكن بدل الامتثال للمنطق القانوني الإنساني والقبول بالأحكام التي قد تصدر عن المحكمة الجنائية الدولية، بادر نواب في الكونغرس الأمريكي إلى تهديد المدعي العام لهذه المحكمة البريطاني كريم خان بأنهم سيقومون (باستهدافه شخصيا هو وعائلته وفريق عمله من موظفي المحكمة)، لمنعه من إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وقادته العسكريين.

ففي رسالة وجهها 12 عضوا بالكونغرس، تجاوزت الرسالةُ التحذير إلى التهديد، حيث توعدوا خان بمواجهة عقوبات ثقيلة إذا ما أقدم على إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة الاحتلال. وجاء في نص الرسالة التالي: (في حال إقدام المحكمة الجنائية الدولية على إصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين، فإن الخطوة ستعتبر تهديدا ليس فقط لسيادة إسرائيل، ولكن لسيادة الولايات المتحدة الأمريكية أيضا، مما ستترتب عليه عقوبات ثقيلة) وفق الرسالة. وهدد النواب في رسالتهم المدعي العام ((إذا استهدفت إسرائيل، فسنستهدفك)). وختموها بعبارة (لقد تم تحذيرك)!

ماذا يعني تهديد عناصر من مجلس النواب الأمريكي لمحكمة الجنايات الدولية؟ إنه يعني أن نتنياهو وقادة جيشه متورطون حتى أعناقهم في اقتراف جرائم ضد الشعب الفلسطيني، وأن الهدف من التهديد هو حمايتهم من المتابعة القضائية. فلو كان في هذا العالم عدالة حقيقية، ومجردة، ومتمكنة، لكان هذا التهديد هو لذاته تهمة يتعين بموجبها على محكمة الجنيات الدولية اعتقال النواب الذين صدر عنهم ذلك التهديد ضد مدعيها العام، ومحاكمتهم بسببه، وإصدار أحكام عقابية ضدهم جراءه.

فهذه ليست محاولة لعرقلة عمل المحكمة فحسب، وإنما نحن أمام بلطجة وتحدي سافر للقوانين الدولية وعلى مرأى ومسمع من سكان العالم بأسره، والبلطجة صادرة عن نواب أمريكيين يشرعون القوانين الأمريكية التي يتحول البعض منها إلى عقوبات ظالمة تُفرَضُ على دولٍ لا تنصاع للإرادة الأمريكية..

لكن ما هي قيمة تصريح الرئيس الأمريكي بأن القوات الإسرائيلية اقترفت مذابح ضد المدنيين الفلسطينيين، إذا لم تترتب عن المذابح الإسرائيلية جزاءات عقابية ضد مقترفيها؟ ماذا سيشتري الشعب الفلسطيني، باعتراف بايدن بأن إسرائيل قتلت مدنيين فلسطينيين، وهاهم مشرعون أمريكيون يهددون المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن اتخذ تدابير زجرية تقتضيها الضرورة القضائية ضد حكام الدولة العبرية؟

من الممكن توظيف تصريح بايدن، واعتماده قاعدة، لاتخاذ الرئيس بعض العقوبات البسيطة والمخففة ضد إسرائيل، لأنها باتت تهدد ولايته الرئاسية الثانية بجرائمها المقترفة ضد الفلسطينيين، الجرائم التي ضجَّ من بشاعتها الرأي العام الأمريكي، وتحولت إلى محركٍ لثورة طلابية في الجامعات الأمريكية، وصارت تشكل خطرا على أمن القوات الأمريكية المتمركزة في قواعد لها بالمنطقة العربية، وتنذر باندلاع حرب إقليمية قد تضرر نتيجة لها المصالح الأمريكية الضخمة، ولكن الجزاءات القانونية التي ينبغي ترتيبها على الأفعال الجرمية الإسرائيلية، تظل معلقة، وموضع شك، ما دام النواب الأمريكيون يصدرون تهديداتهم ضد محكمة الجنايات الدولية..

العالم كلُّهُ مطالبٌ بالتحرك ضد هذه البلطجة الأمريكية. يتعين على جميع أحرار العالم مناصرة أعضاء محكمة الجنايات الدولية وإشعارهم بأنهم مؤازرون من طرف الرأي العام الدولي ضد الضغوطات الأمريكية. أعضاء هذه المحكمة أمام امتحان عسير، يتعين عليهم اجتيازه بكفاءة مهنية، مهما كانت التهديدات التي يتعرضون لها. ينبغي على المحكمة الجنائية الدولية ألا تخضع لهذا الابتزاز الأمريكي وترضخ له. مصداقية قضاتها وشجاعتهم على المحك.

الرئيس الأمريكي اعترف بنفسه بقتل مدنيين فلسطينيين بقنابل أمريكية على أيدي القوات الإسرائيلية المحتلة لغزة. الصحافة الإسرائيلية تتحدث عن الرعب الذي يسكن في هذه الأيام دواخل نتنياهو والزمرة المحيطة به، خوفا وهلعا من الأحكام التي ستصدر ضدهم عن المحكمة الجنائية الدولية…

بعد تعرُّضها للتهديد، وعلى إثره، أنظار البشرية جمعاء صارت تترقب وتنتظر قرارات محكمة الجنايات الدولية، متمنياتنا أن تكون قراراتها عادلة، ونزيهة، ومنصفة للجهة التي تعرضت لإبادة جماعية، نتطلع أن تكون قرارات المحكمة غير متأثرة وخاضعة للضغوطات الخارجية. الكرة في ملعب قضاتها، إنهم مع ضمائرهم، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما بعث الأمل في النفوس في إمكانية فرض العدالة الدولية على الجميع، وإما تكريس العيش في ظل قانون الغابة الأمريكية والصهيونية.

Visited 10 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد السلام بنعيسي

صحافي وكاتب مغربي