محمد بنيس بين صداقة وغواية الهواء

محمد بنيس بين صداقة وغواية الهواء

كاركاسون- المعطي قبال

      الحديث عن الهواء ليس هراء، بل هو قول أساسي، جوهري لأنه يزج بالشاعر في مبتدأ الكون ومبدأ الكائنات. وعلى هدي محمود درويش القائل:  «وأنت الهواء الذي يتعرى أمامي كدمع العنب، وأنت بداية عائلة الموج حين تشبث بالبر، حين اغترب، وإني أحبك، أنت بداية روحي  وأنت الختام»، على هديه ينسج محمد بنيس في ديوانه الأخير «هواء بيننا»، منشورات المتوسط- 147 صفحة،

    قصائد تتقابل فيها الأنا بالآخر عبر وساطة الهواء. لكن يتدخل البعد الفلسفي ممثلا في نيتشه لما يقول: «كن لصديقك كالهواء الطلق، والعزلة والغذاء والدواء، فإنّ من الناس من يعجز عن التحرر من قيوده، ولكنه قادر على تحرير أصدقائه». بالنسبة للشاعر، أي شاعر، يبقى العالم مجالا مفتوحا يستدعي الإمساك، بل القبض على الأحاسيس، المشاعر، الخفقات، الأصوات، الصور. لأن العالم يحمل في انجرافه كل هذه الأشياء. وعلى الشاعر في هذه الحالة أن يكون حاضرا في الهنا والآن لالتقاط انبثاق الأشياء وتعينها المادي.

    الهواء هبة تغدق الأنفاس على الحياة. والانسحاب الأكبر هو لما يتبدد الهواء من الجسد ليخلد هذا الأخير لصمته العميق. يتألف الديوان من 51 قطعة- قصيدة يندس بين ثناياها الهواء أو يدثرها بغيمته الرقيقة. يشعر الشاعر بأن «صداقة الهواء ترافقه». فقد وطد مع الهواء علاقة صداقة متينة: «خفيف داخلك يتقد نار تحشد الكلمات في لمعة…». إن كان ما هو لا مرئي فعل من أفعال الهواء، فإن رائحته شيء مألوف «في المزارات تنتشي بروائح أزلية». يسعد الشاعر بعزلته. ليس كليم أحد ولا يتورط في أغراض الكون. يبقى الهواء رديفا للحياة. في طبقاته يعثر المرء على نفسه وأنفاسه. على شاكلة بعض المتصوفة وبالأخص النفري في كتابه المخاطبات ، يحاور محمد بنيس نفسه بدءا من نفسه وبصيغة الغائب تتجلى الرؤيا. أثر النفري نعثر عليه في اكثر من قطعة مثل: «بالهواء طريق العبارة يكبر…»، يستدعي الأساطين والأساطير وأقطابها مثل: أناكسيمانس، «مجنون الهواء»، الذي يعتبر بأن هذا الأخير يشكل جوهر العالم. ولا يتررد محمد بنيس في تطعيم القصائد باستشهادات فلسفية كفيلة بإخبار القاريء عن الكنه الميتافيزيقي وانعكاساته على فحوى القصيدة. «لعلك شاهدت في انعكاس الكلمات الكون يخفق قريبا من دقاته.. أحسست الصدر يهتز كما لو حدود القصيدة التبست عليك…».

بعدها ينقلنا الديوان إلى إشكالية الغيرية ليستعيد ذكرى الشاعر برنار نويل، الصديق المتشبث بشعرية ومادية الكون. ثم ينقلنا إلى ازدواجية ألانا التي تتحول إلى آخر حيث «الأنا آخر. لكن الكائن معدم ، لسانه أخرس. «هل كنت يوما أعيش بغير الذي مات مني؟». يستعيد الشاعر أمكنة الطفولة، وبالأخص فاس بدروبها التي فقدت البراءة،، بتاريخها العتيق ثم الباهت، تليها مدن المحمدية وذكريا ت الشاطئ والبحر، الرباط ثم الأسفار والرحلات الخ…محطات لمسيرة هي الحلم والكابوس. بعد الرحيل والترحال يركن الشاعر إلى نفسه، يتوحد بها : «أسكب ظلالها على قدمي، أراها بعناية شارد يزهو بشروده، أنقاد إليها وأعترف «نفسي أقوى من نفسي». وفي كل مرة يهب الهواء على شكل كتابة منزاحة تحول الواقع، تقلب أعماقه.

كل ذلك في صمت وتحت مهابة وهبات الهواء. في حماية الهواء لا تشيخ الكائنات بل تستقر في طور الطفولة. الديوان عبارة عن خفقات مثلما نتحدث عن خفقات أجنحة، ينخرط بين ثناياها الشاعر إلى أن تبوح بمكنون مضمونها : القبور، الرعد، الحمام، الغواية، البياض، زهر النارنج الخ…

القسم الثاني من الديوان مهدى إلى أمامة القريبة دوما من الشاعر وظلاله. بينهما حميمية التواصل دائمة. يعيشان كثافة عشق دائم، تترجمه لغات البوح والسرية. ويبزغ الموت في الأفق ككتابة ومعاش «مسبوقا بنزيف قديم يتدفق داخل الشاعر»… وفي الأخير تهزم الكتابة الموت. أما الدعوة إلى الضحك فتذكرنا بضحكة نيتشه مع العلم أن الضحك في اعتبار هذا الأخير «فعل فلسفي بامتياز».يستجمع هذا الديوان المشغولات التي تلح على ذاكرة وكينونة الشاعر: الكتابة، الفرح، التيه، الترحال، العشق، الموت الخ…ينسجها منوال يتراكب فيه التخييل بالحلم. ويجب على القاريء أن يقدر مدى التعب الوجودي الذي تتطلبه كتابة المهاوي والمساقط قبل النهوض والوقوف للسير في مسارب الكتابة.

Visited 119 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".