أبراهام السرفاتي: الطائفة اليهودية المغربية والصهيونية (1-2)

 أبراهام السرفاتي: الطائفة اليهودية المغربية والصهيونية (1-2)

ترجمة:  سعيد بوخليط

         سيقال لي، مثلما سمعت ذلك سابقا، لماذا لازلتَ تنشغل غاية اليوم بالقضية اليهودية المغربية؟ بل لنترك هذه الطائفة تتقلَّص غاية حدَّ أبسط تعبيرها، بحكم مفعول الهجرات، حينها لن يغدو إشكالا أمر المتعنِّتين.

حقيقة، تتوخى هذه المقالة تسليط الضوء على المكوِّن اليهودي المغربي في شموليته، سواء من ظلُّوا متماسكين هنا، أو منتشرين ومتشرِّدين في الغرب، ثم فئة أخرى وجدت نفسها قد نُقِلت إلى دولة انطوى اسمها على دلالة بالنسبة إلى اليهود لكنهم اكتشفوا حاليا، بأنَّه خلف هذا السعي يتوارى مشروع للتفقير والبَلْترة، وكذا تدمير ثقافي ومغامرة عسكرية وعنصرية. هكذا، خُدِعَ اليهود المغاربة، في إطار تحايل عام على اليهودية، تَوَّجَ الفعل الاستعماري الاستئصالي الذي انطلق مخطَّطه منذ قرن.

أتطلَّع عبر تحليل هذا المسار، وجهة بلورة تقاسم قناعة شخصية، تعزَّزت نتيجة دراسة وثائق الماضي أو الحاضر، مفادها أنَّ الطائفة اليهودية في العالم العربي، وقعت أسيرة الصهيونية .قناعة تعبر عن تضامنها العميق مع الثورة العربية، وتتوخى بالتالي المساهمة في  تفكيك بنية المشروع التاريخي الأخير للرأسمالية المتمثِّل أساسا في احتجاز اليهود عالميا داخل غيتو، وأيّ غيتو!

قصد المساهمة في بلورة تجليات من هذا القبيل، تبرز جوهرية البحث الجدِّي عن الحقيقة. لا أدعي بهذا الخصوص، امتلاكي قدرة تفوق الآخرين. لكن، الارتكاز على معايير ومبادئ الاشتراكية العلمية قد يتيح إمكانية التخلُّص قدر مايمكن من الذاتية. خلفية مرجعية، تعني أيضا استحضار الاهتمام، بمعطيات البنية الفوقية، الثقافة، الايديولوجيا، الدين. مادام تاريخ الصهيونية نفسه، من خلال مآزقه التي تبلورت وتطورت، يقتضي الالتفات إلى هذه المعطيات دون الاكتفاء دائما بعزلها وتحويرها.

من ناحية أخرى، ارتأيت بين فقرات هذه الدراسة، قدر المستطاع، عدم الإشارة كثيرا إلى الأسماء .مادام التاريخ سيعمل على تصفية حساباته مع البعض. عندما تدقُّ ساعة تحقُّقِ اكتشاف ثانٍ لدروب جديدة فيما يتعلق بالتعايش اليهودي-العربي .مع ذلك، لن أتردَّد قط في توجيه النقد إلى من يواصل غاية اليوم، داخل الدولة الصهيونية، مشروعه التضليلي.

قصد تسريع وتيرة هذا الوعي، يجب على الحركة الوطنية، انتقاد أساليب النزوع البورجوازي القومي، تقريبا محاولة تأويل الصهيونية كظاهرة معزولة وموصولة فقط بالعوامل الدينية.

في العالم العربي، دشَّنت حركة فتح الطريق، قبل حرب يونيو .1967وضع يفترض نتيجة تأثيراته المستقبلية المهمة، توجيه تحيَّة الإشادة، إلى سياسيين طالما بقوا وحيدين هنا، استطاعوا التموضع في خضَمِّ سبيل حظي اليوم بانضمام مجموع الهيئات الوطنية .يبقى مطروحا، تحويل ذلك إلى حقيقة على مستوى الحياة اليومية، بالتالي العثور ثانية على الحقيقة الوطنية ثم إعادة بنائها.

* الطائفة اليهودية المغربية قبل الاستئصال:

     وجب التوضيح، بأنَّ مسألة الاقتلاع من الجذور تعتبر سيرورة، ولاترتبط بتاريخ معين. حاليا، ماتبقى هنا من الطائفة اليهودية المغربية، يعيش بكيفية منطوية على الذات، بالتمركز أساسا داخل نطاق الدارالبيضاء، المدينة النمطية على مستوى اقتلاع الجذور.

تظل حديثة تماما، الحقبة المزدهرة والحيوية للجماعات اليهودية .احتفالات أحياء الملاَّح في مدن فاس، صفرو، سلا، وكذا أخرى، ومنذ عشر سنوات جرى تعايشها في الأطلس والجنوب. رغم المجهود الاستعماري الذي استغرق قرنا من الزمان ثم تمثَّلته الصهيونية وطوَّرته!.

قيل كل شيء، حول هذا الماضي، مع ذلك، لازال الموضوع في حاجة إلى قول كل شيء. استند جميع الملاحظين على المرجعية الغربية .استعماريون أو صهيونيون، بهدف تشويه هذا الماضي، عمدا في أغلب الأحيان. وطنيون أو ببساطة ملاحظون أكثر موضوعية، يسعون إلى تحديده ضمن إطار مأزق تاريخي، يُقَدَّم طبعا كـ”عصر ذهبي”، موصول فقط عاطفيا مع المستقبل.

إنَّ إعادة النظر في المرجعية الغربية وكذا إعداد منظور مستقبلي نوعي، بحيث تبلور المشروع في العالم العربي منذ يونيو 1967، يتيحان إمكانية  استعادة هذا الماضي، وإحيائه ثم ربطه بالمستقبل .يقتضي ذلك، في كل الأحوال، هزم التَّضليل الاستعماري والصهيوني، صحبة المزيِّفين.

أندريه شوراكي، الأمين العام للاتحاد الإسرائيلي العالمي، أنجز عدَّة مؤلفات حول موضوع الطائفة اليهودية في شمال إفريقيا والمغرب. تحت غطاء الموضوعية القانونية، أتاحت إحدى أعماله إمكانية الإعلان سنة1951  من طرف الجريدة الصهيونية ”نوار”، التي نفتت سموما ضمن صفوف الشباب اليهودي بين سنوات 1945 و1952، عن فكرة فضل فرنسا بخصوص: ”تحرُّر اليهودي اللامتناهي من استبداد أبقاه مستسلما إلى رضا أسياده”.

ما الذي يعتقده، ليس السيد شوراكي المتموقع جيدا داخل منظومة الدولة الصهيونية، بل الذين ساعدوه على التضليل، إذا تذكَّروا لقاء لنائب رئيس التحالف سنة 1947، حين تأكيده بأنه تحالف يسعى كي يصير ملاذا يهوديا بالنسبة للناجين من النازية، و:”تطرح أيضا إشكالية معرفة مستقبل فلسطين. لن يجيب بطريقة جازمة، لكن قناعته تؤمن بأنَّها  قضية “سيتمُّ تدبيرها”. مادام ”عكس ذلك يشكل كارثة حقيقية”، يؤكد المتكلِّم” (جريدة نوار، العدد 9 ماي 1947).

بالعودة إلى ”الاستبداد” المشار إليه أعلاه. استبداد غريب يسمح لتلك التجمعات المنزوية عند الجبال وكذا الجنوب، قصد الاستمرار طيلة قرون، في مأمن، صحبة عاداتهم وممتلكاتهم وكذا حقوقهم.     

لم يرتبط فقط التعايش اليهودي-العربي، بحضارة منبجسة، حضارة دفعت كاتبا يهوديا معاصرا إلى قول التالي: “لقد تشكَّل الإسلام من خلال شحم ولحم اليهودية.بمعنى، إعادة تصميم وتطوير لها،مثلما الشأن تحديدا بخصوص ارتباط اللغة العربية الوثيق باللغة العبرية .هكذا أمكن الديانة اليهودية استمالة هذه الحضارة السائدة، وخلال الوقت نفسه الحفاظ على استقلالها وجوهرها بكيفية سلسلة جدا مقارنة مع سياقي المجتمع الهيليني في الإسكندرية أو في العالم الحديث. لم تجد أبدا الديانة اليهودية علاقات وثيقة جدا في غضون حالة خصبة جدا سوى بين طيات الحضارة الوسطى لإسلام العرب” (شلومو دوف غويتن. اليهود والعرب، باريس 1957).

رغم أنَّ الثقافة اليهودية-العربية، عانت تراجعا على امتداد العالم العربي المحاصر نتيجة توسُّع الرأسمالية، فقد واصلت الحياة اليومية للطوائف تمسُّكها بالتعايش. هنا يلزم، تسليط الضوء على مكانة ”أهل الذمة”. تعايش مجموعتين، استندا معا على مفهوم شامل للإنسان، مندمج تماما ضمن طائفته.

لقد هيَّأت البنيات الموضوعة العيش المشترك، وفق احترام متبادل، طبعا في إطار تباين فعلي: هيمنة طائفة المسلمين، خوَّل لها امتلاك زمام الأمور سياسيا وعسكريا على مستوى الدولة، أو القبيلة، بناء على احترام جماعة الأقلية.

حتما، يجدر بإعادة بناء التعايش اليهودي-العربي استبعاد مختلف أنواع التمييز، بما فيها السياسية. لكن ليس قطعا وفق مفهوم آلي عن علمانية معقَّمة غربيا.

استبعاد فلسطين اللائكية، لمشاركة الغرب في بناء العالم العربي، ليس له من دلالة و منظور سوى ضمن نطاق مفهوم “الدولة الديمقراطية” التي تحدث عنها ماركس في كتابه”القضية اليهودية” وليس ”الدولة السياسية” للديمقراطية البورجوازية.

للتذكير، فقد انتقد ماركس، المفهوم البورجوازي عن الدولة  اللائكية، الذي يتعارض، بالتالي، مع تأويلات آلية للاشتراكية: ”لن يكون الفكر الديني فعليا علمانيا. قطعا، لا يبلور صيغة لائكية بخصوص تطور الفكر البشري؟ يتحقَّق الفكر الديني فقط إذا تجلى وتشكَّل في صيغة علمانية، ضمن مستوى تطور للفكر البشري، يعكسه. هذا ماوقع داخل الدولة الديمقراطية، وأرسى معالمها، ليس المسيحية، بل مبدؤها الإنساني. يستمر الدين لدى أنصاره وعيا مثاليا، وليس علمانيا، لأنه الصيغة المثالية قياسا لمستوى التطور البشري الذي بلغه حينها”.

كيف لانفكر بأنَّ موضوعا من هذا القبيل يتناسب أيضا مع تطلُّع، مشترك بين اليهودية والإسلام، صوب تجسيد مملكة الله فوق الأرض؟

قياسا إلى الحقيقة التاريخية التي حدَّدْتُ إشاراتها، بادر مؤرخو الاستعمار أو التمثُّل الاستعماري، إيديولوجيو الإشراف المدني الذين يطلق عليهم ابن الاستعمار الكبير، بازدراء عنصري بائن، نعت: ”عناصر متطوِّرة، طموحة ومزعجة ”للطائفة اليهودية، نحو استلهام نصوص تدعم أطروحاتهم الاستعمارية وأهملوا تلك التجاوزات، الناجمة عن سلوكات مغامرة لأحد المحلِّيين أو حاكم متعطِّش للعنف، ويحدث تجاهل، مثلما انطوت عليه صفحات كتاب رئيس سابق للطائفة اليهودية في الدارالبيضاء، بأنَّ تلك التجاوزات شملت أيضا المسلمين، واستهجنوها.   

إحدى البراهين الأكثر دلالة بخصوص حقيقة هذا الاستنكار الشعبي، تقديس المسلمين أيضا لقبر ”القديسة سوليكا”، قديسة يهودية صارت مبجَّلة لأنها استمرت وفيَّة لإيمانها على حساب حياتها بدل الاستسلام إلى سلطان.

لكن كيف السبيل إلى إثبات صواب أطروحة معينة مقارنة مع أخرى؟ عندما نضع نصوصا مقابل نصوص أخرى، ثم وقائع حتما منفصلة عن وقائع أخرى معزولة جراء تطور البحث التاريخي نفسه؟

ليس اليهود المغاربة الذين اختبروا هذا التعايش، بل بوسع أبنائهم الذين تمكنت المنظمة الصهيونية، ثقافيا وإيديولوجيا، من عزلهم عن الوطن، والعيون مهتدية بالحقيقة الصهيونية، إعادة بناء وكذا بلورة الوقائع الملموسة، الحياة اليومية السائدة، الصداقة العميقة.

ألتمس من الأشخاص أصحاب النوايا الحسنة الذين لم يعيشوا هذه الصداقة، تأمُّل دلالة بعض المعطيات الملموسة:  

تتبدَّى روافد وضعية ”أهل الذمة”، واضحة من خلال تحليل الواقعة الملموسة، أكثر من النصوص القانونية، قبل تحوير تلك الواقعة نتيجة البنيات الرأسمالية والاستعمار، أو دمَّرتها الصهيونية. هكذا، شأن وضعية الجماعات القروية، حيث يعيش ما يقارب 25 % من اليهود المغاربة، على امتداد المناطق الجبلية في الجنوب، الأطلس الكبير، وكذا الهضاب المجاورة للصحراء.

تطوَّرت داخل تلك الدواوير، العلاقات بين اليهود والمسلمين دون عائق خارجي، ضمن الإطار الثقافي لهذه التجمعات القروية. إحدى الدراسات القليلة حول هذا المعطى، انصبَّ اهتمامها على القانون العرفي لقبائل تافيلالت. وقد أوضحت بأنَّ كل يهودي ضمن تلك المجموعات القروية العتيقة، لا يبحث عن”سيِّدٍ”، مثلما يُدَّعى، ولا ”حامٍ”، ولا تحديدا ”وصيٍّ”، بل ”كفيل” وفق المعنى الكامل للمصطلح، لقد كان ذلك من أجل مبرِّرات دقيقة جدا مرتبطة بالأعراف القانونية للمجموعتين.

استند خاصة اللجوء إلى العدالة، على أداء القَسَمِ، بالنسبة لليهودي داخل المعبد اليهودي، والمسلم أمام القاضي. في حالة نشوب نزاع بين يهودي ومسلم، يقدم المسلم كفيل اليهودي تعهُّدا أمام القاضي بدلا عن اليهودي. هذا الكفيل يعتبر نفسه ملتزما باللجوء إلى السلاح قصد الدفاع عن اليهودي أو الانتقام له في حالة الجريمة.

هذا لم يمنع سواء اليهود والمسلمين، على قدم المساواة من إمكانية: ”استئجار، شراء أو بيع ممتلكات من منقولات وعقارات، مباني سكنية أو أراضي زراعية، موجودة داخل القبيلة”. علاوة على ذلك، امتلكوا أحيانا حقّ الشفعة: ”في خضم حالة نقل الملكية يوافق عليها أحد آبائهم اليهود”.

هكذا، انتظمت حياة هاتين الطائفتين، في إطار بنيات ”ماقبل الرأسمالية”، أو باستعادة جملة ماركس: ”لقد تهيَّأ الإنتاج من أجل الإنسان، وليس الأخير من أجل الإنتاج”.

أيضا، حينما يتعلق الأمر بمسافرين أوروبيين يهود، مرتبطين دائما بالمحتوى الإنساني لليهودية وغير مغتربين عن الثقافة الغربية، فقد أظهروا ضمن نطاق حياة الجماعات الحضرية، المتشبعة بنفس الأسس الثقافية، عن نفس الإحساس بالتعايش مع الجماعة المسلمة، الإحساس بـ”التكامل” منطويا على: ”الحنين إلى حيِّ الملاَّح”.

كانت تلك الحياة في الوقت نفسه منغلقة ومتعايشة مع طائفة المسلمين. لا يشير السياق هنا إلى غيتو محاط بعالم عدواني.

يضاف إلى الوقائع المعطاة سلفا، المستمرة دائما، التذكير ضمن أشياء أخرى، بتجليات صداقة وكذا مودَّة المسلمين نحو اليهود خلال الاحتفالات الدينية، لاسيما هدايا ليالي عيد ميمونة، واقعة، لاحظها أوربيون باندهاش، من خلال احترام المسلمين للقديسين اليهود (أشار لوي فوانو  إلى 31 حالة قدِّيسين يُستلهمون في الوقت ذاته من طرف اليهود والمسلمين، ثم 14 حالة قدِّيسين مسلمين مبجَّلين من طرف اليهود، و50 حالة قدِّيسين يهود يحظون بالتبجيل من طرف المسلمين).

يلزم التدقيق. لقد تبلورت الديانة اليهودية بكيفية شاملة. انطوت كذلك على مثال ”العودة إلى إسرائيل”، ”عيد الفصح ”، ”التفكير في القدس”.

التباس هذا النموذج المثالي والصلاة، استُثمر واختُلس من طرف الصهيونية. ينبغي القول بأنَّه داخل المجتمع الأوروبي، عرفت تحويرا من طرف الرأسمالية والإيديولوجية الاستعمارية، بحيث أفضت المناحي السلبية لهذا الالتباس صوب تحقُّق وكذا تبلور الإيديولوجية الصهيونية. تطوُّر، أجملته ”متسبين” المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية: “أفرزت الحضارة الغربية معاداة السامية كنتاج شرعي، والنازية كنتاج غير شرعي. الجماعة اليهودية الأوروبية، عاجزة عن اكتشاف معاداة السامية باعتباره حصيلة حضارة شكَّلت جانبا منها، ارتُقِي بذلك إلى مستوى: ”قاعدة الطبيعة البشرية” وأنتجت الصهيونية جوابا على هذا الاغتراب”.

طبعا، لا يتسع المقام هنا، أو يتحدَّد دور كاتب هذه السطور، قصد مناقشة أوضاع  تنظيم إسرائيلي معين أو ذاك أعلن رفضه للصهيونية، بحيث يجدر مع ذلك التنويه بشجاعة المواقف.

تسمح أصلا الممارسة الثورية، مثلما ستتيح أكثر فأكثر، إمكانية تجاوز نزاعات مغلوطة بين النظرية والتطبيق، ضمن الصراع المسلح الثوري المشترك، وفلسطين الموحَّدة غدا.

 مع ذلك، وبغض النظر عن كل اعتقاد شخصي، يظلُّ مكمن الحقيقة الموضوعية في انغماس هذا النموذج والمطلب ضمن مايبلور مفهوم البعد الكوني والإنساني لليهودية.

يتعلق النموذج المثالي لـ”إسرائيل”بأبناء الله، الغوص في الألم، ثم التعهُّد بتحقيق مملكة الله فوق هذه الأرض. بينما يرتبط النص التوراتي حول ”التفكير في أورشليم”، بمفهوم المخلِّص وكذا تحقيق هذه المملكة بالنسبة لجميع البشر.

حاليا، كما أوضح إيمانويل ليفين، يناسب المفهوم التوراتي عن إسرائيل الفلسطينيين، وكذا من بوسعهم حقا تبني عبارة ”التفكير في أورشليم”. لا يتعلق الأمر سواء، بالعجل الذهبي ولابنك روتشيلد، أو النظر إلى موشي ديان باعتباره مخلِّصا.   

استوعبت الصهيونية تلك المعطيات جيدا، لذلك حاولت اقتلاع هذا الاعتقاد بخصوص المخلِّص (المسيح/المشيح): سنة1944، كتب بروسبير كوهن أحد مدبِّري الصهيونية في المغرب، ويواصل مشروعه الصهيوني، نوعا من التحذير إلى الطائفة اليهودية بغية التخلي عن التطلُّع نحو المسيح وكذا الإنسانية : ”ما المسيح؟ حقيقة، أنت لاتعلم قط شيئا قياسا لشعب آخر عن هذا المسيح أو ماهيته… هل سيأتي هذا الملك اليهودي؟ هل سينفتح أمام اليهود عهد سعيد؟ تعلم جيدا بأنَّ الجواب سلبي، شعب عنيد! تعلم جيدا بأنَّ الإنسانية  انتهت إلى الأبد” (بروسبير كوهن، مؤتمر اليهود العالمي، لقاء طارئ خلال حرب 1944).  

نفس هذا المبعوث الصهيوني، يبثُّ احتقاره نحو يهود الشعب بعد فشل انتخابات الجماعات، التي نُظِّمت سنة 1948 تحت إشراف الصهيونية والإقامة العامة: ”هل يمكننا بعد الخيبة السخيفة للانتخابات الأخيرة، الإفصاح عن نداء بخصوص فعل معين؟ يبدو،حقا، أنَّ سبات عدد كبير من إخوتي في الدين، يعكس معطى خِلقيا بالتالي ينعدم حتما أيّ علاج قادر على  مداواة ذلك” (جريدة”نوار” شهر فبراير 1948، العدد رقم 14). هكذا نرى تماثلا بين الصهيونية، العنصرية، الاستعمارية وكذا احتقار البشر.

سواء كان الشعب مسلما أو يهوديا، يتلمَّس فعليا تطلُّعا مشتركا صوب مملكة الله. بهذا الخصوص، شكَّلت الصداقة والاحتفال المشترك خلال ليالي ميمونة التي تختتم عيد الفصح، تعبيرات حيَّة، ضمن أخرى، ترمز إلى النهاية المشتركة لهذا الجور القاحل الذي يكتنف حياة البشر.

مختلف ذلك، حيث الدعوة إلى مزيد من الشروح والأبحاث والقراءات، ليست مجرد تاريخ. بل ينبغي التحضير لبناء صيرورة مجتمع، يغدو معه الإنتاج من جديد مرتَّبا لصالح الإنسان، وبوسع الأخير العثور ثانية على اكتمال شهد تفكيكا بين طيات الرأسمالية والثقافة الغربية، مجتمع مبدعين يحفِّز البشر كي يعيدوا التعبير عن القيم الثقافية قصد إظهار المستقبل.

* ثانيا: من استئصال ”النُّخب” إلى التأطير الصهيوني

     يعود تاريخ موضوع إخضاع العالم العربي من طرف الرأسمالية الأوروبية، إلى مقدمات تحوُّل الأخيرة وجهة إمبريالية حديثة. سعي، انطوى منذ البداية على رغبة بثِّ التفرقة بين اليهود والمسلمين.

سنة 1799 وانطلاقا من غزة، طرح نابليون كرائد في الوقت نفسه لـ ”اليسار”الأوروبي والامبريالية، إلى يهود أفريقيا وآسيا، يعترف اسميا بـ”المثل العليا” للثورة الفرنسية، ثم أطماع الغزو البورجوازي بشكل أكثر واقعية.

تهيكل هذا المشروع الاستعماري خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم تجلى مشروع التقسيم ولعب دوره نتيجة المشاركة المتلهِّفة والشغوفة لكبار المصرفيين اليهود. في هذا الإطار، بادر إدموند جيمس دي روتشيلد، إلى تأسيس أول مؤسَّسة استعمارية في فلسطين، صيغة جديدة للاتجار، الإتيان بخمسة آلاف يهودي من روسيا.

موازاة مع ذلك، وبناء على موارد من نفس المصدر، تأسَّس الاتحاد الإسرائيلي العالمي، وأنشأ أولى مؤسَّساته المدرسية على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط، لاسيما في المغرب. هكذا، بادر المصرفي الانجليزي السير موسى حاييم مونتيفيوري، إلى رحلة ”خيرية”في المغرب، مبديا ”خوفه”، على نحو واسع من الاستعمار الأوروبي، بخصوص مصير الجماعات اليهودية في العالم العربي. يقول مويلفارين: ”سيكون خطأ استثنائيا حين الاعتقاد بأنَّ الحماية واقعة خالصة وبسيطة عن الغزو الاستعماري؛ بل وجب تصور ذلك في إطار ثمرة سياسة صبورة، ذكيَّة ومنهجية سميت تحديدا بـ”التغلغل الهادئ”. لم تعمل الأسلحة سوى على تكريس وتوطيد سيطرة اكتُسبت نتيجة عمل طويل بغية تقريب الروابط الاقتصادية التي أرستها السلطة الشريفة وكبار رؤساء القبائل الأمازيغية. عمل، ارتبط بملهمين أساسيين تحديدا ضباط وتجَّار فرنسيين، وبمساعدة إسرائيليي البلد بفضل التكوين الجديد الذي تلقوه من التحالف” (مويلفارين دراسة تاريخية حول الوضع القانوني لليهود في المغرب، باريس،1941).

بالتأكيد، يخلط هذا العنصري بين بعض المتعاونين اليهود ثم كل الشعب اليهودي. فإذا كان صحيحا،أنَّ أحد التلاميذ الأوائل لمدرسة تطوان، باعتبار الأخيرة أولى مدارس للتحالف، قد صار مؤسِّسا للصهيونية في المغرب، بادر الحرفيون اليهود في الريف، خلال الوقت ذاته، إلى تسليح فيالق عبد الكريم الخطابي.

صحيح، إنَّ بعض آلاف اليهود المغاربة، شكَّلوا انطلاقا من سنوات 1920، ”النخبة”الوحيدة، وكذا التجلِّي العمومي الوحيد للطائفة اليهودية.  

وجب على المجتمع التقليدي تجاوز واقعه قصد مواجهة الصدمة الاستعمارية. جسَّدت المقاومة الوطنية، النابعة من أعماق الشعب ”معارضة”، بيد أنها لم تعكس قط”ثورة”، أي رفضا للأثر الاستعماري وتجاوزا للمجتمع التقليدي،رغم بعض التطلعات المبثوثة بكيفية أو أخرى.

لم يتوقف تأرجح الايديولوجيا الوطنية المتبلورة إلى حد ما، بين الانكفاء ضمن المجتمع التقليدي وكذا تبني قيم المجتمع البورجوازي الغربي. بدوره التيار الاشتراكي، غاية المجهودات التي بدأت خلال هذه السنوات الحديثة، اكتفت فقط بتقديم منظور ينزع نحو التقني.

لذلك، غير مدهش،أنَّ تلك ”النخبة” اليهودية، عاشت استئصالا منذ البداية، ثم أدمِجت في الثقافة الغربية على مستوى أسلوب حياتها، وكذا اهتماماتها، لم تقدِّم في أفضل الأحوال، أيّ منظور وطني ملموس يهمُّ الجماعة اليهودية المغربية، مقابل التوجه الصهيوني. لاحظنا داخل بنية مجتمعية، ميَّزها أصلا استقلال ثقافي قوي جدا، انقياد تلك الجماعة  لـ”نخبة” من هذا القبيل.

المغاربة اليهود، الذين انضموا إلى الحركة الوطنية ضمن إطار حزب وحيد ربط الصراع الوطني بهدف بناء مستقبلي للاشتراكية، وقد اتَّسع عددهم  خلال لحظة، وجدوا أنفسهم، في خضم تطبيق آلي لمبادئ الاشتراكية العلمية، ضمن وجهة تُبَخِّسُ من شأن بل تتجاهل ضرورة خوض نضال نوعي داخل الطائفة اليهودية، وتُركوا بالتالي لهذا الإهمال.

جاءت واقعة شهر يونيو 1967، كي تُتَوِّج عصرا من الاختراق والتقسيم الاستعماريَيْن، وربع قرن من التخلي عن الطائفة اليهودية المغربية لصالح التأطير الصهيوني.

    عموما، تحقَّقت مراحل الاستئصال، كالتالي:

* غاية سنة 1940، تشكيل وتغريب للبورجوازية اليهودية المغربية. المرجع  النموذجي بهذا الخصوص، العدد المتميِّز الذي خصَّصته الجريدة الشهرية ”المستقبل اللامع” شهر دجنبر 1928 إلى صعود الطائفة اليهودية المغربية، تكلَّف بطباعتها بعض اليهود الأوروبيين المستقرِّين داخل المغرب وكذا مغاربة يهود ينحدرون من هذه ”النخبة”المستغرِبة. العدد الذي أُهْدِيَ إلى المقيم العام تيودور ستيغ، اندرج مثلما أوضحت الافتتاحية ”ضمن إشراف فرنسا”. أحد كتَّاب هيئة التحرير، كواحد أيضا من أنصار الفيدرالية الصهيونية في المغرب، دَبَّجَ مايلي: “من كانوا إخوانا لنا في المغرب الكبير منذ فقط عشرين سنة؟ عشيرة من إسرائيل، منعزلة عن باقي العالم اليهودي وعلى هامش الحضارة الغربية. عندما انتمى يهود المغرب، ذات يوم إلى الأسرة الفرنسية الكبيرة، سيشكِّلون حتما ”مقاطعة روحية”. سنة 1940، اقتضى الوضع من العائلة الفرنسية الكبيرة ”احتواء” هذه الطموحات.

* تنفيذ الإطار الصهيوني. إبان سنوات تطبيق قوانين فيشي العنصرية، عارض محمد الخامس تلك القوانين ووجب على الإخوة المسلمين، تعزيز أسباب الارتباط بالبلد لدى كتلة المغاربة اليهود. في المقابل، ذهب طموح تلك ”النخبة” أبعد من ذلك. مثلما كتب أحدهم: ”لقد عرفنا يهودا مغاربة لا يتميز قط لباسهم، نمط حياتهم، ثقافتهم، عن الأوروبيين، ثم فضَّلوا في حين نشوب نزاع قضائي ضد عربي، إدانتهم غيابيا بدل المثول أمام المخزن، وخلع الحذاء وكذا الانحناء بكل تواضع أمام الباشا”. 

    * مرجع المقالة:

Abraham Serfaty :le judaïsme marocain et le sionisme ;juin-juillet 1969.       

Visited 37 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي