الاحتفال في الدائرة والدائرة في الاحتفالية

الاحتفال في الدائرة والدائرة في الاحتفالية

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام
       عن الدائرة أحكي اليوم بشكل عام، وعن هذه الدائرة، في الرؤية الاحتفالية وفي الفكر الاحتفالي وفي الإبداع الاحتفالي أحكي ايضأ، ولكن بشكل خاص وبشكل حميمي.
وكل شيء في الاحتفالية يبدأ ولا ينتهي، وكل شيء يذهب ثم يعود، وهو حين يعود يكون أكثر جدة، ويكون أكثر جمالا، ويكون أكثر قوة، وعليه فإن هذا الذي نسميه الماضي لا يمضى، وهو حين يأتي من الآتي يكون جديدا دائما، وقد نعتقد كثيرا من الأشياء ومن الأفكار جديدة، وما هي فعلا كذلك، لأنه لا وجود في هذا العالم القديم إلا القديم وحده، ودور الإنسان العاقل والمفكر والمبتكر والمكتشف في الحياة هو أن يجدد كل شيء في حياته وفي حياة هذا العالم.
والأصل في الدائرة أنها محيط ومركز. وأنه في هذ الاحتفالية تتغير الحركة وتتغير وتتجدد، وذلك في هذا المحيط المتحرك، ولكن المركز يظل واحدا وثابتا. وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي عند تقديم احتفالية (عبد السميع يعود غدا) والذي يؤكد فيها بأنه ليس بعد اختفاء عبد السميع إلا الظهور من جديد، وليس بعد غيابه إلا الحضور، وإنه ليس ذهابه إلا العودة، وفي هذه الدائرة تستعيد الأجساد و الأرواح حياتها وحيويتها، وتستعيد بداياتها المؤسسة الأولى.
ولقد عاش معي عبد السميع وعشت معه، وذلك على امتداد عقود طويلة جدا، وفي العمر الأول خرج من بيت ليس بيتا، ولم يعد إليه، وفي العمر الثاني من عمره المسرحي ظهر في احتفالية (النمرود في هوليود) وكان في دور حارس عمارة مهددة بالإفراغ وبالسقوط، وفي العمر الثالث وجدناه يستعيد عشقه لوطنه ولبيته ولزوجته الخامسة، ويقرر العودة إلى تقطة البدء المتجدد، وعن هذا العبد السميع العائد يقول الكاتب (وعندما أعود اليوم لعبد السميع، فإن ذلك لا يعني أن هذا العبد السميع كان غائبا عني أو كنت غائبا عنه، وذلك بحكم أن الغياب في الشريعة الاحتفالية غير مسموح به، وبحكم أن الحضور وحده يشكل القانون الاحتفالي، ويشكل ناموسه الأسمى، ويشكل قانونه، وهو الذي يؤثث عوالمه وقاراته، وهو الذي يؤثث جزره وخلجانه الغريبة والعجيبة والمدهشة).
ونحن في الاحتفالية نؤمن بالدائرة، ونؤمن بفعل التدوير، في الطبيعة وفي الثقافة معا، ونؤمن بأن ماء الأمطار لا يأتي من السمأء، ولكن من الأرض، وتحديدا من مياه البحر المالحة، وهو في عودته إلى مصدره يكون حلوا دائما، ويكون صافيا، وبهذا تكون الطبيعة هي أكبر المصانع لتحلية مياه البحر، وفي عملية التدوير يسعى الاحتفالي من أجل إخراج الجمر من الرماد، وإخرج الجديد من القديم، ونحن نسعى في هذه الاحتفالية المجددة والمتجدة إلى إخراج الحي من الميت، وأن يتم بقوة الفكر والشعر والسحر، وما قد نظنه جسدا ميتا، فإنه ليس ميتا بالضرورة، ولمسة الإنسان السحرية يمكن أن تحول كل شيء، وأن تغير كل شيء، وبهذا المنطق أسس الاحتفالي احتفاليته، وذلك عندما فكر في الأفكار (الفديمة) ومنعها من أن تكون قديمة، وأعطاها من ر وح الساعات الجديدة أعمارا أخرى جديدة، وأعطاها من روحه ومن روح اللحظة الحية حالات إنسانية جديدة.
 
الاحتفالية أعمار متعددة في حياة واحدة
    هذه الحياة، حياتنا، ماذا يمكن أن تكون سوى أنها أعمار متتابعة، عمر بعد عمر بعد عمر، وتنقضي الأعمار ولا تنتهي الحياة، وهذا المشي الذي نمشيه في دروب الدنيا ماذا يمكن أن يكون سوى أنه خطوات متسارعة، خطوة بعد خطوة بعد خطوة، ولذلك فقد رددنا تلك المقولة القديمة الجديدة والتي هي (رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة) وقد يظهر بأن هذه الخطوة الواحدة يمكن أن تكون بلا قيمة، ولكنها غير ذلك، لأنها الخطوة المؤسسة لما بعدها، وهي بداية الخطوات التي سوف تاتي بعدها، والتي قد تقطع بنا أكبر المسافات، وتصل بنا إلى أبعد الغايات، وكذلك كانت هذه الاحتفالية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس مجرد خطوة صغيرة في عالم كبير جدا، وفي أواسط ذلك الربيع السبعيني، من ذلك القرن الماضي، من تلك الألفية خرج إلى الوجود بيان صغير بطموح كبير سميناه (بيان المسرح الاحتفالي) والذي نشر في الملحق الثقافي لجريدة (العلم) المغربية، ولم يكن ضروريا أبدا أن نكون على علم بهذا الذي سميناه المسرح الاحتفالي، والذي تمثلناه نحن حلما جميلا، وأصر الآخرون على أن يقولوا هو وهم واهمين وهو سراب في صحراء لا ظل فيها ولا ماء.
وفي حياتنا اليومية تتواتر الاحتفالات وتتجدد، يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة، وعقدا بعد عقد، ولكن هذه الاحتفالية تظل دأئما واحدة. وهي في سيرها تدور حول نفسها، لأن محورها الفكري والجمالي والاخلاقي واحد، وهي تدور حول الشمس ايضأ. لانها ذرة من ذرات هذه المجموعة الشمسية.
وفي كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي) يقول الاحتفالي:
(الدائرة في الاحتفالية اكمل الأشكال، وهي أيضا أقدسها، وأكثرها قربا من الطبيعة ومن الثقافة، ومن الإنسان, ومن السماء ومن الكون).
ونعرف أن فعل الاحتفال هو ذلك المثلث الذي يمثله الإنسان والمكان والزمان، وذلك لأنه لا معنى للاحتفال بدون وجود الإنسان المحتفل، ولا يمكن تصور احتفال حقيقي ليس له مكان محدد، وليس له فضاء خاص، وليس له مناخ، وليس له موعد محدد في الزمن، ولعل أجمل كل الاحتفالات هي تلك التي يقيمها الإنسان الجميل والنبيل في المكان الجميل وفي الزمن الجميل وفي الفضاء الجميل، وماذا يمكن أن تكون هذه الاحتفالية سوى أنها البحث المتجدد عن إنسانية الإنسان وعن حيوية الحياة وعن مدنية المدينة وعن جماليات الوجود.
وفعل الاحتفال هو كتابة في دفتر الأيام والليالي، وهو كتابة صادقة وحية بالأجساد وبالأرواح وبالأشياء وبالرموز وبالعلامات وبالإشارات بالأصوات وبالحركات الناطقة والمتكلمة.
وفعل هذا الاحتفال يتم دائما في فضاء فارغ، تماما كما تتم الكتابة السوداء على الورقة بيضاء، وهذا الفضاء المسرحي الفارغ يحتاج للأجساد الحية من أجل أن تملأه بالحركة وبالسكون وبالكلمات وبالعبارات وبالإشارات وبالعلامات التي تقول شيئا. والتي تحكي شيئا من الأشياء، والتي تترجم المعنوي والرمزي إلى لغات الأجساد، اي لغات الأجساد الإنسانية الحية ولغات الأشياء والاقنعة والأزياء.
وبالنسبة للاحتفالي، فإن أخطر شيء من الأشياء، وفي أي فعل كان، أو أي كلام أو أية كتابة، هي بدايته التي تشكله خطوته الأولى، وتشكله منطلقه المؤسس (ودائما يكون البدء في الاحتفالية من الفراغ، ثم من بعد يتأسس الامتلاء، ويكون الغياب وحده، ولا شيء معه، ثم يأتي الحضور، وفي بطن كل حضور شيء كثير من الغياب ومن التغييب ومن الغائبين والمغيبين، ومن طبيعة هذه الدائرة هو أنها تدور وتدور.. ولا تتوقف).
 
الدائرة في الحياة وفي المسرح
    هي دائرة غير مغلقة إذن، ولو كانت مغلقة فإن أقصى ما يمكن أن تبلغه هو أن تكون سجنا، وفعل الاحتفال المفتوح لا علاقة له بما هو ثابت وساكن ومغلق ومحدود، وهو أساسا حياة وحيوية، وهو حرية وتحرر، وهو انفلات وهذيان، وهو فوضى منظمة، وهو سفر أفقي في المكان والزمان، وهو سفر عمودي خارج المكان والزمان، وذلك باتجاه الباطن النفسي والوجداني وباتجاه السماء.
وفي كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي)، والذي صدر عن منشورات توبقال بمدينة الدار البيضاء، يقول الاحتفالي:
(الدائرة في الاحتفالية أكمل الأشكال، وهي أيضا أقدسها، وأكثرها قربا من الطبيعة ومن الثقافة، ومن الإنسان، ومن السماء ومن الكون).
وفي التسعينات من القرن الماضي وفي جريدة (مغرب اليوم) وفي ركنه الأسبوعي، وفي مقالة بعنوان (الدورة الاحتفالية) يقول الاحتفالي ما يلي:
(نعم، في البدء كنت عاريا إلا من ورق التوت ومن رحمة الله،
ولدت ولا شيء معي إلا هذياني وجنوني
وكل ما أصبح لدي بعد ذلك اكتشفته، واكتسبته، وانتزعته وربحته وتعلمته وأدركته ووصلت إليه).
    ولأن هذه الاحتفالية تعشق الدائرة المفتوحة، والتي يمكن أن تتعدد، وأن تصبح دوائر بعضها أكبر من بعض، فقد اختارت المسرح، لأن المسرح هو الدأئرة وهو مركز الدائرة، وهو مركز المدينة، وهو مركز العالم ومركز التاريخ ومركز الحياة ومركز الوجود، وهو يمثل في هذه الدائرة نقطة التلاقي والتقاطع والتماس، بين اليقظة والمنام، وبين الصحو والسكر، وبين العقل والجنون، وبين الطبيعة والثقافة، وبين الوجود والعدم، وبين الحضور والغياب، وبين الممكن والمحال، وبين الأصل والصورة، وبين الجسد والظل)، وهذا الكلام هو بعض ما جاء في كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي).
وبحسب الاحتفالي دائما، فإن (أن من يختار المسرح، أو يختاره المسرح، فإنه لا يمكن أن يشكو الجنون، لماذا؟ لأن المسرح شكل من أشكال الجنون )، ومن يمكن أن يفهم حقيقة هذا العالم المجنون سوى مجانين الفكر ومجانين الفن ومجانين الإبداع؟
 
الجديد في الدائرة قديم والقديم فيها متجدد
    ويسالني سائل من الإنس ويقول لي: أي جديد يمكن أن يكون في الدائرة، والتي هي عود على بدء، وهي تكرار واجترار؟
وفي الجواب يقول الاحتفالي بأن التكرار لا وجود له إلا في عيوننا وأسماعنا وفي فهمنا المحدود، لأنه لا يمكن أن تنزل إلى نفس النهر مرتين. فلا النهر ثابت، ولا أنت هو أنت في لحظتين مختلفتين، وعليه، فإنه لا يمكنك ان تعيش نفس الحالة مرتين. ولا يمكنك في الكتابة الاحتفالية يحضر الكاتب الذي يكتب، ويحضر الحكواتي الذي يحكي. ويحضر الشاعر الذي يتغنى، ويحضر المصور الذي يصور، ويحضر المهرج الذي يتلاعب بالكلمات وبالحركاتن تقول نفس الكلمة مرتين.
وفي الموال العربي لازمة غنائية أبدية (تتكرر) منذ مئات السنين، وهي في كل دورة تشبه ثابتها، وتخالف متغيرها، وهذه اللازمةالغنائية هي (يا ليل يا عين) وهي مختلفة ومخالفة في كل لحظة غناء.
وفي فن الحلقة الشعبية توجد علاقة إنسانية أساسها الفعل والتفاعل، بين مركز الدائرة ومحيط الدائرة، وفي المحيط يوجد الجمهور، وفي المركز يوجد الحكواتي الشعبي، أما في الحلقات العلمية، في القرويين والقيروان والزيتونة، فإنه في المحيط يوجد الطلبة، أما في المركز فيوجد المعلم الفقيه، أما في البيت العربي القديم فقد كانت المائدة المستديرة هي المركز الذي يتحلق حوله الجميع، وفي المسرح دعت الاحتفالية إلى إيجاد فضاء مسرحي مفتوح من جميع الجهات. فضاء لا يمكن اعتقاله في علبة شبه مغلقة. ولا يجعل للعين اتجاها واحدا وذلك نحو هذه العلبة السحرية التي تسمى الخشبة، وهذا هو ما أوضحته في دراسات كثيرة جدا سبقت ظهور البيانات الاحتفالية، وفيها طالبت بتحرير الفضاء المسرحي وبتحرير الاحتفال المسرحي، وبتحرير المتلقي المسرحي من هذا المسرح الغربي الأحادي البعد والأحادي العين والأحاديث العلاقة..
ولقد اختارت الاحتفالية المسرح، لا لشيء سوى لأن هذا المسرح هو مركز الدائرة، وهو في هذه الدائرة نقطة التلاقي والتقاطع والتماس،وبين اليقظة والمنام، وبين الصحو والسكر، وبين العقل والجنون، وبين الطبيعة والثقافة، وبين الوجود والعدم، وبين الحضور والغياب، وبين الممكن والمحال، وبين الأصل والصورة، وبين الجسد والظل)، هكذا كتب الاحتفالي في كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي).
ونعرف أن المسرح التجريبي الحديث والمعاصر. قد حاول أن يحرب كل شيء، إلا اخطر شيء في هذا المسرح، والذي هو المسرح البناية والمسرح الفضاء وهو المسرح العلاقة، وبقي التحريبيون يقدمون المسرحيات الجديدة في المسارح القديمة، حتى مسارح الجيب الصغيرة، فقد كان التغيير الوحيد الذي أتت يه يتعلق بعدد المقاعد. وليس بأي شيء آخر.
 
نحن نصنع الأفكار أو نحن تصنعنا الافكار؟
  وبالتاكيد فنحن في هذه الاحتفالية لا نصنع الأفكار الجديدة. ولا نأتي بها من العدم. ولا نقوم بإنزالها من السماء إلى الأرض، فهي موجودة. وإذا كانت قديمة فإننا فقط نجددها، وذا كانت غائبة أو مغيبة فإننا نعمل على أن نحضرها وأن نستحضرها، وإذا كانت غامضة فإننا نجتهد من أجل أن نوضحها، وإذا كانت بعيدة فإن أخطر ما نقوم به هو أن نقربها إلى عقول الناس. وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي عندما (اتهم) بأنه يلجأ إلى التاريخ وإلى التراث هروبا من الواقع، وأن الشخصيات التاريخية والتراثية في مسرحه هي مجرد أقنعة أو هي مجرد تقية، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي في رده (إنني أكتب لأوضح أشياء وأشياء، وليس لأخفيها عن أعين الناس، وتلك هي مهمة كل كاتب، ولو كنت أسعى إلى الغموض والالتباس ما كتبت، ولو كان يخجلني هذا الذي أعلنه أمام كل الناس ما أعلنته، ولما بينت حالاتي وآرائي في البيانات وفي المسرحيات، إنني واضح تمام الوضوح. وكذلك هي رؤيتي الفكرية والجمالبة والأخلاقية، والتي هي عنواني في عالم الناس والأفكار، وفي دنيا الكلمات والعبارات، ولأنني أشبه احتفاليتي، ولأنني أسعى لأن تشبهني هذه الاحتفالية الممكنة، ولأنني أحاول أن تكون شفافة وصادقة وحقيقية دائما)، فقد كتبت كل هذا الذي كتبت. في الفكر والفن وفي النقد والتاريخ.
وفي كتاب (فلسفة التعييد الاختفالي..) يتساءل الكاتب الاحتفالي عن جوهر الاحتفال ماذا يمكن أن يكون، وفي الإجابة يقول؛
(هل هو الفعل- الحدث الذي “يؤديه” الممثل أو يحياه، ويحييه الممثل المحتفل؟
هل هو طبيعة هذا الفعل – الحدث وطبيعة مساره وطبيعة انفتاحه وانغلاقه؟
هل هو التص الذي كتبه كاتب غائب؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما هي علاقة الحفل المسرحي، والذي هو حضور في الآن هنا، وذلك بالمؤلف الغائب هناك؟
وماذا يكون النص المسرحي؟ هل هو الكلمة التي ينقلها الممثل؟
وهل هو الفعل الذي يفعله وينفعل به؟
وهل هو الحدث الذي يخبئه فيه، ويخرجه في الوقت المعلوم؟
وهل هي الرؤية التي يجسدها المخرج ويشخصها، ويترجمها إلى حركة أيضا، وإلى علاقة بين الممثلين، بعضهم ببعض، أو بعلاقتهم بالنص وبالمكان وبالفضاء، وبالأشياء وباللحظة وبالآخرين المختفلين معه، والذين تعودنا أن نسميهم الجمهور؟).
وترى الاحتفالية،في كتاب (المؤذنون في مالطة) أن الأساس ليس هو فعل الاحتفال البراني، وذلك باعتباره فعلا سطحيا وأفقيا وعابرا، ولكنه (روح الاحتفال، وأن هذا الروح هو بالأساس طاقة، وأن هذه الطاقة هي التي تحقق في الاحتفال إحساسا داخليا وتعبيرا حسيا عنه، وأن الطاقة الكامنة في العرض المسرحي هي التي تهز الناس هزا عنيفا، وهي وثيقة الصلة بشواغلهم وهمومهم).
وما نسميه النص المسرحي هو عند الاحتفالي حياة بعمرين متكاملين، الأول يمثله الاحتفال الآني الحي، الآن هنا، والثاني يمثله النص المكتوب، والمتوجه أساسا للقارئ المفترض، والذي يمكن أن يكون له وجود هنا أو هناك، وفي أي زمن من الأزمان، وبهذا فإن ما يميز النص المسرحي هو أنه حياة بمسارين اثتين، المسار الأول هو مسار الاحتفال الجماعي في الفضاء المسرحي وفي الموعد الاحتفالي العام، والمسار الثاني هو مسار القراءة الفردية، والتي يمكن ان تتم في ازمان متعددة وفي امكنة متعددة.
 
عنوان مؤقت
    ويبقى السؤال، احتفاليتنا اليوم ماذا تمثل، في دورة الاحتفال مسار ؟
ونقول فقط، هي حلقة جديدة من حلقات الاحتفالية الأم، والتي هي مسافات ومحطات ومنعطفات وحالات كثيرة جدا، والتي رافقت الإنسان عبر التاريخ، والتي ازدهرت مرة، وانتكست مرات أخرى كثيرة جدا، والتي حضرت مع الرؤية الاحتفالية والعيدية، وغابت مع وجود الرؤية الماتمية والعدمية في الحروب وفي الأمراض الحسية والمعنوية ومع تفشي التسلط والقمع والاستبداد وغياب الحرية والتحرر وغيابةالمدينة والتمدن وغياب الحياة والحيوية وغياب الإنسان الإنسان وغياب الحيوية.
وفي كتاب (التيار الاحتفالي في المسرح العربي الحديث) يقول الاحتفالي بأن الاحتفاليين الجدد لم يكتشوا هذه الاحتفالية، ولكنهم فقط أعادو اكتشافها من جديد، والأمر الأكبر والأخطر يتعلق بروح الاحتفالية والذي هو أصل ومصدر كل الاحتفاليات في التاريخ وفي الجغرافيا و(التي قد يصيبها العطب في مرحلة مرحلة معينة من التاريخ، وقد يصيبها شيء من العياء أو من الالتباس، وقد يلحقها شيء من الغموض، أو من عدم الفهم، أو من النوم أو من النسيان أو من التناسي أو من عدم التكريم، أو من الموت المؤقت، الشيء الذي قد يستوجب ظهور حركة فكرية وجمالية وأخلاقية جديدة في التاريخ والجغرافيا معا، حركة تعمل على إعادة الوعي أو إعادة الذاكرة أو إعادة الضوء أو إعادة الحياة والحيوية لهذه الرؤية المنسية أو المقصية من الحياة، والتي هي في الأصل رؤية عيدية واحتفالية توارت إلى الخلف، وذلك بحكم عوامل ذاتية وأخرى موضوعية كثيرة، وذلك في زمن الحروب وفي زمن التحالفات وفي زمن طغيان الرؤية المأتمية والظلامية والعبثية والفوضوية على المشهد الثقافي والجمالي العام).
وهذا هو حال الاحتفالية اليوم، في عمرها الجديد والمجدد والمتجدد، فهي شروق بعد غروب، وهي عودة بعد ذهاب، وهي جمر ملتهب ينبع من بين الرماد، وابتداء من أول بياناتها أكدت هذه الاحتفالية على فعل التحدي الوجودي، والذي هو الإصرار على مقاومة كل عوامل الموت والعدم، وهذه الاحتفالية اليوم، والتي حافظت على قوتها وعلى عنفوانها وعلى جدتها، لم يزدها فعل التغييب إلا إصرارا على الحضور، ولم يزدها الحصار إلا قوة، ولم تزدها الأيام إلا حكمة وجمالا..
وقد يظهر للبعض أن هذه الاحتفالية الجديدة والمتجددة هي خروج عن المسرح العالمي والكوني. ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، لأنها تمثل عودة الابن الضال إلى بيته وإلى وطنه وإلى دأئرة كونه وإلى مركز هذه الدائرة تحديدا.
ولأن هذه الاحتفالية اليوم – احتفاليتنا العالم ثالثية – هي مجرد نقطة في الدائرة الاحتفالية الإنسانية والكونية الكبرى،فقد كان ضروريا أن يقول الاحتفالي بأن الأمر (لا يتعلق بإيجاد شيء من العدم، ولكن فقط بعودة الوعي وبمحاولة القبض على الأساسي والجوهري والحيوي في حياة الإنسان، والذي هو الرؤية العيدية الغنية بالصور وبالحالات الإنسانية الجميلة والنبيلة، وقد تمت هذه العودة في المسرح العالمي بشكل عام، وفي المسرح العربي بشكل خاص).
Visited 10 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي