باريس… من دفاتر رحلة إلى الفن والذاكرة والحنين

باريس… من دفاتر رحلة إلى الفن والذاكرة والحنين

علي بنساعود

       بين المتاحف والمقاهي القديمة، بين ضوء السين ورائحة الخبز الساخن، يكتب هذا الربورتاج سيرةَ عبورٍ شخصية داخل باريس؛ لا بوصفها مدينةً سياحية، بل باعتبارها فضاءً للفن والذاكرة والأسئلة المؤجلة.

رحلةٌ تمتزج فيها اليوميات بالتأمل، والحنين باكتشاف الذات، حيث تتحول الأمكنة إلى مرايا داخلية تكشف هشاشة الإنسان، وتعيد تعريف معنى الحرية والجمال والكتابة...

⁎الذهاب نحو فكرة اسمها باريس

صباح ذات اثنين، في مطار فاس-سايس، كان القادمون أكثر من المغادرين.
الوجوه تتجه نحو العناق، نحو البيوت، نحو دفء الوصول.

وحدي، كنتُ أمشي في الاتجاه المعاكس، أجر حقيبة صغيرة نحو الطائرة، كأنني لا أذهب إلى مدينة، بل إلى فكرة قديمة تتجدد كل مرة باسم جديد: باريس.

لطالما شعرتُ أن هذه المدينة لا تُزار بالكامل. كلما اقتربتُ منها، ابتعد شيء فيها. وكلما ظننتُ أنني فهمتها، اكتشفتُ أنني لم ألمس سوى سطحها.

حين ظهرَتْ تحت جناح الطائرة، بدت رمادية، خفيفة، كأنها مرسومة بالفحم والمطر.
للحظة، تذكرتُ تلك العبارة التي تقول إننا لا ندخل بعض المدن، بل هي التي تدخلنا. ومنذ الليلة الأولى، أدركتُ أنني لن أخرج من هذه الرحلة كما دخلتها.

⁎الفن باعتباره تمرّدًا: أمسية في معهد العالم العربي

مساء اليوم نفسه، أذهبُ إلى معهد العالم العربي لأتابع عرض فيلم للمخرج المغربي هشام العسري.

القاعة ممتلئة بوجوه مغربية وفرنسية، بضوء الشاشة، وهمسات المقاعد، ورائحة الأماكن الثقافية التي تشبه بعضها في كل المدن الكبرى.

كان العسري يتكلم بحماسة رجل يعرف أن الفن الحقيقي لا يعيش طويلًا داخل الأقفاص. وحين قال إن الفنان يجب أن يكون “قرصانًا ومهرّبًا”، سرَتْ همهمات وضحكات بين الحضور، أما أنا فشعرتُ أن العبارة أثقل مما تبدو.

لحظتها، تذكرتُ أن كثيرا من الأفكار ماتت في بلداننا قبل أن ترى النور، فقط لأنها خافت من الرقابة، من المجتمع، من السلطة، أو حتى من أصحابها... خارج المعهد، كانت باريس تمطر خفيفا. مشيتُ بمحاذاة السين وأنا أفكر: ربما لا يهرب الفن من الرقابة فقط، بل يهرب أحيانًا من الخوف نفسه.

⁎فرساي: هندسة السلطة

في اليوم التالي، كنتُ في فرساي. هناك، لم أشعر أنني أزور قصرًا، بل أدخل فكرة السلطة حين تتحول إلى هندسة. الأشجار مصطفة بانضباط عسكري،  المياه تلمع كأنها تتلقى الأوامر، والسماء نفسها تبدو منضبطة فوق البرك الطويلة. مشيتُ طويلًا بين النافورات والتماثيل،  كنتُ أشعر، على نحو غريب، أن المكان لا يريد منا أن نتأمله فقط، بل أن نخضع له قليلًا. ركبتُ عربة، وكان مسارها محددا بدقة، وكلما خرجت عنه، كانت تتوقف تلقائياǃ

التقطتُ صورًا مثل آلاف السياح، ابتسمتُ للحظة كما لو أنني أملك المكان. لكنني، وأنا أنزل الدرج الحجري العريض، شعرتُ أن فرساي منحتني وهم العظمة فقط، ثم سحبته مني بهدوء. خرجتُ من هناك وأنا أفكر أن الطغاة لا يبنون القصور فقط، بل يبنون أيضًا الطريقة التي يريدون للناس أن ينظروا بها إلى العالمǃ

⁎“لي دو ماغو”: الجلوس داخل ذاكرة الأدب

دخلتُ يوما إلى مقهى “لي دو ماغو”، سان جيرمان دي بري، شعرتُ منذ الخطوة الأولى أن الهواء هنا مختلف قليلًا. ليس هواء مقهى عادي، بل هواء يحمل شيئًا قديمًا وعالقًا: رائحة تبغٍ خافتة، أوراقٍ كثيرة، وأفكارٍ لم تغادر المكان.

جلستُ قرب النافذة أراقب الداخل والخارج معًا. النادل ببذلة سوداء ووزرة بيضاء يتحرك بهدوء مدرَّب، كأنه يؤدي طقسًا قديمًا لا مجرد عمل يومي. حتى الكؤوس كانت تصل إلى الطاولات بعناية مبالغ فيها، كما لو أن المكان يخشى أن يفقد أناقته التاريخية فجأة.وضعتُ فنجان الشوكولاتة أمامي، ثم بدأتُ أتأمل الوجوه والكراسي والجدران.

هنا، في هذا الركن، لا بد أن سارتر جلس يومًا يكتب بِصَمْتِهِ العنيد، فيما كانت سيمون دي بوفوار تقرأ أو تدوّن ملاحظاتها قربه. تخيلتُهما يرفعان رأسيهما أحيانًا لمراقبة الشارع، ثم يعودان إلى الكتابة، كأن العالم كله كان يمر عبر هذه الطاولات الصغيرة. في لحظة ما، بدا لي أن المقهى لم يكن مجرد مكان للجلوس، بل مختبرًا كاملًا للأفكار. السرياليون مرّوا من هنا، ثم الوجوديون، ثم شعراء وروائيون ورسامون كانوا يعتقدون أن الأدب قادر فعلًا على تغيير العالم... أندريه بروتون، آرتو، كامو، همنغواي، بيكاسوالأسماء هنا لا تبدو بعيدة كما في الكتب. تشعر أنها ما تزال عالقة في الهواء،

تختلط بصوت الملاعق ورائحة القهوة... أخبرني النادل بابتسامة مقتضبة أن المكان ما يزال يمنح جائزته الأدبية كل سنة.
أعجبتني الفكرة. أن يحمل مقهى جائزة أدبية، وأن تستمر بعد كل هذا الزمن، بدا لي نوعًا نادرًا من مقاومة النسيان، وزمن سياسي أيضًا، أكثر ظلمة وتعقيدًا.

خارج المقهى، كان شارع سان جيرمان يتحرك ببطءٍ أنيق، فيما يقف “ليب” في الجهة المقابلة مثل شاهد آخر على زمن ثقافي كامل…

حين خرجتُ، كان المساء بدأ يهبط على الشارع. الأضواء الصفراء انعكست فوق الأرصفة المبتلة قليلًا، الناس يعبرون أمام المقهى دون أن ينتبه معظمهم إلى الأرواح التي ما تزال جالسة هناك. أما أنا، فشعرتُ أنني لم أشرب شوكولاتة ساخنة فقط، بل جلستُ لبعض الوقت داخل ذاكرة الأدب نفسه...

حين يتحول الفن إلى ضوء

بعد يومين، دخلتُ “ورشة الأضواء” بشارع سان مور، وبدخولها، شعرتُ أنني لا ألج معرضًا، بل حلمًا بصريًا ضخمًا. الجدران والأرضية والسقف تحولت كلها إلى لوحات متحركة. وجوه عصر النهضة كانت تمر فوق رؤوسنا ببطء مهيب؛ دافنشي، رفائيل، مايكل أنجلوالموسيقى تصعد من الأرض، والضوء يتنفس، واللوحات تتحرك كما لو أنها تحاول مغادرة زمنها القديم. في لحظة معينة، ظهر سقف كنيسة السيستينا فوقنا بالكامل. رفعتُ رأسي طويلًا، شعرتُ بألم خفيف في عنقي، لكنني لم أستطع أن أُنزل بصري. هناك، فهمتُ أن الفن لا يحتاج دائمًا إلى أن يُشرح. أحيانًا يكفي أن يضعك داخل دهشته فقط.

⁎تعب الكتابة

لكن أكثر الأماكن التي هزتني بهدوء كانت “دار بلزاك”. بيت صغير، متواضع، شبه خفي وسط حي باريسي هادئ. لا شيء فيه يوحي بأن رجلًا كتب داخله مدينة كاملة بالحبر. دخلتُ غرفة العمل، شعرتُ أنني دخلتُ إلى تعب الكتابة نفسه: مكتب خشبي، كرسي، محبرة، آثار سهر طويل

كل شيء يوحي بأن الأدب ليس رفاهية، بل شكل من أشكال النجاة. تخيلتُ بلزاك وحيدًا في الليل، يشرب القهوة السوداء، يتناولها كدواء ضد الانهيار، يكتب لساعات طويلة فيما باريس تنام خارجه. فجأة، شعرتُ بخوف خفيف: خوف الكاتب من ألا يكفيه العمر ليكتب كل ما يريده.

⁎باريس تعتذر متأخرة

في مونمارتر، وجدتُني في ساحة داليدا وأنا أبحث عن شيء من الهدوء بعد ازدحام الأزقة الصاعدة نحو التلة. الساحة صغيرة، تكاد تختبئ بين البيوت القديمة، لكن الناس يعرفون طريقهم إليها جيدًا. كانوا متجمعين حول تمثال برونزي لامرأة تبتسم بحزن خفيف، كأنها تعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون. وقفتُ أمام داليدا طويييلًا. في ملامحها شيء يصعب تفسيره: جمال مطمئن من جهة، ووحدة عميقة من جهة أخرى.

سمعتُ سائحة تضحك وهي تلمس ثدي التمثال قبل أن تلتقط صورة. قال أحدهم إن لمسة صغيرة هناك تجلب الحظ. ابتسمتُ في سري وقلت: غريب هذا العالمǃ يُحوِّلُ الفنانين، بعد موتهم، إلى طقوسǃ لكن، خلف الأضواء، كانت هناك حياة أخرى لا يراها أحد:

وحدة طويلة،

                  خسارات متتالية،

                                        وحزن يكبر بصمت...

“سامحوني، الحياة لم تعدْ تُحتملǃ”

هذه كانت رسالتها الأخيرة،

أمامها، شعرتُ بشيء ثقيل يمر داخلي.

ليس لأن النهاية كانت مأساوية فقط، بل لأن العالم غالبًا ما يصفق للفنان وهو يغرق، ولا يتذكر أن يحبه إلا بعد فوات الأوانǃ فكرتُ وأنا أغادر المكان:

ربما لا يكون أكثر الناس تصفيقًا لنا…  هم أكثرهم قدرة على إنقاذنا.

⁎باريس من جهة الماء

ذات مساء، قررتُ أن أترك الشوارع لضجيجها،  أن أرى باريس من جهة الماء. ركبتُ القارب، جلستُ قرب الحافة، وكانت الريح الباردة تمر بخفة فوق النهر. شيئًا فشيئًا بدأ صوت المدينة يبتعد. خفّ ضجيج السيارات، تلاشت خطوات الناس، بدت باريس نفسها أقل استعجالًا... من فوق الماء، تتغير الأشياء كلها. الجسور تبدو أقرب مما هي عليه في الشارع،

الواجهات الحجرية تفقد شيئًا من صلابتها، كأن النهر يُلينها. كنتُ أراقب انعكاس المباني على سطح السين، أفكر أن المدن، مثل البشر، تملك أكثر من وجه. هناك مدينة أخرى مختبئة هنا، مدينة أبطأ وأكثر هدوءًا، لا تظهر إلا لمن يترك اليابسة قليلًا ويثق بالماء.

حين انتهت الرحلة، شعرتُ أنني لم أغادر القارب وحده، غادرتُ أيضًا نسخة صاخبة من المدينة.

⁎محاولة جماعية لطرد قسوة العالم

بعد أيام، في ساحة الباستيل، رأيت وجها آخر لباريس: موسيقى، رقص، أضواء، غرباء يحتفلون معًا تحت مطر ربيعي خفيف.

بال الحب” لم يكن حفلا، بل محاولة جماعية لطرد قسوة العالم لبعض الوقت.

راقبتُ الناس يرقصون بلا خوف من نظرات الآخرين، تذكرتُ كم نتعب نحن في مجتمعاتنا لكي نخفي أنفسنا، هشاشتنا، تنوعنا. هناك، بدا الاختلاف شيئًا عاديًا، لا معركة يومية.

ولأول مرة منذ وصولي، شعرتُ أن باريس تعرض ثقافتها، وبموازاتها تعرض أيضًا فكرتها عن الحرية.

⁎دفء الحضارات الصغيرة

في يوم آخر، وصلتُ إلى ساحة نوتردام حيث يحتفل الناس بعيد الخبز. كانت رائحة العجين الساخن تملأ المكان كله.

أطفال يركضون، خبازون يعجنون أمام الزوار، أصابع مغطاة بالدقيق تتحرك بثقة حرفيين يعرفون أن المهنة القديمة ما تزال قادرة على مقاومة الزمن. وقفتُ طويلًا أراقب رغيفًا يخرج من الفرن.

بدا المشهد بسيطًا جدًا، لكنني شعرتُ فجأة أن الحضارات لا تعيش بالفلسفة والفن فقط، بل أيضًا بالأشياء الصغيرة التي تلبي حاجيات الناس وتمنحهم دفئهم اليومي.

⁎البحث عن قفل قديم

ثم عدتُ إلى الحي اللاتيني.

وقفتُ على الجسر أبحث عن قفل صغير كنا علقناه ذات ربيع بعيد. لم أجده.

أزالوه، قالوا إنه يهدد سلامة الجسرǃ ضحكتُ وحدي.

كم هو هشّ هذا العالم إذا كانت حتى الذكريات الثقيلة تُعتبر خطرًا هندسيًا.

وقفتُ قرب السين.

الماء يمضي بلا اكتراث… السياح يلتقطون الصور… الموسيقي العجوز في الزاوية يعزف كما لو أن لا شيء تغير.

لكن شيئًا ما كان قد تغير داخلي أنا. أدركتُ أن الأمكنة لا تحفظ الحب دائمًا،

         أن بعض الأشياء لا يبقيها حيّة إلا الكلام عنها.

لهذا كتبت...

⁎الباب الخلفي للمدينة

في “59 ريفولي”، شعرتُ أن باريس تفتح لي بابها الخلفي. فنانون يرسمون أمام الناس، موسيقى تخرج من الطوابق العليا، جدران تبدو كأنها كُتبت على عجل كي لا تموت الفكرة. هناك، لم أشعر أنني سائح. شعرتُ أنني جزء صغير من المشهد نفسه.

أما في “قصر طوكيو”، فرأيت أجسادًا متعبة داخل الأعمال الفنية؛ أجسادًا هشة، خائفة، وحيدة في أغلب الأحيان.

خرجتُ وأنا أفكر أن الإنسان الحديث صار يحمل جسده كما يحمل ذاكرة ثقيلة.

حين يصير الهواء والضوء فنًّا

حين زرتُ مؤسسة لويس فويتون، شعرتُ منذ اللحظة الأولى أنني لا أدخل متحفًا بالمعنى التقليدي، بل أعبر إلى فضاء يتحرك فيه الضوء كما تتحرك الأفكار.

المبنى الزجاجي الذي صممه “فرانك غيري” بدا من الخارج كسفينة شفافة تسبح وسط الأشجار والسماء. كل شيء فيه يوحي بالحركة:

الزجاج، الانعكاسات، الخطوط المنحنية، وحتى الهواء نفسه كان يبدو جزءًا من المعمار.

في الداخل، كان محور المعرض يدور حول “ألكسندر كالدر”. أعماله المعدنية المعلّقة تتحرك مع أخف نسمة، كأنها كائنات خفيفة تتنفس ببطء فوق رؤوس الزوار. لم أشعر أنني أمام منحوتات جامدة، بل أمام موسيقى صامتة مرئية. سمعتُ مرشدة تشرح لفوج من الزوار:

كالدر لم ينحت المعدن فقط، بل نحت الحركة نفسها، وحرّر النحت من ثقله كي يرقص في الهواء.

أعجبتني العبارة كثيرًا.

ربما لأن الفن، في جوهره، ليس إلا محاولة لجعل الأشياء الثقيلة أكثر خفة: الذاكرة، الخوف، الزمن، وحتى الوحدة.

في قاعة أخرى، كانت أعمال “غيرهارد ريختر” تبدو كأنها تعيد العالم إلى ضبابه الأول. الصور غير واضحة تمامًا، الأشكال ممحوة جزئيًا، والوجوه كأنها تتردد بين الظهور والاختفاء.

قالت المرشدة إن ريختر “يحرر الصورة من وضوحها، كما حرّر كالدر الشكل من الجاذبية”. خرجتُ من هناك وأنا أنظر إلى الهواء والظل والضوء بعين مختلفة.

شعرتُ أن الفن الحقيقي لا يشرح العالم بقدر ما يجعلك تراه للمرة الأولى. وربما لهذا السبب تحديدًا، بقيت تلك الأعمال معلقة داخلي حتى بعد أن غادرتُ المؤسسة، كما تبقى بعض الموسيقى عالقة في الأذن بعد انتهائها بوقت طويل.

⁎هشاشتنا المشتركة

لكن اللحظة التي التصقت بي أكثر جاءت من معرض آخر بمؤسسة لويس فويتون. كنتُ على وشك المغادرة حين دخلتُ صدفة إلى معرض الفنانة الإيرانية الشابة أرمينه نغاهداري.

منذ اللوحة الأولى، شعرتُ أن الأعمال المعروضة أمامي، تتنفس بصعوبة. خطوط سوداء مضطربة، أجساد تتفكك، آثار محو وخدش، كأن اللوحات خرجت لتوها من كارثة داخلية.

وقفتُ طويلًا أمام إحدى اللوحات. لم أفهمها تمامًا، لكنني شعرتُ بها جسديًا، وهذا كان كافيًا.

خارج المؤسسة، كان المطر قد صار غزيرًا. مشيتُ مبتلًا بمحاذاة الشارع، وأنا أشعر أن تلك الخطوط السوداء لم تكن تصف هشاشة الآخرين فقط، بل هشاشتنا جميعًا.

⁎في ضيافة ابن سيرين

دخلتُ متحف الشوكولاتة زائرًا عاديًا، وخرجتُ منه طفلًاǃ

في الداخل، بدا المكان غابة استوائية صغيرة.

روائح الكاكاو الداكنة تتسلل إلى الحواس ببطء، وكأنها توقظ ذاكرة قديمة نائمة. تذوقتُ أصنافا مختلفة من الشوكولاتة، تناولتُ كوبًا ساخنا منها، فشعرتُ أن الدفء لا يستقر في الحلق فقط، بل في أماكن أعمق يصعب تسميتها.

للحظة، عادت إليّ طفولة بعيدة، لا علاقة لها بباريس ولا بالشوكولاتة الفاخرة؛ طفولة كان فيها الفرح أقل كلفة، والحلم أصغر من قطعة حلوى. ثم وقفتُ أمام لوحة كرتونية على شكل قطعة شوكولاتة مبتسمة، ووضعتُ وجهي داخل الفتحة المخصصة للصورة.

ضحكتُ طويلًا، ضحكة خفيفة، لكنها مريبة. منذ متى لم أضحك هكذا بلا سبب؟

في الليل، عدت إلى الفندق، وكان السؤال يرافقني: كيف يستطيع رجل مُسن أن يستعيد طفولته أمام جدار من قوالب الشوكولاتة؟

وحين نمتُ، زارني “ابن سيرين” بملامحه الوقورة وصوته الهادئ. قال: “من رأى نفسه طفلًا، فقد يكون مقبلًا على فرج، أو عائدًا إلى صفاء فقده”.

ولم أكد أستوعب كلامه حتى ظهر “النابلسي” مبتسمًا وأضاف: وقد تكون الطفولة، يا ولدي، تعب القلب حين يشتاق إلى الطمأنينة.”

استيقظتُ قبل أن أعرف أيّهما كان أكثر إقناعًا. لكن باريس، كما يبدو، لا تمنح تفسيرًا واحدًا للأشياء.

إنها مدينة تسمح لك أن تكبر كما تشاء، ثم تفاجئك فجأة بطفلك القديم، جالسًا في زاوية ما، يضحك ويداه ملطختان بالشوكولاتة.

⁎الوجه نفسه… والروح الأخرى

وأنا أترك باريس خلفي، لم أفكر في المتاحف ولا الصور التي التقطتها.

فكرتُ فقط في الأسئلة التي حملتها معي. أدركتُ أن الرحلات الحقيقية لا تُقاس بعدد الأمكنة التي نزورها، بل بعدد الأشياء التي تغيّرنا بصمت.

وحين ظهرَتْ فاسُ من نافذة الطائرة، شعرتُ أنني أعود إليها بوجه أعرفه

لكن بروح لم تعد تمامًا كما كانت.

شارك هذا الموضوع

علي بنساعود

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!