“تفاصيل صغيرة” لرفيف فتوح: قراءة ثانية في دفاتر بيروت وشجون الحلم العربي
خالد بريش
كنت عاكفًا على قراءة المجموعة القصصيَّة “تفاصيل صغيرة”، للكاتبة والصحفية اللبنانية رفيف فتوح، الصادرة عام 1980، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، فاستغرقتني منذ الصفحات الأولى، وخالجني شعورٌ، بل سؤالٌ رافقني طيلة تقليبي للصفحات، والغوص في عباراتها:
- هل علينا أن نعيد قراءة بعض الأعمال، التي كُتبت في مرحلةٍ سابقةٍ، لكي نعيد اكتشاف أنفسنا، وموقع أقدامنا، وصفحات من تاريخنا…؟
في الواقع هذا ما تؤكده التجربة، وأقوال كثيرٍ من الفلاسفة والمفكرين، فالقراءة الأولى، تهَبُ القُراء مفاتيح تُساعدهم على فهم العمل الأدبي، لكن، لا يكشفُ العمل خلالها عن كل براقعه، ولا تأخذ الأفكار التي حواها مكانها، وتستريح على أرائك العقل واللب كما يجب، ولهذا لا بد من العودة بعد مرور فترة من الزمن لكتب قرأناها في يوم من الأيام، وأن نُعيد اكتشافها على ضوء قراءاتنا المُتراكمة، ومعلوماتنا الثقافية التي تم اكتسابها. ولا بد من الإشارة في البداية إلى أن هذه المجموعة القصصيَّة كتبت في مرحلة، كان السرد في العالم العربي يبحث عن ذاته، وهو في طريقه نحو مدرسة الحَداثة، فكانت هذه المجموعة طلائعيَّة، ولها دورُ السَّبْق في دخول عالم الحَداثة الأدبية نمطًا، وأسلوبًا، وعبارة مُنْتقاة.
الخاص والعام
مجموعةٌ قصصيَّةٌ بطعم روايةٍ مُتكاملة الأركان، يتداخل فيها الخاصُّ بالعام، ليُصبح الخاصُّ في لحظةٍ جُزْءًا لا يتجزأ من العام، المُتمَحْور حول الوطن، وأحداثه، وقضاياه، والأحاسيس العُروبيَّة، ونبض المجتمع، وعاداته، واختلافاته، فيُمرَّر الخاصُّ في إطار العامّ ببصماتٍ أدبيَّةٍ مُتحرّرة من « الأنا »، ليكون القارئُ مُشاركًا في الكتابة في لحظةٍ ما، وذلك من خلال اسْتِدْعائه لذكرياته وغَوْصِه في طفولته الخاصَّة، فتستوقفه الكاتبة عند أحداثٍ هامَّةٍ، وظفتها في سردها بأناقةٍ، فأضفت على النص أبعادًا إنسانيةً وحَميميَّةً، وذلك كالتفاحة المُزْدانة بحبَّات كَبْشِ القُرُنْفُل في شهر رَمَضان، وتكبيرات العيد، والمَعْمُول المَجْبول بمشاعر أمّ أمضت الليل بطوله في صُنْعه، لكي يلتهمه أطفالها وزوَّارُها أيام العيد، فتزداد سعادةً وهي تُراقب الابتسامة والبَريق الساكن في عيونهم…
هذا، ويرسم توالي الأحداث أبعادًا كثيرةً، تتسرَّب للقارئ وهو يُقلب الصفحات بهدوء، كخطوات طفلٍ ينبض القلب على وَقْعِها. بينما تفرض الظروف الطارئة « الغربة » نفسها كحلٍّ مرحليّ، كمعظم أمور حياتنا التي غالبًا ما تكون بداياتها مُؤَقّتة، ليتحول المُؤَقَّت مع الأيام إلى محطةٍ أساسيةٍ، كموعد حُبٍّ هامِشيٍّ في بداياته، يتحول فيما بعد لزواجٍ. وهكذا تمرُّ السنوات، وتأكل الأيام بعضها، والحلم بالعودة إلى الوطن يبقى طريًّا، لا يَيْبس عُودُهُ، فنُردّد في كل يومٍ:
“أكيد أريد أن أعود… أنا أريد أن أعود…
فيما بعد … “.
غربةٌ بعثرت أفراد العائلة مُكْرهين، كل فرد في ناحيةٍ من أنحاء العالم، يحمل فِكْرًا مُخْتلفًا عن الآخر، ففقدت العائلة كَيْنونة تماسُكَها، وفقد الوطن بالتالي كل أشكال وَحْدته وتضامنه، ونسيج شعبه، ليغدو بعد فترة من المستحيل له أن يتقارب مع بقية أبناء وطنه…! خصوصًا في ظل حربٍ أهليةٍ عَبَثيةٍ، ماسِحَةٍ لمشاعر الإنسانية عن الوُجوه. فكانت المأساة والمَلْهاة الكارثية في آنٍ معًا، فتذكر الكاتبة رفيف فتوح بعضا من صورها: “كانت المدينة خليةً تعُجُّ بأنباء الخَطْف، والقَنْص، والسَّبْت الأسود، وكنت أنا مثل الذي جاءته ضربةٌ وهو مأخوذٌ بشيءٍ ما…
أحاول أن أفهم فأجتاز الشارع وأقف
وجهًا لِوَجْهٍ أمام، واحدٍ + واحد”…
إنها الحرب الفاجعة، وهل يوجد أقسى وأفظع من الحرب والفوضى، والهيمنة، والتوحُّش، والقتل المجَّاني، و… و… إنها أُمورٌ تحيل الحياة في مدينةٍ ووطنٍ إلى جحيم لا يُطاق “أكاد أنفجر، خيانةٌ، هٌروبٌ، سَمِّها ما شِئْت، أوَّدُ أن أرى العالم. ماذا يفعل إنسان لا يُجيد القتل، ولا القنص، ولا التَّعْذيب”… ففي أثناء الحرب وتتالي الأحداث، يصعب فَهْم الأشياء، وكذلك يستحيل فَكْفَكَةُ الرُّموز، حتى “التفاصيل الصغيرة” والخوض فيها. فقط الذكريات وبالأخص مُرها، تبقى مُتربعةً على الكيان، تَنْخر الأعماق وتُقطّع فيها، أو تتحول إلى شبه سيوفٍ تتساقط على الهامات والرؤوس.
بيروت ــ طرابلس
تحضر تلك المدينة الأُسْطورة، الموصوفة بـ “ست الدنيا”، في هذه التفاصيل الغير صغيرة حقًّا، والأشبه بمفاصل في تاريخ وطنٍ غدا تائهًا، بعدما كان بوصلةً للعُروبة، تتجه قلوب العرب نحوه ترابا وعاصمة “بيروت محطةٌ لكل العائدين من المَوْت والفرح”. بيروت بكل ما فيها: سوق إياس، وسُرْسُق، والطويلة، وبناية العازارِيَّة، وشارع المَعْرَض، وبركَةُ العِنْتَبْلي، وأَكْوابُ الجِلَّاب والمَغْلي، والمحلات بواجهاتها الجميلة، وكل الطرق الأليفة الأخرى، المُعَشِّشَة في الأعماق لا تتركها كابتسامة طِفْلٍ، ولَمْسَة أمٍّ حنون…
تترك الكاتبة رفيف فتوح في صفحاتها مساحة لمدينة أخرى، صنعت مكانها ومكانتها على خاصِرَة المُتوسّط « طرابُلْس »، مدينة أمِّها، وحيث أمضت بعضًا من طُفولتها، فتكونت ذكرياتٌ اسْتلقت على حَوافي القلوب: قِطاف زهرة دُوَيْك الجبل؛ وهُجوم زهر الليمون الأبيض، مُقْتَحِمًا بروائحه الصُّدور عِنْوَةً، فتنتَعِش الأرواح؛ وأساور الخَرَزِ والزَّهْرِ وهي تُزيّن المَعاصِم؛ ونهر أبو علي، الذي يقسمها إلى شقَّيْن؛ والحكايات التي تُحْكى للأطفال عن ثُعْبانٍ كبيرٍ يُدْلي بِرَأْسه في النَّهر لِيشرَبَ، بينما يبقى ذَيْلُه في القلْعَة؛ وصُنْدوق الفُرْجَة، وشبابيكُه الزُّجاجِيَّة الصغيرة، التي يتوه عبرها الأطفال في عوالم شَهْرَزاد، والزِّير سالِم، وأبي زَيْدٍ الهِلالي، وصاحب الصُّنْدوق يُردِّدُ بِلحنٍ لا يُنْسى على مَرِّ الأيام: “تَعَا تَفرَّج يا سلام، وصَلِّ على خَيْر الأنام”؛ وُصولًا إلى أجْواءِ رمضان الخاصَّة بتلك المدينة، وإثبات العيد بإطلاق قذائف المَدْفعِيَّة ابْتِهاجًا، والفرح المُصاحِب لذلك لا يوصف “كنت أحبُّ العيد، أنتظره، أضع ثيابي على الكرسي، وأعانق حِذائي وأغْفُو”.
الحلم العربي
يحضر في سُطور هذه المَجْموعة الحُلْم العُروبي بقوة، وحكاية جيل طاولت أحلامه عَنان السَّماء، شِعاره: “ارْفَعْ رَأْسَك يا أخي، عَهْدُ الذُّلّ قد مَضَى”، فيُترتّب قائمة أوْلَوِيَّاته: حُريَّة، وَحْدَة عربية، تحرير مُقدسات، وغَد أفضل لكل شعوب أمتنا… وكل ذلك على وقع أغانٍ، ما زال صداها يُحْدث ضجيجًا في القلوب والذاكرة، ويُسبب انفعالاتٍ لا يُمْكن أن يُدرك مداها إلَّا البقية الباقية من ذلك الجيل، “وطني حبيبي، وطني الأكبر، يوم ورا يوم أمجاده بتكبر، وانتصاراته مالْيا حياته…”، لتهوي أحلام ذلك الجيل على هول المأساة، التي فتحت في القلوب أثْلامًا وجُروحًا، لمْ تستطع الأيام مُداواتها، إنَّها نَكْسةُ عام 1967، وخياناتٌ كثيرةٌ أُخْرى، أصبحت مُجَرَّد وجهات نظر، عبَّر عنها الشيخ إمام بقوله:
“اللي خانوا العَهْد بينا، واسْتباحوا كل حاجَه
واسْتهانُوا بالعُروبَة، واسْتكانوا للخَواجَه
مُسْتحيل حَيْكونوا مِنَّا، إحْنا حاجَه وهُمَّا حاجَه
هُمَّا باعُوا الجَلَّابِيَّة والوطن والبُنْدُقيّة”…
وصولًا إلى حكاية بُوسْطَة عَيْن الرُّمانَة، عندما أصبح زَهْرُ اللَّوْز الأبيض أحمر بلون دماء شبابٍ أبرياء، ذُبِحوا باسم الصَّليب، وشُوفينية عُنْصريَّة مُتَوحشةٍ، أُلْصِقت بُهْتانا بالوطن والوطنيَّة…!
وإذا كان عنوان هذه المجموعة القصصيَّة يُذكرنا بكتاب « الذكريات الصغيرة »، للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو، فإن إحدى النهايات فيها تحملنا إلى مسرحية “حول مفهوم وجه الله Sur le concept du visage de Dieu”، للكاتب الإيطالي رومُيو كَسْتلوتْشي، التي تتمحور حول عبثية الأقدار، وإشْكالِيَّة حقيقة الله، وموته في قلوب البشر، واختفاء صورته عن ملامح تصرفاتهم، وذلك عندما يغرق البشر في أنانياتهم، فيتوحشون ويصلون في ذلك إلى الأقصى، فيدخل الإنسان عندها في ضبابية طرح الأسئلة والحيرة: “أبتعد إلى زاوية الحائط وأنظر، كيف يموت الله وأنا أحبه… حين أكون لوحدي وأقول يا الله، أشعر بالراحة. شيء في النفس يَسْتكين ويَهْدأ “…
باريس في 25 / 05 / 2026
