شغفُ عبد الكبير الخطيبي بفرقة الجاز أورجنالْ تايغرْ بانْد

شغفُ عبد الكبير الخطيبي بفرقة الجاز أورجنالْ تايغرْ بانْد

 المصطفى اجْماهْري

         بحي سان ميشيل الباريسي، طلبتُ من ابن مدينة مازاغان، سالومون أسيدو، أن يروي لي جانباً غير معروف من التاريخ الفني والثقافي لمدينة الجديدة: ملحمة أول فرقة جاز مغربية، والتي أسسها تلاميذ من السلك الثانويي في المدينة نفسها عام 1955. وباعتباره أول عازف غيتار من هذا النوع في الجديدة، أحيا سالومون بذكرياته حقبةً شكل فيها مع أربعة من زملائه المازغانيين فرقة لوريجينال تيغر باند. وفضلاً عن شغفه الموسيقي، استرجع سالومون بتأثر شديد ذكريات صداقته العميقة مع الراحل عبد الكبير الخطيبي؛ تلك الصداقة التي توطدت عراها عبر لقاءاتهما المنتظمة بـدار المغرب حينما كانا طالبين في باريس.

وفي واقع الأمر، كانت معرفة سالومون بعبد الكبير قديمة العهد بالجديدة، إذ كان الخطيبي – باعتباره عاشقاً حقيقياً لموسيقى الجاز – يتابع باهتمام بالغ العروض التي تقدمها فرقة لوريجينال تايغر باند. وكان الخطيبي، الذي يكبر سالومون بسنتين أو ثلاث، يُحضر في جامعة السوربون أطروحته لنيل الدكتوراه في علم الاجتماع، والتي خصصها للرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية. ويؤكد سالومون أن مناقشة الأطروحة كانت بارعة، لدرجة أن الصحفي الشهير جان لاكوتير أشاد بها في أعمدة جريدة لوموند.

وباعتباره الشاهد الوحيد المتبقي على قيد الحياة من هذه المغامرة، يعود بنا سالومون أدراج الزمن ليروي نشأة فرقة لوريجينال تايغر باند، وهي فرقة جاز جعلت قلوب الشباب تنبض على إيقاعات نيو أورليانز بين عامي 1955 و1962. وقد سُرد التاريخ المفصل لهذه المجموعة في كتابي “الجديدة، آثار أقدام على الشاطئ” الصادر عام 2024.

وبحضور زوجته فرانسواز أسيدو-موراج، روى لي سالومون أن الحكاية بدأت عام 1955 في ساحة كوليج مازغان (ثانوية ابن خلدون حالياً). هناك، قرر أربعة تلاميذ لا تتجاوز أعمارهم خمسة عشر عاماً، تجمعهم صداقة وطيدة، خوض مغامرة جريئة بتأسيس فرقة لموسيقى الجاز. تألف الرباعي الأول من جاك لاريدو، ودافيد بنسيمون الملقب بـديدي، وسالومون أسيدو، وأندريه دوفور (الذي رحل عام 1980)، قبل أن ينضم إليهم عبد الله بنشرقي في مرحلة لاحقة.

في تلك الحقبة، كان الجاز يمثل ما هو أبعد من مجرد موسيقى؛ كان رمزاً لحداثة فائرة. وفي الوقت الذي كان فيه الكثيرون يستمعون إليه من باب التباهي الاجتماعي، قرر هؤلاء المراهقون الأربعة الغوص في الينابيع الأولى لهذا الفن. ففي عشيات أيام الخميس، كانوا يجتمعون حول جهاز الفونوغراف الوحيد الذي تملكه المجموعة، في بيت جاك لاريدو، لتفكيك أسطوانات سيدني بيشيت، ولويس أرمسترونغ، وكينغ أوليفر. وبين جدران دار الشباب الواقعة بشارع فيكتور هوغو، كانوا يلتهمون كتابات الناقد هوغ باناسي، صاقلين بذلك ثقافة موسيقية رصينة.

ما فيما يتعلق بمشاركته كعازف غيتار، فمن الضروري التوضيح أنها جاءت متأخرة. إذ تولى سالومون في السنوات الثلاث الأولى عزف الطبول بشكل أساسي. ولم ينتقل إلى الغيتار إلا بعد اكتشافه وفهمه للمخططات التوافقية في موسيقى الجاز، ليوفر للفرقة مؤقتاً دعماً إيقاعياً حقيقياً يليق بها، وحينها حل محله عبد الله بنشرقي على الطبول. وسرعان ما انتقل سالومون من الغيتار إلى البيانو، نظراً لدوره التوافقي الأغنى، مع عزفه المزدوج في كثير من الأحيان على ساكسفون السوبرانو. وفي وقت لاحق، عندما عاد لممارسة الجاز، استقر على آلة الترومبيت التي عزف عليها بشغف كبير.

فرض اسم الفرقة نفسه كخيار بديهي، فالاسم لوريجينال تايغر باند جاء تكريماً لفرقة لوريجينال ديكسيلاند جاز باند لعام 1917 ومعزوفتهم الشهيرة تايغر راغ. وزُعت الأدوار الأولية حينها على النحو التالي : أندريه دوفور على الترومبيت، وجاك لاريدو على الكلارينيت، وديدي بنسيمون على البيانو، وسالومون أسيدو على الطبول. ومع ذلك، كان التحدي جسيماً، فباستثناء بيانو عائلة بنسيمون، لم تكن المجموعة تمتلك أي آلة موسيقية. والأكثر غرابة من ذلك، أن هؤلاء الموسيقيين الناشئين كانوا في البداية عصاميين تماماً، لا يتقنون قراءة السولفيج ولا مبادئ التناغم الموسيقي.

لكن بفضل امتلاكهم للأذن الموسيقية والمثابرة، تمكنت المجموعة من تجسيد مشروعها على أرض الواقع. ورغم قصر عمر الفرقة – إذ تفرقت المجموعة عام 1962 بسبب الهجرة أو متابعة الدراسة – فإن لوريجينال تايغر باند قد بصمت فجر الاستقلال، تاركةً وراءها ذكرى شباب كان متيماً بالاكتشاف.

وفي فرنسا، واصل سالومون أسيدو رحلته الموسيقية لسنوات طويلة ضمن فرق جاز مختلفة. وشهد مساره تعاونين بارزين: الأول مع فرقة نيو أورليانز جاز سبوكن من عام 2005 إلى عام 2013، والثاني مع فرقة إيرلي جاز واندررز من عام 2013 إلى عام 2021. وهو ما يؤكد أن الجاز كان بحق الخيط الناظم لحياته.

شارك هذا الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!