موت الثقة: حين يصبح الإنسان خائفًا حتى من الطمأنينة
المختار العنقا الإدريسي
عتبة مدخلية
ليست المأساة الكبرى في حياة الانسان أن يفقد الأشياء فقط، بل أن يفقد القدرة على الاطمئنان اليها. فبعض الخيبات لا تمر على القلب مرورا عابرا، بل تعيد تشكيل نظرته الى العالم كله. وحين تتكرر الانكسارات، لا يعود الانسان خائفا من الألم وحده، بل يخاف حتى اللحظات الجميلة . لأنه يتوقع أن وراء كل دفء بردا مؤجلا، ووراء كل اقتراب احتمال غياب. وعند ذاك لا تموت الثقة دفعة واحدة، بل تذبل ببطء… مثل مصباح ظل يضيء طويلا وسط الريح حتى تعب من مقاومة العتمة. ومن هنا يبدأ ذلك التحول الصامت: أن يصبح الانسان خائفا حتى من الطمأنينة نفسها .
1 – من انكسار الثقة الى الخوف من الطمأنينة
ثمة جراح لا تحدث ضجيجا، لكنها تغيِّر طريقة النظر الى العالم. جراح لا تسقط الجسد، بل تربك الروح وتجعل القلب بعد طول الخيبات، يعيش في حذر دائم ، وكأن الطمأنينة نفسها أصبحت احتمالا مخيفا . ولعل أكثر مايرهق الانسان ليس عداوة أي غريب ، بل تلك النيران الصديقة التي قد تأتيه من جهات كان قد فتح لها قلبه ، ومن الوجوه التي اعتقدها يوما امتدادا لأمنه الداخلي ، فتتولدت اللحظات الخفية التي لا يسمع أحد صوت انكسارها، وتنمو معها لحظات الفقد فتصير وكأنها قطرات الماء التي لا تهدم الصخر دفعة واحدة ، لكنها تنحت فيه تعبها بصبر طويل.فيظل الانسان – في البداية – قادر على التبرير ، مرددا مع
نفسه:【 ربما كان الأمر سوء فهم … ربما الظروف أقسى من الناس …ربما عليّ أن أمنح فرصة أخرى … 】غير أنه ومع التكرار، تبدأ الروح في فقدان قدرتها على التصديق.ليس لأن الانسان صار أكثر حكمة فقط بل لأنه أصبح أكثر انهاكا من اعادة ترميم نفسه بعد كل سقوط . وهكذا يولد ذلك الاحساس الغريب : أن الطمأنينة نفسها لم تعد امنة . ويتحول الانسان من كائن يبحث عن الدفء ، الى كائن يخشى الاحتراق حتى من وهج القرب .
2 – من الثقة الصلبة الى الثقة القلقة
لم تكن الثقة في الأزمنة الماضية تمنح بسهولة، غير أنها حينما تمنح فهي تشبه جذور الأشجار العتيقة: تبقى راسخة في العمق … تقاوم الريح … تتحمل الفصول الصعبة دون أن تفقد يقينها بالحياة . فكان الناس يبنون ثقتهم ببطء،عبر الزمن الطويل وعبر المعاشرةاليومية ، والتقاسمات التي تفرضه الاختبارات…المواقف…المستجدات فالثقة لم تكن وعودا شفهية، بل تاريخا من الحضور والوفاء والثبات.أما اليوم فقد تغير ايقاع العلاقات مع التغيرالسريع للعالم، فأصبح: التعارف… القرب… الوعود… وحتى الانسحاب، كل ذلك صار يتم بخطى مخفية. ومن هنا بدأت الثقة تفقد صلابتها القديمة، وتتحول شيئا فشيئا الى ثقة قلقة وكأنها غير مطمئنة حتى الى نفسها، تخشى الصمت، تراقب التفاصيل الصغيرة كما لو أنها اشارات انذار مبكر. فلا يعيش القلب حالة الاستقرار ، فتغمره المراقبة الدائمة.
وحتى الكلمات الصادقة ،الجميلة لا تستقبل كاملة . اذ يبقى جزء من الروح يسأل:
إلى متى سنبقى هكذا؟
لماذا تغير كل شيء فجأة؟
إنها الثقة التي أرهقتها النيران الصديقة، فلم تعد قادرة على الاستسلام الكامل للأمان. وعندئد تتولد الحالة النفسية المرهقة التي يحتاج معها الانسان إلى المحبة الصادقة، لكنه يخشى التعلق. ويحتاج الى القرب لكنه يضع مسافة خفية بينه وبين الجميع، فيتحول القلب إلى ما يشبه مدينة أغلقت أبوابها مبكرا خوفا من الصدمات، وقد يبدو الانسان -والحالة هذه – طبيعيا من الخارج، يتحدث… يبتسم… يمارس طقوس حياته اليومية، لكن دواخله تعيش في حالة استعداد دائم للخذلان. فهو لا يطمئن كامل الاطمئنان ، ولا يفرح كامل الفرح ، ولا يستسلم للحظات الجميلة كما كان يفعل قديما. وكأن الروح تعلمت أن تضع يدها دائما على مقبض الباب، استعدادا لأي رحيل مفاجئ. لكن رغم كل ذلك تبقى الثقة – حتى في أكثر أشكالها هشاشة – ضرورة انسانية لا غنى عنها. لأن الانسان لا ستطيع أن يعيش طويلا داخل حصونه النفسية دون أن يختنق. ولهذا فان النضج الحقيقي لا يعني العودة الى الثقة العمياء، ولا الاستسلام الكامل للشك،
بل بناء نوع أعمق من الطمأنينة، يقوم على الوعي لا الوهم ، وعلى الاتساق لا الانبهار، وعلى الأفعال الصغيرة الصادقة أكثر من الكلمات حتى ولو كانت كبيرة. فالقلوب التي مرت من خندق النيران الصديقة قد لا تعود بريئة كما كانت، لكنها تستطيع – ان وجدت الصدق الحقيقي – أن تتعلم من جديد كيف تستريح دون خوف. ويبقى معها أجمل أشكال الأمان، ليس أن نضمن ألا توجعنا الحياة مرة أخرى، بل أن نجد بشرا لا يجعلوننا نخاف من الطمأنينة نفسها.
خاتمة تأملية
ان الذين عانوا كثيرا من “مشكلة الثقة“ لا يحتاجون إلى الوعود الكبيرة، بل الى أناس يشبهون الطمأنينة في أفعالهم: ثابتين … واضحين … لا يرهقون الروح بالتناقض… ولا يحولون المحبة الى ساحة اختبار دائم. وتبعا لذلك فان أخطر أشكال التعب الانساني، ليس ذلك الذي يصيب الجسد، بل ذاك الذي يجعل الانسان غير قادر على الاسترخاء حتى في حضرة الأمان. فتجلس مطمئنا، ثم يبقى داخلك شيء خائف. أو تبتسم، بينما جزء منك يراقب احتمال الانطفاء… فتلك هي المأساة الهادئة لموت الثقة. ومع ذلك فان أجمل مايمكن أن يفعله الانسان بعد كل تلك الخيبات، هو ألاّ يسمح للعالم أن يحول قلبه الى مكان خالٍ من الدفء. فبعض النجاة لا تكون في الهروب من الألم، بل في الحفاظ على القدرة على الطمأنينة … رغم كل شيء .
طنجة في 28 ماي 2026
