الأمازيغية: روح الانتماء وجوهر الهوية

الأمازيغية: روح الانتماء وجوهر الهوية

د. محمّد محمّد خطّابي

     من المعلوم أنّ كلمة “الأمازيغ” – حسب ما ترجّح معظم المصادر والمراجع والمظانّ – تعني الرجال الأحرار أو النبلاء في لغة الطوارق الأمازيغية. ويؤكّد “الحسن بن محمد الوزّان”، المعروف بـ “ليون الأفريقي” صاحب كتاب “وصف إفريقيا”، وسواه نفس المعنى كذلك. “الأمازيغ” أو (الرجال الأحرار) هم مجموعات سكنية تقطن المناطق الممتدّة بين واحة سيوة (غربيّ مصر) شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن شمال البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب الصحراء الكبرى.

وقد احتفل الأمازيغ يوم 13 يناير الجاري 2026 في مختلف المدن، والقرى، والمداشر، والحواضر، والضيع، والأرباض، والمناطق، والنواحي، والجهات، والبقاع، والأصقاع، في هذه الرقعة الجغرافية الواسعة المترامية الأطراف بهذا اليوم الموافق لفاتح السنة الأمازيغية الجديدة، التي تصادف هذا العام الذكرى 2976.

وحسب جلّ الرّوايات (والعُهدة على مَنْ قال وحدّث وروى!) فإنّ هذا الاحتفال يُقرن بتاريخ انتصار الأمازيغ، بقيادة ملكهم “شيشنق” أو “شيشونغ”، على فرعون مصر عام 950 قبل الميلاد. وهي رواية يتخللها غير قليل من القيل والقال. ولطقوس ومظاهر هذه الاحتفالات صلات وثقى، وعلاقات وطيدة بخصوبة الأرض، وتطلّع الأمازيغ بأن تكون السنة الأمازيغية الجديدة سنة فلاحية، خصبة، خيّرة، جيّدة، معطاءة، حافلة بالمنتوجات والخيرات التي كان لها دائماً ارتباط وثيق بالأرض؛ ومن ثمّ ينبع حبّهم للأرض، ويتولّد تشبّثهم بها، ودفاعهم عنها، كباقي السكّان من مختلف الأجناس والأعراق والإثنيات في مختلف أنحاء المعمور.

ويشير الباحث حسن إدبلقاسم، الخبير السابق لدى الأمم المتحدة حول حقوق الشعوب الأصلية: “أنّ طقوس احتفالات الأمازيغ برأس السنة الأمازيغية لا يزال محتفظاً بها في كلّ من المغرب، وبقيّة بلدان شمال أفريقيا وغربها، وفي موريتانيا، ومالي، والساحل، حيث يوجد الطوارق، إضافة إلى نيجيريا”. في حين يرى الأستاذ محمد حنداين، رئيس كونفدرالية الجمعيات الأمازيغية في المغرب (غير حكومية): “أنّ الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة يدخل في العمق ضمن أساليب النضال الأمازيغي من أجل إقرار الحقوق الأمازيغية؛ لأنّ الاحتفال بالسنة الأمازيغية هو أحد الرّموز الأساسية التي استثمرها المناضلون الأمازيغ لتحقيق مطالبهم، ولإبراز هويّتهم وترسيخها“.

ويرى الأستاذ سعيد أهمان ضمن تحقيق نشرته جريدة “القدس العربي” اللندنية مؤخّراً حول هذا الموضوع: “أنّ معظم الباحثين يرجّحون أنّ (شيشنق) تمكّن من الوصول إلى الكرسي الفرعوني بشكل سلمي في ظروف مضطربة بمصر القديمة، حيث استعان به مصريّون قدماء ضدّ الاضطرابات التي عمّت مصر القديمة جرّاء تنامي سلطة العرّافين والكهنة”. هذا وتجدر الإشارة في هذا الصدد أنّ أمازيغ المغرب ما انفكّوا يطالبون الحكومة بإلحاح في مطلع كلّ سنة أمازيغية، وفي كلّ مناسبة، لإقرار يوم فاتح السنة الأمازيغية من كلّ حَوْل يومَ عطلة رسمية مُؤدّى عنها، وذلك تناغماً وتماشياً مع اعتراف الدستور المغربي (2011) باللغة الأمازيغية كلغةٍ رسميّةٍ للبلاد إلى جانب اللغة العربية، وقد تحقّقت لهم بالفعل هذه المطالب الغالية وأصبحت سارية المفعول.

المغربُ نموذجًا

يؤكّد الدّارسون أنّ تاريخ المغرب الزّاخر، وتراثه العريق مستوحيان من ينابيع مغربية أصيلة، وروافد وافدة متداخلة متعدّدة، وإن اختلفت مصادرها، وتباينت ينابيعها، وتعدّدت لغاتها وألسنتها بين أمازيغية بربرية، وعربية إسلامية، وصحراوية حسّانية. وما فتئت العديد من النصوص، والوثائق، والمظانّ، وأمّهات الكتب والمخطوطات، والأشعار، والآداب، والفنون، والعلوم التي أبدعها كتّاب، وفلاسفة، وعلماء، وشعراء، ومؤلفون مغاربة أقاموا واستقرّوا، أو وُلدوا وترعرعوا، في هذا الرّبع القصيّ الجميل الكائن في الشمال الغربي الإفريقي، إلى جانب المعالم التاريخية، والمآثر العمرانية، والقلاع الحصينة، والدّور، والقصور، والجوامع والصوامع، والبساتين الفسيحة، والحدائق الغنّاء التي تُبهر الناظرين، التي شيّدت وبنيت شامخة فوق أرضه الطيّبة، فضلاً عن العادات والتقاليد المغربية الحميدة التي تأصّلت في أعراف وذاكرة الشعب المغربي في مختلف مناحي الحياة؛ كلّ ذلك ما زال شاهداً إلى اليوم على مدى الأوج البعيد الذي أدركه الإشعاع الحضاري في هذا البلد.

فهذا الغيث الفيّاض المنهمر والمتنوّع من الإبداعات الرفيعة في مختلف الميادين لا يمكنه أن يحيا وينمو ويزدهر من لا شيء، أو داخل حدود ضيّقة أو منغلقة، بل إنّه ظهر وترعرع وازدهر ووقف مشرئباً شامخاً اعتماداً على نبعه الأصيل، واغترافاً من معينه الأوّل وهو تاريخ المغرب التليد، وتراثه العريق، وثقافته المتميّزة، وموروثاته الحضارية ذات الرّوافد الثقافية المتعدّدة والمتنوّعة الثريّة. كان المغرب وما يزال مُلتقىً للحضارات بحكم موقعه الجيوستراتيجي المتميّز كحلقة وصل، وآصرة وثقى، وملتقى بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. يعتبر المغرب من البلدان التي حباها الله تعالى موقعاً استراتيجياً ممتازاً ومتميّزاً على الصعيد الجغرافي، ممّا هيّأ له أن يقوم بدور تاريخي وحضاري وثقافي مرموق في الشمال الغربي الإفريقي، وفي الأندلس، وجنوب الصحراء الكبرى.

تميّز المغرب منذ أقدم العهود السحيقة بتعدّد حضاري وثقافي متنوّع ثريّ، حيث تعاقبت عليه حضارات قديمة على امتداد التاريخ، منها الحضارات الفينيقية، والبونيقية، والموريتانية، والرّومانية، فضلاً عن الحضارة الأمازيغية الأصلية، وصولاً إلى الفترة الإسلامية التي تميّزت باعتناق المغاربة للإسلام، وظهور أوّل مملكة إسلامية بالمغرب، وهي مملكة نكور الحِمْيرية (أو إمارة بني صالح)؛ كانت أول إمارة إسلامية مستقلة في المغرب الأقصى، أسسها صالح بن منصور الحميري حوالي سنة 710م في منطقة الريف، وكانت قاعدة مهمة لانتشار المذهب المالكي، وحكمت لسنين طويلة قبل أن تسقط على يد زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين الذي دمّرها، و”بني صالح” هم السلالة الحاكمة التي استمدت اسمها من المؤسس.

ثم جاءت بعد ذلك دولة الأدارسة سنة 788م. وقد كان مؤسّس هذه الدولة المولى إدريس الأوّل ابن عبد الله، الذي حلّ بالمغرب الأقصى، واستقرّ بمدينة وليلي حيث احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية، ودعمته حتى أنشأ دولته. وتعاقبت على المغرب بعد ذلك بالتوالي دول المرابطين، والموحّدين، والمرينيين، والسّعديين، وصولاً إلى الدولة العلوية الحالية. من المعروف أنّ السكان الأصليين الأمازيغ قد تفاعلوا وتمازجوا مع مختلف شعوب حوض المتوسّط وأفريقيا، كما ظهرت على امتداد تاريخ المغرب تأثيرات وتفاعلات لشعوب مثل الفينيقيين، والقرطاجيين، والرّومان، والوندال (ينطق هذا الاسم في اللغة الإسبانية فاندالوس)، ثم البيزنطيين، كما تفاعلوا فيما بعد مع العرب الوافدين مع الفتوحات الإسلامية، ثمّ مع الحضارات الشرقية.

وقد ظهرت سمات هذه التأثيرات في اللغة الأصليّة للأمازيغ التي تمازجت مع اللغات الأخرى، ونتجت عنها فيما بعد العاميّة المغربية التي تمخّضت وانبثقت عن اللّغتين الأمازيغية والعربية، ثمّ لحقتها كلمات وتعابير من لغات لاتينية دخيلة أبرزها الإسبانية والفرنسية؛ الشيء الذي جعل المغرب يحظى بتنوّع ثقافي وتعدّد لغوي أسهم بقسط وافر في إغناء هوّية سكّانه على اختلاف مشاربهم وشرائحهم وتعدّدها وتميّزها. دستور 2011 أقرّ هذه التأثيرات والمكوّنات المستحدثة للتنوّع الثقافي واللغوي المغربي، كما تمّ في هذا السبيل إنشاء المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، لتنمية مكوّنات الهويّة المغربية الأمازيغية، والعربية، والحسّانية وصونها، مع روافدها التي هبّت عليها من إفريقيا والأندلس، فضلاً عن رافد حوض المتوسط وسواها من التأثيرات الأجنبية الأخرى الوافدة.

تتعدّد الإثنيات

المغربُ إذن بلد متعدّد الأعراق والإثنيات، وهو يزخر بثقافة متنوّعة وحضارة ثريّة تمتدّ جذورها في عمق تاريخه الطويل. بالإضافة إلى سكّانه الأصليين من الأمازيغ، فقد توافدت عليه العديد من الهجرات المتوالية القادمة من المشرق، ومن جنوب صحراء إفريقيا، ومن الشّمال، وكان لكلّ هذه المجموعات والفئات البشرية أثر كبير على التركيبة الاجتماعية للمغرب التي عرفت معتقدات سماوية منذ أقدم العهود، كاليهودية والمسيحية، وأخيراً الإسلام. ولكلّ منطقة من المناطق المغربية خصوصيّاتها التي تتميّز بها عن سواها من المناطق الأخرى، وقد أسهمت هذه الخصوصيّات في صنع فسيفساء الثقافة المغربية، ووضع الإطار المتميّز والمتنوّع للإرث الحضاري المغربي الذي أصبح ذا طابع معروف في العالم أجمع.

للتنوّع الثقافي والحضاري المغربي خصوصيّات وعناصر متعدّدة مكوّنة لنسيجه الاجتماعي على اختلاف مناطقه وجهاته، ومن أبرز هذه المكوّنات والعناصر التي تطبع هذه الأنسجة الحضارية الثريّة ذات الألوان الفسيفسائية المتنوّعة: العنصر البشري، واللغوي، والثقافي؛ حيث تنطوي تحت هذه العناصر برمّتها مكوّنات في العديد من المظاهر الثقافية والحضارية التي تطبع المغرب بطابع خاص ومميّز. يرى البعض أنّ المغرب يعتبر دولة أمازيغية- عربية، ويصرّ آخرون بإلحاح على الهويّة الأمازيغية– الإفريقية للمملكة المغربية، ويعترف العديد من المغاربة بالهويّة الأمازيغية للبلاد انطلاقاً وتأسيساً على اللغة، والعرق، والجنس، والأصل، والعادات، والتقاليد، والثقافة؛ كلّ أولئك يكوّنون الهويّة التي تميّز كلّ منطقة عن أخرى.

فعلى الرّغم من أنّ الأمازيغ قد اعتنقوا الإسلام، وتعلّموا اللغة العربية وأجادوا وألّفوا وأبدعوا فيها، إلاّ أنهم صانوا وحافظوا على إرثهم الثقافي المتواتر، وتقاليدهم ولغتهم وعاداتهم وأمثالهم وحِكَمهم وفنونهم وعوائدهم التي يتباهون ويتغنّون فيها بالحياة الكريمة والحريّة والكرامة. ويعترف الدستور المغربي بالعربية والأمازيغية كلغتتين رسميتين للبلاد. ولقد استُعملت لغة الضاد بدون انقطاع في مختلف مناطق المغرب وأرجائه في الفقه، والتشريع، والأحوال الشخصية، والتدريس، والتأليف، والتدوين، والتصنيف، والمراسلات الرسمية، وفي مختلف فروع وحقول العلوم على تباينها، فضلاً عن استعمالها في الإدارات والبلاطات على امتداد العهود التي تعاقبت على تاريخ المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم.

المعمار والطبخ والموسيقى واللباس التقليدي

يعتبر فنّ العمارة في المغرب من الفنون الإسلامية التقليدية العريقة، التي كانت ولا يزال لها أبرز الأثر في كثير من المظاهر الحضارية والمآثر والإبداعات العمرانية منذ مئات السنين وإلى عصرنا الحاضر. وتقف هذه المآثر في مختلف ربوع المملكة شامخة بكل ألوان الإبداع والفن والابتكار، ومن أبرز تلك المعالم الإبداعات المغربية الخلاقة فنون العمارة التي تنتشر في مختلف مدنه وحواضره الألفية، نذكر منها -على سبيل المثال وليس الحصر- صومعتي الكتبية بمراكش وحسّان بالرباط، إلى جانب أختهما التّوأم الثالثة “لاخيرالدا” الكائنة بمدينة إشبيلية بإسبانيا، والتي هي من بناء الموحّدين المغاربة كذلك.

وما فتئت هذه الصّوامع الثلاث تستقطب اهتمام السياح من كل صوب وحدب، ومن مختلف أرجاء المعمور، وتحظى بإعجابهم وانبهارهم إلى يومنا هذا سواء في المغرب أو في إسبانيا. بالإضافة إلى العديد من المعالم المعمارية والمآثر الحضارية الأخرى، نذكر منها -على سبيل المثال وليس الحصر كذلك- المدرسة البوعنانية بفاس، ومقابر السّعديين بمراكش، وسواهما من المعالم والمآثر والمباني والقصور والقلاع والحصون والأبواب الشامخة والأضرحة والمساجد الكبرى التاريخية منها والحديثة الكثيرة التي تملأ مختلف ربوع البلاد.

وتتميّز هذه المباني المعمارية والمآثر العمرانية وسواها بطابعها المغربي الخاص المتميّز ذي الأسقف الخشبية المنقوشة، كما يتجلّى هذا الطراز المغربي المعماري بشكل جليّ في الأثاث والأسقف والأعمدة الرخامية والزلّيج الملوّن أو الأبواب، واستعمال الموزاييك ذي الرسوم والألوان والخطوط البديعة الزاهية، التي تقدم تنوّعاً رائعاً من الأشكال التي قد توحي للناظر إليها بأبهى صور الطبيعة وروعة جمالها. ومن المثير أن كلّ هذه القِطَع تجمع واحدة بواحدة، وتثبّت بالإسمنت والجير لتكوّن لوحات من الفسيفساء التي غالباً ما تزيّن جدران القصور، والدّور، والمساجد، والحدائق، والجوامع، والصوامع، والأعمدة، والأقبية، والأحواض، والنافورات إلخ. ولا تزال تحتفظ مختلف هذه البناءات بهذه الخاصّيات المميّزة في فنّ النقش على الجبس في المغرب إلى يومنا هذا.

وتشترك أو تتقاسم هذه المعالم العمرانية في الرّوعة والبهاء والحُسن مع الفنونَ المعمارية الأندلسية، التي ازدهرت وتألّقت هي الأخرى بشكل مثير للإعجاب على امتداد الأحقاب خلال الوجود العربي والأمازيغي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وفي إسبانيا بشكل خاص. ومن المظاهر الحضارية الرّاقية التي تميّز التعدّد الثقافي المغربي فنّ الطبخ، الذي يعتبر منذ القدم من أكثر المطابخ تنوّعاً وشهرة في العالم؛ ويرجع الفضل في ذلك إلى تفاعل المغاربة على امتداد التاريخ مع العالم الخارجي منذ قرون بعيدة خلت. ويتميّز المطبخ المغربي بثرائه وتنوّعه وابتكاراته وإبداعه، وتعدّد مصادر تكوينه، فهو مزيج من المطبخ الأمازيغي الأصيل، والأندلسي، والعربي، والمطبخ التركي العثماني، والمغاربي، والشّرق أوسطي، والأفريقي. وهو يستقي أصوله وتأثيراته كذلك -ولا شكّ- من مختلف الحضارات المتباينة التي نشأت وترعرعت وسادت في حوض البحر الأبيض المتوسّط، والتي تعاقبت على المغرب منذ أقدم العصور والدهور.

واشتهرت العديد من المدن المغربية، الكبرى منها والصّغرى، على اختلافها بفنون الطبخ وإعداد أشهى الأطعمة والحلويّات، التي بوّأت المغرب منزلة عليا بين الأمم وشهرة عالمية في هذا القَبيل.

الفنون الشّعبيّة

ويحفل المغرب بثراء واسع بمختلف الفنون الشعبية، والعديد من المهرجانات الفلكلورية على امتداد رقعته الجغرافية المترامية الأطراف، حيث تقدّم عشرات الفرق داخل الوطن المغربي وخارجه لوحات رائعة. وتعكس هذه الفنون الإبداعية الفطرية والفنية على اختلافها وتنوّعها وتعدّدها بشكل جليّ غنى وتنوّع هذا التراث الزّاخر، ومدى عراقة الشعب المغربي وتعدّد إثنياته وثراء فنونه. والفلكلور المغربي زاخر بالمواهب، حافل بالأصالة، وهو يعتمد في الغالب على النّغمات والإيقاعات الرّخيمة والمتناغمة، التي تستقي مادتها الأولى وعناصرها الأساسية من الفنّ الشعبي المرتبط بالبيئة والأوساط القروية والبوادي والمداشر والضّيع والأرباض والمجتمع كيفما كانت أنواعه وأنماطه؛ الشيء الذي يزيد من أهميته وغناه من حيث الكمّية والنوعية، والشكل والمضمون في آنٍ واحد.

وهكذا نجد رقصات ولوحات فنية مثل: طرب الآلة، والطرب الأندلسي، والغرناطي، والموشّحات، وفنّ الملحون، والأمداح، والفن الأمازيغي، ورقصة وغناء اكناوة، ورقصات أحيدوس، والركادة، وغيرها من الفنون والرّقصات الشعبية الأخرى المعروفة التي لا حصر لها.

ويحتلّ اللباس التقليدي المغربي مكانة مرموقة في عالم الموضة في مختلف أنحاء المعمور، وهو جزء لا يتجزّأ من التراث المغربي الأصيل الذي يعتبر أحد المقوّمات البارزة للحضارة المغربية، وهو من أبرز المظاهر الحضارية لبلادنا ورمز رقيّها وتميّزها، كما أنه انعكاس واضح للتعدّد والتنوّع اللذين يميّزان الثقافة المغربية الأصيلة. ويعتبر “القفطان” المغربي من أقدم الألبسة التقليدية وأرقاها في المغرب، ويؤكّد المؤرّخون أنّ ظهوره يعود إلى عصر المرينيين، وكان هذا الزيّ منتشراً كذلك في الأندلس. ويعتبر المغاربة قفطانهم رمزاً بارزاً من رموز ثقافتهم التقليدية الشعبية الأصيلة، وقد حظي مؤخراً بأن أصبح تراثاً إنسانياً ثقافياً غير مادي في منظمة اليونسكو العالمية.

ومهما تنوّعت أصناف الألبسة المتوارثة وتعدّدت أشكال الأردية التقليدية، تظلّ للتكشيطة الغلبة بخاصّيتها التي لا منافس لها في عالم الأزياء، بل إنها تعتبر مفخرة النساء المغربيات في كلّ مكان وزمان، اللائي ما فتئن يفضّلن اختيارها وارتداءها كزيّ تقليدي عريق وأصيل، بدل التصميمات والتقليعات العصرية الحديثة الوافدة التي تقذفها الموضة العالمية كلّ يوم. وتتميّز كلّ مدينة أو منطقة في المغرب بأسلوب خاص بها، انطلاقاً من أقصى شمال المغرب إلى أقصى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، حيث تتباهى المرأة المغربية في مختلف المناطق والأقاليم والجهات والضواحي والأرباض بلباسها التقليدي الأصيل وتعتزّ به اعتزازاً كبيراً، حيث تتنوّع وتتعدّد أساليب الخياطة والابتكار، وأنماط الطرز والحياكة والإبداع فيه من جهة إلى أخرى.

المتاحف.. خزائن الذّاكرة

وتختزن المتاحف المغربية المنتشرة في العديد من المدن المغربية مختلف المظاهر الحضارية والثقافية التي تعاقبت على البلاد منذ أقدم العصور حفاظاً على الذاكرة الجماعية لمختلف جهات ومناطق المغرب. وتضطلع هذه المتاحف بدور حيوي في حماية الموروثات الثقافية وحفظها وصونها والتعريف بها، إلى جانب دورها التثقيفي والتعليمي والترفيهي والسياحي. وقد أنشئت في البلاد العديد من المتاحف في مختلف حقول المعرفة، وفروع العلم والإبداع، والصناعات التقليدية.

وتتعدّد المتاحف من أركيولوجية وإثنوغرافية إلى متاحف متخصّصة، وهي تقدم برمّتها على تنوّعها لزوّارها وروّادها وللطلبة والدارسين والمتعطشين للعلم والمعرفة صوراً وأشكالاً ولمحات تسلسلية عن تاريخ المغرب، وتطور فنون الإبداع، وتواتر العادات، وتوارد التقاليد فيه عبر العصور. إلاّ أنه تنبغي الإشارة في هذا الصدد أنّ هناك مناطق عديدة في المغرب ما زالت تفتقد وتفتقر إلى متاحف من هذا القَبيل لحفظ موروثاتها وصَوْن تاريخها وصَقل وتخزين ذاكرتها الجماعية المشتركة وشحذها وتجديدها، منها منطقة الرّيف الشاسعة التي لا يوجد بها حتى اليوم مُتحف واحد من هذا النّوع.

والمغرب بعناصره التعددية والمتنوّعة يتوفّر على أرضية ثريّة فسيحة أسهم في رسمها تاريخ البلاد، ممّا جعلها تتميّز بشخصية خاصّة ذات كيان قائم الذات منذ قرون عديدة خلت، ومركزاً هاماً من مراكز الإشعاع الحضاري الذي يسهم بقسط وافر في التطوّر الإنساني على مستويات الفكر والإبداع، والثقافة، والعلم والعرفان، والأخلاق، والعمران، في تلاؤم وتناغم متكاملين بين مختلف العناصر والمقوّمات والمكوّنات الأخرى التي تجعل منه بلداً ذا شخصيّة متميّزة متفرّدة في المنطقة المغاربية والعالم العربي وأفريقيا.

التّاريخ لا يُقرأ في هُنيهة

الحديث عن التعدّد الثقافي والتنوّع الحضاري في المغرب يحلو ويطول، والتاريخ لا يُقرأ في هنيهة. إنّ الزّائر الذي يأتي لهذا البلد يلمس التاريخ حياً نابضاً قائماً في كل مظهر من مظاهر الحياة فيه. دراسة هذا التاريخ والتعمّق فيه واستخراج العناصر الصّالحة منه أمر لا مندوحة لنا عنه، ينبغي أن يُولىَ أهميّة قصوى وعناية فائقة من طرف مختلف الجهات العلمية والتاريخية التي تُعنى بهذه المواضيع، للتعريف بهذه الذخائر، ونشر الوعي وتأصيله بشأنها لدى أبناء جلدتهم ليكون المستقبل الذي يتوقون إليه مستقبل رقيّ وأوج، وإشراق وتلاقٍ بين ماضٍ عريق وحاضر واعد.

ولعمري إنّ في ذلك تجسيداً وتجسيماً للعهود الزّاهرة التي عاشها الأجداد على امتداد العصور الحافلة بالعطاء الثرّ، والتعايش والتسامح، والإشعاع الثقافي والعلمي الباهر الذي شكّل وما يزال جسراً حضارياً متواصلاً بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأجناس والإثنييات والملل والنحل والديانات في هذا الصّقع القصيّ الجميل من العالم. هذا ومن العلامات المضيئة لهذا الانفتاح والتنوّع الحضاري والتبادل الثقافي والتثاقفي الذي عرفته البلاد في ماضيها المشرق، العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة والشّعراء والفنانين والموسيقيين الذين عاشوا في الأندلس ثم انتقلوا إلى المغرب والعكس صحيح، والأمثلة كثيرة وافرة والأسماء لا حصر لها في هذا القبيل.

وحسبنا أن نشير في هذا المقام إلى اسمين بارزين في التاريخ المشترك للمغرب والأندلس، وهما الفيلسوف الجهبذ الفقيه العلاّمة ابن طفيل صاحب قصته الشهيرة “حيّ ابن يقظان”، التي أسّس بها ابن طفيل منحى أدب الخيال العلمي الذي انتشر في الغرب بعده؛ وتلميذه قاضي إشبيلية وعالمها وطبيبها وفيلسوفها الذائع الصّيت أبو الوليد محمّد بن رشد. وهذان الفيلسوفان استقبلتهما مراكش بحفاوة منقطعة النظير، وبوّأتهما أعلى الأرائك وأرقى المراتب وأرفعَ المنازل، وملكتهما من أعنتها وقيادتها فاستطاب لهما العيش فيها واسترغداه، وأصبحا صاحبي الأمر في البلاد، ولقد وافتهما المنية في مدينة مراكش.

التنوّع والتعدّد الثقافي في المغرب

يشير الباحث الجامعي محمّد شطاطو في التنوّع والتعدّد الثقافي في المغرب: “إذا كان المغرب بلداً غنيّاً بتعدّده الثقافي واللغوي، هل يمكن لنا أن نقول إنه بلد متعدّد الثقافات، وأنّ المغربي العادي له حسّ التعدّدية الثقافية..؟ ما هو مؤكّد أنّ التسامح وقبول الآخر باختلافاته يعدّان من خصائص ثقافته، إنّ هذين المفهومين لهما أهمية كبيرة راهناً، يدخلان ضمن مقوّمات شخصية عند الشعب المغربي؛ ومن ثمّ، فبالنظر لما يسود عالمنا اليوم من إرهاب وكراهية وعنف وخوف من الآخر، فيبدو من الأهمية بمكان تحليل التعدّدية الثقافية بالمغرب وإبرازها من الزاوية التاريخية لهذا البلد. إنّ التعددية الثقافية الدينامية مقاربة ثقافية غير حصرية، وتسمح لثقافة ما بقبول مداخل ثقافة أخرى وهضمها واستيعابها“.

إنّه في بلدٍ مثل المغرب، لا يمكن تقوية الحوار واحترام التنوّع الثقافي والتعدّد الإثني، كما لا يمكن لهما أن يصبحا واقعاً حقيقياً ملموساً على الصعيدين المحلّي والعالمي إلاّ إذا أمكن تبنّي مبدئيهما وترسيخهما وفسح المجال لتحقيق أهدافهما ومراميهما النبيلة من طرف كلّ مواطن ومواطنة. وذلك انطلاقاً من الموروثات التاريخية المتعدّدة العريقة والأصيلة فيه، وَصَوْن هويّته العريقة القائمة على تواصل التفاعل الإيجابي وتجدّده بين مقوّمات الوحدة والتنوّع، والمزج والتآلف بين روافد ومنابع ومناهل هذه الهويّة، والتشبّث بالقيم الإنسانية والكونية.

وترسيخ ميثاق حقيقي لضمان وتأكيد الحقوق وتبيان الواجبات وتأصيل الحريّات الأساسية، والتشبّث بقيم ومبادئ الانفتاح والاعتدال والتسامح، وتأصيل الاحترام المتبادل بين الأفراد والجماعات، ونشر الحوار والتفاهم المتبادل بين مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية، فضلاً عن تلاحم وتنوّع مقوّمات الهويّة الوطنية الموحّدة، وانصهار وتمازج كلّ مكوّناتها: العربية الإسلامية، والأمازيغية الأصيلة، والصّحراوية الحسّانية، الثريّة بروافدها ومنابعها الأفريقية والأندلسية، ومن فيض مختلف روافد وينابيع حضارات وثقافات حوض البحر الأبيض المتوسّط.

مُجمل القول

ومُجمل القول إنّ واقعنا المُعاش في الوقت الرّاهن يحتّم علينا المزيد من التعارف، والتآلف، والتقارب، والتداني، والتصالح، والتصافح، والتكتّل والإدماج، وإقصاء ونبذ وتجاوز كلّ منظور فكري ضيّق ومعتم يعتبر المجتمعات مجرّد دول وشعوب وجماعات وأجناس وإثنيات متفرّقة، مشتّتة، متباعدة، متنابذة تتعايش وتتبارى وتتنافس فيما بينها. والتّوق إلى تبنّي وإقرار وتأصيل وتأثيل وترسيخ وتأكيد مفهوم أوسع فضاءً، وأنجع ثراءً، وأفسح معنىً، وأكثر شمولية، وأجدى إيجابية يجعل من هذه الشعوب والمجتمعات والجماعات لبناتٍ ثابتة وجذوراً راسخةً ومتنوّعة لكيانٍ واحدٍ مشتركٍ ومتماسكٍ قائمِ الذّات؛ تتجلّى وتتبلور وتتجسّم فيه أحلى وأجلى وأرقى وأنقى وأبهى وأروع معاني الإنسانية والتوحّد والشمول، دون التهميش أو التناسي أو التفريط قيد أنملة في الحقوق المُصانة والمطالب المشروعة لأيِّ مكوّنٍ من هذه المكوّنات الأساسيّة للهويّة المغربية الأصيلة التي بدونها ولولاها لانفرط عِقدُها الفريد وتناثرتْ حبّاتُه، ولتهاوىَ صَّرْحُها وانشرخت لبناتُه.

شارك هذا الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!