أحمد قعبور.. الموعدُ المؤجلُ في “مزيان” ونشيدُ الودَاع…
عبد الرحيم التوراني
قبل شهر ونيف، حملتُ الهاتف وطلبت رقمه.. كان في ذهني حوار أريد أن أبسط أسئلته على مائدة منصة “السؤال الآن” الرقمية، لعلنا نوثق شيئا من ذلك الزمن الجميل…
سألته هل أبعث لك الأسئلة التي هيأتها عبر الوتساب؟
أجابني بصوته الذي لم ينل منه التعب بعد:
– أحبذ أن يكون حوارنا مباشرا يا صديقي عبد الرحيم.. أريد أن يفيض بيننا ذلك الشغف الذي لا تمنحه الأسلاك...
سألني بصوته البيروتي الدافئ:
– أين تفضل أن نلتقي؟ هل تعرف بيروت جيدا؟…
أجبته بأنني والحمرا صنوان.. فاقترح علي أن نلتقي في منتصف النهار بـ “مطعم مزيان”.. ثم سألني إن كنت أعرفه، فابتسمتُ وقلت:
– وكيف لا أعرف مطعما لصديق، هو عزيز منصور.. اللبناني الذي ذاب عشقا في المغرب حتى استعار مفردة مغربية خالصة ليُعمّد بها مكانه؟

كان الاتفاق تاما، لكن خيوط القدر كانت تغزل في الخفاء.. بعد يومين عاد صوت أحمد قعبور معتذرا.. أخبرني بلهجة غلبتها القوة أن ثمة فحوصات طبية وجلسات كيميائية داهمت الموعد، ووعدني بلقاء لاحق حين يستريح الجسد قليلا… قبلها بفترة كان الداء اللعين قد أصبح حديث المدينة، وتسابقت المنابر لتحتفي بصاحب “أناديكم”...
حضرت الأمسية التي نظمها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في منطقة “برج أبي حيدر”… كان أحمد يعتمر كاسكيتا رياضيا أسود، يخفي تحت قماشه ما تساقط من خصلات شعره بفعل العلاج.. لكنه لم يستطع إخفاء بريق عينيه ولا فصاحة كلماته التي كانت تضج بالأمل والتفاؤل…
ليلتها غنى وطمأن القلوب التي خفقت لنشيده الأممي الخالد، وكأنه كان يودعنا بوقار العمالقة...
ظلت أسئلتي حبيسة أوراقي، أرقب الهاتف بلهفة وأنتظر ذلك الوعد المرجأ في “مزيان”.. لكن الداء، كما أسرَّ لي لاحقا بنبرة غلبها التسليم، كان أشرس من مباضع الأطباء ومقاومتهم.. تسلل بخبث ليحتل رأسا طالما أثقلته الألحان وسكنته القضايا الكبرى...
صعقني النعي.. رغم يقيني المسبق بمرارة المرض وعضاله..
رحل أحمد قعبور.. ولن أقول هوى أو سقط، فالأهرامات لا تسقط أبدا، بل تظل شامخة في وجداننا..
رحل تاركا أجيالا من الطلاب والمثقفين تلملم شتات ذاكرتها التي بدأت تتوارى وجها إثر وجه، مخلفة وراءها صدى “أناديكم.. وأشدُّ على أياديكم”.. يتردد بحرقة في أزقة بيروت الحزينة...
بيروت التي تئنُّ اليوم تحت وطأة النيران وقصف العدوان الغاشم.. حيث تنهار عماراتها وتتهاوى بناياتها فوق رؤوس أبنائها في مشهد يدمي القلوب…
بيروت التي تضيق بشوارعها ودروبها المثقلة بالأسى، وهي تحتضن النازحين الهاربين من “جنوب الروح”، أولئك الذين يحملون آلامهم على أكتافهم في رحلة تشرد قاسية وسط مدينتهم التي لم تعد تشبه نفسها...
لقد غادر صاحب النشيد في اللحظة التي تحتاج فيها بيروت إلى صوته أكثر من أي وقت مضى، وكأنه أبى إلا أن يتركنا مع وصيته الأخيرة: أن نشدَّ على الأيادي، حتى وهي ترتجفُ تحت ركام الدمار...
في اللحظة التي ترتعد فيها الأرض تحت وطأة القصف، وتتصاعد أعمدة الدخان لتحجب سماء بيروت، ينهض صوت أحمد قعبور من بين الركام ليكون الملاذ الأخير… إن عمارات بيروت قد تنهار، وشوارعها قد تضيق بالنازحين والآلام، لكن “النشيد” عصيٌّ على الهدم…
إن “أناديكم” ليست مجرد أغنية انصرفت مع جيلنا على امتداد الخريطة العربية، بل هي مانيفستو الصمود الذي يتردد اليوم في أزقة الحمرا وبقايا الضاحية وساحات النزوح…
هي رسالة الأمل التي تخبرنا ونحن نرقب نيران العدوان أن الروح التي غنّت للحرية لا تموت.. وأن بيروت التي تسكن أغاني قعبور، ستنفض عنها غبار الموت لتقف من جديد.. شامخة في أحلك الظلمات…
رحل أحمد قعبور وترك لنا أمانة لا تسقط بالتقادم.. أن نظل “نشدّ على الأيادي” بقوة اليقين… مهما بلغت شدة الزلزال ومهما ارتجفت الأصابع تحت حطام العمارة والروح…
بطاقة تعريف: أحمد قعبور (1955 – 2026)
فنان وملحن ومغني بيروتي، يُعد أحد أبرز رموز الأغنية الملتزمة في العالم العربي.
ارتبط اسمه للأبد بلحن وغناء أغنية “أناديكم” (1975)، المستمدة من قصيدة الشاعر الفلسطيني توفيق زياد. تحول هذا العمل إلى “نشيد أممي” للمقاومة والصمود، وتجاوزت شهرته حدود لبنان لتصبح شعاراً لكل الحركات التحررية.
غنّى لبيروت في أحلك ظروفها، وعبّر عن يوميات المواطن اللبناني وهمومه في أعمال مثل “بدي غني للناس” و”ارحل”. تميزت ألحانه بمزاوجة فريدة بين “التطريب الشرقي” والبساطة التعبيرية.
ظل وفياً للقضية الفلسطينية وصوتا جامعا للمهمشين والفقراء والنازحين، معتبرا الفن سلاحا في معركة الوعي.
واجه مرض السرطان بصلابة، وظل يغني ويعتلي المنصات حتى رمقه الأخير في مارس 2026، تاركا إرثا غنائيا يشكل جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الوجدانية والسياسية العربية.
