أمجد الطرابلسي والتشوف إلى الجامعة
الطائع الحداوي
(في ذكرى الأستاذ أمجد الطرابلسي ومن رافقه من الأساتذة العظماء)
– 1 –
هل يمكن للشعر أن يتنبأ بحدوث الأشياء، أن يتوقع الأحداث، أن يحدس الآتي؟
لا أعرف بالضبط ما هو الإحساس الذي خامرني وأنا أقرأ ديوان أستاذي الفاضل الدكتور أمجد الطرابلسي كان شاعرا.. وذلك قبل وفاته بقليل. إحساس غريب انتابني ساعتها إلى درجة أضربت معها عن كل المعاني الأخرى ماعدا التي غمرني بها هذا الديوان. ساقني هذا المجموع الشعري ، كما يحلو لأستاذي أن يسميه ، إلى عوالمه الشعرية المترفة؛ وولد عندي حنينا جارفا لتلك الأيام الخوالي حين كنت طالبا أستظل بدوالي العلم، وأتلمس قطوف المعرفة، سالكا سبيلها القويم ومسلكها الأثيل على يدي شيخنا وحجتنا وبركة أملنا: أمجد الطرابلسي، طيب الله ثراه. صحيح أن نفسي كانت ميالة إلى الأدب الحديث، وأنها كانت تطمئن إلى المعرفة في فورة وجودها. لكن البينة اللغوية، والمساق الأدبي، والبرهان النقدي، ورفع العجمة عن البيان واللحن عن اللسان في القراءة والكتابة، في الضبط والشكل، واستيفاء النص لقيمته السليمة بناء على هذه الأسس، وبصفة خاصة، إذا كان نصا ينتسب إلى زمن غابر في التاريخ الثقافي للغة العربية، أي ينتسب إلى سياق آخر غير سياقنا ويمتد بجذوره في الماضي الحضاري للأمة؛ كل هذه المقومات والعلل جعلتني أنظر إلى أستاذنا العلامة الشيخ الأكبر أمجد الطرابلسي نظرة تقدير لا تخلو من إعجاب شديد.
كنت أحضر إلى حصص “النقد القديم”، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مع جم غفير من الطلبة من مستويات وأعمار مختلفة، بحيث لم يكن هناك ضابط للسن بل كانت الأسنان متفاوتة، اللهم المستوى العلمي المطلوب في التسجيل. أجلس في شبه خلوة، أنصت بإمعان لافت إلى أستاذي وهو يصحح هذه القراءة أو تلك، أو يشرح بما فيه الكفاية هذا البيت الشعري أو ذاك المقطع النثري، أو يحيل إلى أمهات المصادر وفهارس الكتب في مطلوب حل مسألة من المسائل أو مطلب ما أشكل على الطالب، أو يدعو إلى تحضير العناصر الوافية في قضية “الضرورة الشعرية” ومساقاتها النصية وفوق – النصية ليقع عرضها على أنظار الطلبة الكثر بكل وضوح ودقة. فضبط القراءة وتحقيق النص والاسترفاد من المصادر الأصيلة والإلمام بالمتن والحاشية معا، كانت من الأولويات القاعدية التي يحث عليها طلبته في التحصيل والنهل من المعين الصافي والمنبع الشافي لما يسمى ” النقد القديم”. كانت هذه المادة، التي اختص الأستاذ بتدريسها، تكوينا ثرا في اللغة والنقد الأدبي والرواية والدراية والتأليف عند العرب والتعرف إلى النصوص الشهيرة والتشوق إلى الآثار المغمورة وحذق أساليب الكتابة وأنواعها وغيرها من الفقرات الدراسية المنصوص عليها في المقرر التي تجعل الطالب،في نهاية المطاف، يتصل، لحما ودما، بهذا التراث الأدبي الغزير المدفون في بطون الكتب والنصوص الغميسة والمحفوظ في رفوف المكتبات الخاصة و الخزانات العامة.
على المستوى الشخصي، كنت أتخيل نفسي، بعد نهاية الحصة، قريبا جدا من هؤلاء العرب الأقحاح جسدا وروحا. أتصور أنني جالس معهم في خيامهم الوبرية أشاركهم القوت والحياة. أمتطي ظهور مطيهم. أخوض المعارك القبلية والسيوف فوق رأسي كالكواكب المضيئة. أذود عن حوض شرفهم وعرق عرضهم. أناظرهم القول وأجادلهم فنون الخطابة. أنظم فن القريض في أغراضهم. أمدح بأحسن بيت وأذم بأقبح منه. أسل الشاعر الفحل والقبيلة المجيدة من بين شعرائهم وقبائلهم كما يسل الخيط الرفيع من العجين. أفاضل بينهم وأوازن. أتشبب بالحبيبات واقعا وخيالا. أهجو الصنديد منهم. أصاحب الصعاليك إلى التلال النائية والفيافي المقفرة. أصيد الطرائد وأقيد الأوابد. وإذا عنت لي امرأة ساحرة الجمال ممشوقة القد بضة الجسد فهي عندي ظبية غرة الجبين، سواد على بياض يحف بالإثمد حور العين واللمى المكين. وإذا خلت الديار من أهلها واستجمع القوم رحلهم فهي أطلال دارسة، وأثافي عابسة، وكلاب نابحة. عفتها الرياح وانحبس عنها المطر واشتد فيها الصراخ. هكذا تتحصل في مخيلتي معلقة دامغة شكلا ومضمونا.تحتفي بها القبيلة وتفتخر. تقيم الأعراس والولائم. ولم لا وقد ولد فيها شاعر نابغة يستوي على عرش علية القوم وأشراف الأنام وتخر له الأكابر والجبابرة في بدء الدنيا ومنتهى الآخرة.
كانت حصة أستاذنا الجليل تؤثر، بقوة، في شطحات مخيلتنا العجيبة. وتؤثث ذاكرتنا بصور مجازية وأشكال بلاغية وقوالب نظمية تجعل اللغة سهلة المأخذ،مناط الاستيعاب، ومحاطة بكل أشكال التجميع والتدوين والتأليف. وكذا الإبداع في الأنواع الأدبية التي يرتضيها ذوق كل واحد منا ويميل إليها حسه الجمالي ومستوى تكوينه المعرفي. وإذا كانت نفسي تواقة ومنجذبة بحكم طبيعتها، كما أشرت، إلى ما هو حديث ومولد فإنها بقيت مشدودة، بحكم تطبعها، إلى هذه النصوص المعتقة، الفريدة، الغميسة، والممهورة بأكوان تربتها الخصيبة. وقد عملت، مع مرور الزمن، على صهر هذه الثنائية في بوتقة صورة واحدة اندمج فيها الحديث بالقديم وائتلفا في تركيبة نصية جامعة مانعة سرت على هدي منارتها إلى يوم الناس هذا. ذلك أن النص، أي نص كان، هو، في النهاية، إدراك ذهني للعالم وأشيائه وفق صياغة مخصوصة ورؤية محددة.
– 2 –
ويمضي الزمن ويعود بمدده الموصولة والمنفصلة، فتشاء المصادفة أن يكون أستاذي الفاضل هو من سيمتحنني ويختبر قدراتي العلمية صحبة ثلة من الأساتذة الأجلاء الذين أعتز بتكوينهم المعرفي الرفيع اعتزاز مفخرة على امتداد الفترة الدراسية التي قضيتها في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس. كان الاختبار شفهيا والمناسبة الانخراط في مسائل البحث العلمي والتكوين البيداغوجي في الجامعة المغربية، في ما سمي حينها: ” تكوين المكونين”. ولما كانت المناسبة شرط الحديث، فقد سبق هذا الاختبار الشفهي الاختبار الكتابي الذي كنت قد اجتزته بتفوق رفقة مجموعة من الطلبة لم يتجاوز عددهم العشرين إلا قليلا.حدث ذلك كله على الصعيد الوطني. وكان العدد المطلوب عند إعلان النتيجة النهائية، هو اثنا عشر طالبا فقط من بين عدد الطلبة الذين أتوا من كل حدب وصوب. ويمكن للقارئ المتأدب أن يخمن الحالة النفسية والذهنية التي كنا عليها عندما انتهى إلى سمعنا أن أستاذنا أمجد الطرابلسي الجليل هو من سيقترح مواضيع هذا الاختبار الشفهي، ويرأس لجنته العلمية. لا شك أن كل طالب بدأ، في غالب الظن، يقدر كمية الفشل وفرص النجاح وكيفيتهما على قدر قيمة رصيده العلمي ومخزون ذاكرته الثقافية ورصانة قوله الخطابي، وإمكاناته التواصلية. إذ على قدر أهل العلم يأتي العلم، وعلى قدر العزم يكون العزم. ومكارم العلم وخيراته متعلقة بجهة إرادة واستطاعة صاحبها ومدى نجاعة سهمه وفعاليته على فتق الصدفات المتلألئة في اليم الغمر للمعرفة.
يضاف إلى ذلك، ما عرف عن أستاذنا من صرامة وشدة انضباط وعدم تراخيه وسهولة مراسه ولو قيد أنملة مع الطلبة. كما أن عددا من الممتحنين يشغلون وظائف في التعليم الثانوي، وأنا واحد منهم، ويريدون الآن الترقي في مدارج العلم الذي يستجيب لطموحاتهم الكبيرة واستثمار معلوماتهم الثرية على أتم وجه وأكمله وبأحسن سبيل وأنبله.
عبرت عتبة شعبة اللغة العربية وآدابها حيث سيجرى الاختبار الشفهي. المكان مألوف لدي. سلمت على السادة الأساتذة الأفاضل تأدبا واحتراما للمقام، وطردا، أيضا، لشبح الدهشة الذي يعتري الإنسان في مثل هذه الأحوال وأشباه المواقف. وما السلام إلا عبارة من هذه العبارات النبيلة ذات الوقع القوي التي تشفع لنا في الحال ومآل القول. جاء الرد سلاما آخر لم أتبين من إطلاقه إلا صوت الحرف الأخير. إذ لم يلبث أستاذي الجليل الدكتور أمجد الطرابلسي أن بادر إلى تناول كتاب في سفر ضخم، عتيق المظهر. سفر أشبه بمخطوط الوراقين. فتحه على اصفرار صفحة مضاعفة مرسومة بالمنثور الممزوج بالمنظوم. وتوجه إلي قائلا:
– يا ابني، ستحضر هذه المادة في القاعة المجاورة لمدة خمس دقائق.
دلفت إلى القاعة المقابلة لقاعة السادة الأساتذة. اقتعدت كرسيا مخصصا لهذا الغرض. كانت كاتبة الشعبة السيدة “عواطف” تنظر إلي وتبتسم. فهي تعرفني حق المعرفة وأنا بدوري أعرفها حق المعرفة. فقد دشنت دراساتي الجامعية في الرباط منذ أواسط السبعينيات.بعد حصولي على شهادة الباكالوريا من ثانوية الإمام مالك العتيدة بحي بلفدير بالدارالبيضاء التي قضيت بها ثلاث سنوات بالتمام والكمال. أيام التحري والتقصي و العمل المضني والتشمير عن ساعد الجد والنظر إلى العلم باعتباره أعز ما يطلب. لم أنطق ولو بكلمة واحدة. اكتفيت بالإشارة إلى الكاتبة بوضع سبابتي على فمي. لم تقل شيئا.ابتسمت. لقد استأنست كثيرا بمثل هذه الأجواء. استنهضت همتي وباشرت عملية القراءة الصامتة. أو القراءة التي تتكلم صمتا. كان النص، بكل صراحة، نصا مستغلقا، كتوما، مركبا، معتما، حمال أوجه. يشبه تلك النصوص الجفرية التي يستعصى على المرء أن يهتدي إلى تبصر أولها من تاليها، أو يعلم سر التناسب بين حروف شعرها ونثرها ليصل إلى دلالتها على الحوادث. تنهدت تنهيدة عميقة. توهمت نفسي أسير وحيدا في دروب العالم من دون صحبة أو رفقة أو ما يرتبط به حسن رجاء: سد خلة. أصبحت خلايا دماغي تشتغل بسرعة فائقة لم تعهدها من قبل. علمت ذلك من وضع جسدي. كل حواسي أضحت في حالة طوارئ قصوى. مستنفرة. حادة. متهجمة. متأهبة. وسرت حركة غير عادية في جسمي. تفجرت ذبذبات الغدة العصبية واندفعت. توترت حبالها إلى حد الفتق. انتهت الدقائق الخمس. ولجت قاعة الاختبار. خاطبني الأستاذ الجليل بقوله:
– اقرأ النص قراءة تامة، بالضبط والشكل.
بدأت في قراءة النص جهرا. القراءة الجهرية. القراءة بصوت مرتفع. مع الحفاظ على التناوب المطلوب بين إيقاع الصوت نثرا ونظما. وأنا لا أعرف على وجه اليقين مقدار وجه الخطأ عند أستاذي الفاضل من وجه الصواب. كل ما أعلمه هو أنني استثمرت كل محصولي المعرفي ومخزوني الثقافي في هذه القراءة. كل ما تعلمته منذ الابتدائي في تلك المدرسة الشامخة ابن امسيك في الدار البيضاء التي نلت فيها الشهادة الابتدائية، مرورا بالتعليم الثانوي، السلك الأول، في كوليج المزرعة Collège la Pépinière، بحي درب الكبير، والسلك الثاني، بثانوية الإمام مالك،المذكورة سالفا، وصولا إلى التعليم العالي،كلية الآداب، في مدينة الرباط بأسوارها الطينية التي تحكي تاريخ من مضى ومر من الأقوام والأعصر. زيادة على السنوات التي أمضيتها في التعليم الثانوي بالدارالبيضاء أستاذا بثانوية جميلة الفتية التي عينت فيها بعد تخرجي من المدرسة العليا للأساتذة بمدينة العرفان في الرباط التي سأرجع إليها،مرة ثانية، بصفتي منتسبا إلى القاطنين فيها بعد أن حال علي الحول في صفوفها الدراسية حولا كاملا بمعية الطلبة في الكلية غب نيلنا شهادة الإجازة والنجاح في مباراة ولوج أقسامها. خير المولج وخير المخرج. والعلم،كما نعلم، يتبع التعلم بأخرة. “إن التعلم لما كان من جنس الإدراك الذي يصير بالطبع من القوة إلى الفعل والكمال، كان أيضا لذيذا”.(تلخيص الخطابة بشرح ابن رشد). ويبدو أن مدينتي الدار البيضاء والرباط كانتا بردا وسلاما علي.ففي فضاءات هاتين المدينتين الرحبة تقرر استظهار مفردات برنامج تكويني المعرفي وتحصيلي العلمي وصقل شخصيتي وتشكلها.ورسختا لدي الملكة الثابتة في العلم والارتياض.فاقتسمتا مراحل تعليمي: واحدة(الدارالبيضاء،مدينة الاقتصاد والمال) شهدت تعليمي في مدارسها وثانوياتها، والثانية(الرباط،عاصمة الإدارة والسياسة) اعتليت مقاعد مدرجات كلياتها وجامعاتها ومدارسها العليا. فانفتحت أمامي أبواب الفضائل والخيرات والمؤملات كما هي الحال الآن.إذ بعد انتهائي من القراءة لم يسألني أستاذي الجليل أي سؤال يذكر. استغربت لهذا الفعل. مما جعلني في حيرة من أمري. فأنا أريد أن أعرف رأيه الحصيف في هذه القراءة التي أنجزتها لهذا النص العتيق الذي كتب أو نسخ بخط غير واضح وباهت، الغفل من أي عنوان، الذي يكاد يكون من غير رسم. أرغب في تبين أوجه الصحة والغلط في هذه القراءة. لم يتفوه أستاذي الفاضل بأي كلمة واكتفى بالتوجيه التالي:
- إن الأساتذة الأفاضل، أعضاء اللجنة الموقرة، سيطرحون عليك أسئلة تتعلق بهذا النص وينبغي أن تكون مستعدا للإجابة عنها.
على الرغم من هذا التوجيه اللطيف، ظل الشك يراودني، والارتياب يلقي بظله علي. ارتياب القراءة. رابني الأمر فعلا. وغلبت على قلبي وساوس الظنة. بيد أن الطلبة الذين استأنسوا بالأستاذ الفاضل في حصص محاضراته يعرفون على وجه الدقة كيف أنه إذا لم يجبك بالعبارة فهو يجيبك بالإشارة. فإذا توضح الجواب عندك بالإيجاب فإن ابتسامة خفيفة شفيفة ترتسم على محياه كما ترتسم قطرة الندى على طلع الزهرة. ابتسامة عذبة، وارفة، إهليلية، بمنزلة علامة نصبة على أن قولك حق، ولسانك صدق، وطريقك سديد، وقصدك بالعلم مديد.
كانت اللجنة العلمية، المومأ إليها، مؤلفة من السادة الأساتذة: الدكتور أمجد الطرابلسي،رئيسا. الدكتور أحمد اليبوري، عضوا. الدكتور محمد مفتاح، عضوا. الدكتور إدريس السغروشني، عضوا. الدكتور عباس الجراري، عضوا.
لم أتلق أي سؤال بعد توجيه رئيس اللجنة العلمية.لكن، بعد برهة من الزمن ابتدرني الدكتور عباس الجراري بسؤال في النحو يتصل بعمل النواسخ وحالة التقديم والتأخير في ظاهرة المبتدأ والخبر. أجبت بما اعتقدت أنه الجواب السليم وبما تأدى إلي فهمه من السؤال.أشار إلي رئيس اللجنة، بعد انقضاء الفرط، بانتهاء الزمن المخصص لهذا الاختبار الشفهي..شكرت أساتذتي أعضاء اللجنة وغادرت قاعة الامتحان.
– 3 –
دخلنا حلقة التكوين العلمي لفوج(1983 -1985) ، بعد اجتياز الاختبارين الكتابي والشفهي،برئاسة الدكتور أحمد اليبوري بصفته مديرا للدراسات.أصبحت الصلة بيننا نحن الطلبة، وبين أستاذنا صلة مباشرة. إذ بعد حصص معدودات لم تتعد أصابع اليد تخطينا البروتوكولات الشكلية المفروضة في هذا النوع من التواصل التعليمي إلى تأسيس علاقات أقل ما يقال عنها إن خيوطها منسوجة من قيم المحبة والثقة والحوار وتبادل الرأي والتفاوض في الخطاب. كانت سيرة ابن هشام القلادة التي تطوق أعناقنا بفرائدها النفيسة وفوائدها الجمة طوق حمامة. تدفعنا إلى استجلاء مكنون ذخيرتها بوساطة ” دراسة نصية وإحصائية” توزع بالتساوي على عدد الطلبة الإثني عشر في شكل عروض وبحوث. منها ما يعرض في الفصل ومنها ما يسلم للأستاذ. منها ماهو فردي ومنها ماهو مشترك بين اثنين أو ثلاثة من الطلبة على أكثر تقدير. الكل يقوم وينقط عليه تبعا لنظام وحدات القيمة المعمول به في سلم التقييم التربوي الأكاديمي. سارت الدراسة بطريقة سلسة ومرنة مما عزز أكثر حبل العلاقة بأستاذنا، وأصبح يعرفنا عن قرب وينادينا بأسمائنا الشخصية. اتخذت الحلقة الدراسية شكل رواق منظم مفتوح على عالم المعرفة يتوسل بالإقناع وقرع الحجة بالحجة وتبيين الحق المعرفي والبيان البرهاني على المعلومة الموصولة بالحيثية والسند والقياس. كما كان هذا الرواق في المعهد الجامعي للبحث العلمي بمدينة العرفان، من جهة مدخل مدينة الدارالبيضاء إلى الرباط، مجالا يستطرد فيه أستاذنا الجليل آراءه المحمولة بالأفكار النيرة في الإيقاع، وقضايا الشعر المعاصر، والثقافة الحديثة، مع تمليح كل هذه المسائل بنفحات من إبداعه الشعري. كنا نصغي السمع إلى أبيات من لزوم ما لا يلزم بفضول لا يخلو من إعجاب بهذا الجانب الخفي والمستور في مسار أستاذنا العلمي الذي يكشف عن اطلاع شاف وشامل لمكونات الثقافة، قديمها وحديثها، سردها وشعرها، وعن استقصاء دقيق لجماع أعلامها البارزين في الأزمنة المتعاقبة والأمكنة المختلفة والجغرافيات الممتدة.
أتممنا المقاربة النصية والإحصائية لسيرة ابن هشام طبقا للسنن المكتوبة والسنن غير المكتوبة.انشرحت أسارير أستاذنا الجليل انشراحا طافيا. فأثنى على عملنا العلمي ثناء لا نظير له و يعز وصفه في سياق هذا الحديث الوجيز. وانتشرت، كضياء النور، تلك الابتسامة المعهودة فيه وفاضت على مجموع محياه. وكذلك كان…
– 4 –
كان شاعرا..
كان ينوي، رحمه الله، إصدار مجموع شعري آخر يضاف إلى المجموع المنشور تحت عنوان كان شاعرا. لكن قدر الموت كان أكبر من القصد وأشد إيلاما من القدر المحتوم. بقي الحلم يراود صدره إلى أن استقر إلى الأبد في لحد بارد وقبر كقبر جندي مجهول. هوى كما يهوي نجم آفل ساعة الغروب من دون أن يعلم أنى سقط. تساءل عن وجود الآخرين بصيغة دلالية لا لبس فيها:
أين( لمرتين)
أين( جوليا)
وترك سؤاله الوجودي الشخصي إلى حين:
أين( أمجد)
قدر للعلامة أن يعيش ألم الشاعر المتوحد وأن يتماهى مع الوحدة، والعزلة، والوحشة، والنأي، واليتم، والأسى، والصمت، والغربة. والإنسان يستلذ بالجور على الغرباء.ولهذا صرف حياته، كل حياته، يدفع بمجموع يديه شدة كثافة الضباب، والارتماض من الحزن، ودنو الفجيعة من الشرط الإنساني، واستقرار مأساة الكينونة في الزمان والمكان. يتلمس بمفرده أطياف سراب حر الظهيرة وزمهرير الفصول القاهرة ويصيح بملء فيه:
ياويل قلب لم يصغ من حجر…
لكن، من تراه يصيخ السمع؟ و من تنادي أيها الشاعر العظيم؟ وهل هناك حياة لمن تنادي؟…
حذا حذو خيال أمه بقلبه واستمر يناجي صورتها بكل شوق وفتنة. تألم. لم يؤمل شيئا غير الغياب. لم تسعفه الحياة إلا بحجارة صقيعية تتلبس قبرا موحشا. الشام ، موطن الخلد، قلبت له ظهر المجن فغادر مرابعها مكرها بعد أن استعصفت الرياح ربوع أجزائها. قال بعضهم:إن أقبلت أعصفت وإن أدبرت أغبرت. كانت مقبرة خرساء يلفها معنى صموت وسكون رهيب.بستان تذبل فيه الأفنان والأزهار والجنان.يخرس فيه تغريد الطيور ويضرب الصمم على آذان الولدان سنين عددا. اقتفى الشاعر أثر صمته الدائم وأنين حزنه الأبدي وأمسك، كالشحرور المكلوم، عن الشدو والغناء:
وإذا غنيت من يفهمني..
قضى نحبه والأسى يمزق حشاشته وإن ظل يمني النفس بأن الكون سيردد رجع صداه.
ألم يحدس الشاعر موته سنة 1982 وهو يرثي صديقه في الغربة حكمة هاشم حين قال:
أتيت يا صديق أبكي ودك
أذكر عهدي هاهنا وعهدك
أبكي” علينا” لا عليك وحدك
هذا مصيري يا أخي بعدك
من يا ترى، متى قصدت قصدك
يذكر لحدي أو يزور لحدك؟
فالشاعر بقدر ما يرثي صديقه يرثي نفسه. يبكي ذاته في الحياة قبل أوان الممات. صديقان يتوحدان في الذكرى والألم وقدر المصير وسنة الموت التي لا تبيد أبدا. يعيشان معا ظلمة الغربتين: غربة الحياة الممضية وغربة الأبدية التي يلوح فيها العماء ويسود فيها الهباء:
من بعد غربة الحياة غربة الفناء
يتمثل الشاعر صورة الوجود المأساوي حين يفني الدهر البشر وتغشى الغربة السرمدية الوجود والعدم. حينها يقول من بقي على قيد الحياة لمن طواه الموت: طوبى للغرباء.
