مفارقات مهرجان أصدقاء الجم للمسرح
نجيب طلال
عتبة عين:
الفنان محمد الجم، يمكن أن نتفق أو نختلف معه تجاه تجربته الفنية؟ المحصلة: يبقى أحد الفعاليات التي أعطت ما يمكن إعطاؤه في المجال المسرحي وخلافه؛ عبر مسار لا يستهان به في رحاب الفعل المسرحي. لكن يمكن أن نختلف مع تجربة تنظيمه لمهرجان باسم: «فعاليات الدورة الـ 14 لجائزة محمد الجم للمسرح، والدورة الخامسة للمهرجان الوطني لجائزة محمد الجم لمسرح الشباب»، وذلك تحت شعار “الشباب دعامة للنموذج التنموي الجديد”.
فالاختلاف يكمن بين (الدورة الـ 14 لجائزة / والدورة الخامسة للمهرجان)، وقبل هاته الدورة الحالية أشرنا في موضوع سابق (1). وفي هذا الباب أقحم خلوتنا أحد المساهمين في التنظيم نفسه بسؤال غريب جداً: «مقالك يحمل عدة مغالطات، وكان بالإمكان أن تستشيرنا في الموضوع؟». هذا الكائن البشري لا يفرق بين العمل الصحفي والعمل النقدي / المقارباتي! في الأصل لست “صحفياً” حتى أطلب من (إدارة المهرجان) معطيات وتوضيحات عن المفارقة بين رقم الدورة هل [يكافئ] رقم الجائزة؟ وبما أن المقالة تحمل مغالطات، كان بالإمكان الرد من لدن (لجنة إعلام المهرجان) لتصويب أخطائي، ولاسيما أن المقال أعقبه مقال توضيحي أكثر تشريحاً (2).
هنا استوقف القارئ المفترض بسؤال: كيف يستقيم حال مهرجان في غياب أرشيفه؟ هذا يجعلنا نقبض على انعدام توثيق للمسرح في المغرب، وهاته الإشارة وردت في صيغة حواري مع “ذاك الكائن البشري” مؤكداً: «ذكرني بالمقال وعنوانه ونقط المغالطات؟». إذن بدون تخريجات (!)، فالمسألة تستخلص في: فلا ضير أن يحرق المرء ما وراءه ليحيا لحظته، ولكي لا يضيع ما ستجود به يد العطاء! فهاته هي حكاية المسرح المغربي (الآن)؛ وإدخاله في نفق البؤس المطلق.
وبالتالي، فأي منطق يجعلنا نقبل أن الجائزة (سابقة) عن المهرجان؟ بمعنى: أن الجائزة كانت مخصصة للمسرح المدرسي، فلماذا لم يستمر؟ لكن المهرجان أمسى شبابياً؟ فمن باب الهبل أن المسرح المدرسي ترعرع وأمسى مسرحاً للشباب، وربما بطول العمر سيصبح مسرحاً (محترفاً)! فمن خلال هاته المفارقة نكتشف عياناً بأننا أصبحنا نعيش ونمارس ونتقبل اللامنطق؛ وننخرط فيه إما غباءً أو إكراهاً. كيف ذلك؟
أعود لما أشرت إليه سلفاً: “يمكن أن يستحمل المرء أو القارئ لغو الكلام؛ ولكن من الصعب أن يستحمل الهبل في مجال له قدسيته ورحابته الروحانية؛ بغض النظر عن استفحال الإسفاف الفني وسيطرة التفاهة”. بحيث من يعتبر نفسه الآن ((شيخ)) المسرحيين؛ لقد أطنب في الكلام، وحاول بدوره أن يرسخ اللامنطق في سياق التظاهرة؛ بأنها امتداد للمسرح المدرسي بقوله: «هذا المهرجان امتداد لتجربة المسرح المدرسي الذي أسسها الفنان محمد الجم»، معبراً عن فخره لقيادة لجنة تحكيم مهرجان الشباب من أجل تقييم تجارب المشاركين… وأضاف أنه واكب هؤلاء الشباب منذ أن كانوا يعيشون تجاربهم الأولى في المسرح المدرسي (؟) سبحان الله. أليس هذا الطرح فيه نوع من الهبل المطلق والجانح عن لغو الكلام؟ فكيف توصل هذا “الشيخ” بأن هؤلاء الشباب كانوا يمارسون المسرح المدرسي؟ وهذا النوع فيه نقاش من حيث دوراته ومعطياته؛ فطبعاً هناك “جمعية أصدقاء محمد الجم” هل ستستطيع أن تصدر كتاباً أو كتباً كوثائق دامغة توثق فيه منهجياً / علمياً كل أطوار تجربة المسرح المدرسي؟ (3).
كلام ليل -يا صاحبي- مادام المهرجان لا يتوفر على أرشيف؟ هذا استنتاج من فلتات ذاك “العنصر البشري”، وكذلك من خلال انعدام متابعة أطواره وغياب واضح لمقالات ومقاربات حول التجربة (!). تلك مفارقة؛ ضمنياً هي استئصال لذاكرة مهرجان المسرح (!). لكن أغربها والتي تحتاج لترميم، هل نحن أمام مسرح الشباب أم مسرح النوادي؟ ولاسيما أن: وزارة الشباب والثقافة والتواصل تنظم مهرجان “الشباب”، ألسنا نحن الآن في لخبطة في المفاهيم والتصنيف والتجنيس؟
أكيد سيظل السؤال معلقاً لأنه لم يعد هناك فكر مسرحي وقاد وقلم سيال يمارس حضوره وقوته التحليلية / النقدية، ولو [وصفية أو انطباعية] لكشف الهنات والسلبيات؛ لتلافيها والبحث عن بدائل إيجابية وفعالة؛ تزيح الاختلالات التي أمست تتحرك في مهرجان “الجم” وفي المشهد المسرحي؛ إبداعاً وإنتاجاً وتظاهرة وعلائق؛ لكي لا يبقى حدثاً مناسباتياً يستهلك الميزانية دون أن ينجح في صناعة إشعاع ثقافي حقيقي، ومحاولة استقطاب أسماء فكرية وثقافية، باعتبار أن هنالك قطيعة بين المسرحيين والمهرجان؟ وهاته مفارقة أخرى أكثر أهمية، وعلى “جمعية أصدقاء محمد الجم للمسرح” التي تنظم المهرجان أن تبحث عن أسبابها أو تفنيد استنتاجاتي الإمبريقية؛ وبالتأكيد ليست سماعية / مقهوية.
مقابل هذا، نستشف نوعاً من الفتور وشبه انعدام الحيوية لأعضاء المهرجان، وهذا يرمز إليه بهو قاعة “باحنيني”؛ كان بهواً كئيباً وبئيساً جداً وخالياً من أي معرض (كتب / صور لعروض سابقة / ملابس مسرحية / أقنعة / منشورات / ملصقات…) لإضفاء الحيوية على التظاهرة.
مشاهدة عين:
ما يهمنا في الموضوع الآن -التظاهرة- بغض النظر عن لخبطة وارتباك المفهوم “الشباب”؛ لأن هذا سيدخلنا في الشق القانوني (جمعية / نادي) قبل الشق الإبداعي. إذ من باب الغيرة عن المسرح، فالتظاهرة كما أشرت وأشير بحق تعد مسرباً يشكل إضافة نوعية للمشهد المسرحي المغربي، يعزز الحضور الإبداعي مهما كانت قيمته الفنية؛ لأن التراكم هو الذي سيحقق النوعي والوعي بالجمال والإبداعية في مستويات متقدمة لتدعيم وتقوية دينامية المسرح في المغرب.
وبالتالي فالفرق المشاركة أبانت عن قفزة جديرة بالاهتمام عن الدورات السالفة، وبرزت منها مواهب جديدة وطاقات مثيرة، وتجارب فنية وجمالية وفكرية خلاقة. (لكن) نجدد الأسف، أنه لم يتم مشاهدتها من لدن المهتمين والمتتبعين المقيمين في مدينة “الرباط”؛ فأين اختفى أولئك الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً بخطابات وبسفاسف “ما بعد الدراما” و“ما بعد الحداثة”؟ وذلك من أجل دعم تلك الزمرة من الشباب الذين هم في الأصل متعطشون للمعرفة المسرحية والاحتكاك بتجارب الآخرين، والاستزادة والاستفادة من خبرات الفاعلين المسرحيين؟ وهذا واضح أمام أسئلتهم العفوية ونبشهم المثير للنقاش (قبل العروض)، مما يكشف عن رغبة حقيقية في الفهم والتعلم والانخراط الجاد في الفعل المسرحي.
وبالتالي فمنجزهم العرضي كان متنوعاً في أطروحاته ومفاهيمه، سواء على مستوى الإخراج الذي كان في أغلب العروض منضبطاً “بين بين” وفاعلاً لتفاعلات الجسد والإضاءة التي كانت الشخصية الأولى في جل العروض، باستثناء عرض (تامغرا) لفرقة تافيلالت (جهة درعة) الذي وظف الإضاءة حسب المسافات، ليغلب السرد التراثي؛ لكن ممثلي هذا العمل أبانوا عن طاقات رهيبة جداً: جسدياً وإلقائياً وتلقائياً في الحكي. لكن توازيهم حركية الجسد في بلاغته في عرض (جسد) لفرقة ميتامورفوز (سلا)، وأقواهم حضوراً كعلامة ورمز ودلالة عرض (ثلاثي الأبعاد) لفرقة نجوم (مارتيل). إن حاولت فرقة مسرح تياترو (أسفي) في عرضها (مثنى الصراع) أن تفعل جسدية الصراع في الجسد، لكنها أخفت في بنائه جوانية العرض الكلي، وكذلك وقع لفرقة (EGO FAMILY – جهة العيون الساقية الحمراء) فالممثلون لم يستطيعوا نقل المعنى عبر الجسد الموازي للحوار. طبعاً العروض الأخرى سعت أن تستحضر الجسد كعلامات سيميائية بغية إنتاج المعنى.
لكن عرض (الزيرو) لفرقة (سحر المواهب – جهة سطات) أخفق في تحقيق جمالية الجسد نظراً لاستخدام قوة الجسد (العنف) في العرض الذي هو ذو طبيعة واقعية صرفة (قضية الملاعب الرياضية)، وكذلك عرض (انفصام) لفرقة ديلارتي للمسرح (جهة الداخلة وادي الذهب). أما عرض (دومينو) لنادي تياترو مينيا (فاس)، فجمالية الجسد تمظهرت في الجماعة والتلاعب بالإضاءة.
فلماذا أثرت مسألة الجسد في حركيته الفاعلة الذي كان حاضراً بشكل ملفت في سردية العروض، وخاصة الجسد البلاغي الذي حاول جهد الإمكان تحويل وتطويع اللغة المسرحية إلى لغة بصرية / جمالية؟ للتأكيد بأن الجسد يعتبر “النص الثاني” فوق الركح. ربما استوعبوا ذلك أم (لا).
يبقى أن هنالك حضوراً جمالياً / إخراجياً عند أغلبية الفرق / النوادي المشاركة، رغم بعض الهفوات والمنزلقات الفنية، إما نتيجة عدم فهم منطلقات وأسس الإخراج الذي تبنته الفرقة / النادي. ومن زاوية أخرى، هنالك اختلاط وخلط في الاتجاهات الإخراجية؛ حيث عرض (تامغرا) انطلق من مسرح داخل مسرح، إذا به في الأخير تم كسر السرد التراثي والجدار الرابع ليخرج الممثلون إلى الجمهور لنجد أنفسنا أمام توجه ملحمي، وما هو ملحمي الأساس. أما في عرض (الزيرو) تم تداخل الواقعية بالرومانسية بطريقة فجة، مما خلق بلبلة في الركح خاصة وسط العرض، وهذا نفسه وقع لعرض (ما بعد عنتر) لفرقة ألوان (جهة سوس ماسة) حيث تم توظيف الرومانسية بالرمزية التي كسرها (الراوي) باستعماله آلة (البندير) والذي لم يفهم دوره الأساس في العملية المسرحية؟
نفس الإشكال بصيغة أخرى في عرض “مثنى صراع الحب والكراهية” من الصويرة عن جهة مراكش أسفي، حاول توظيف انفصام الشخصية في صراعها بين الحب والكراهية، لكن الرؤية الإخراجية لم تبلور إبداعية ذاك الصراع؟ المثير نفس الإشكال في مسرحية (روميو وجولييت بعد الموت) من الفقيه بن صالح عن جهة (بني ملال خنيفرة). لكن الملفت أن عرض (ثلاثي الأبعاد) ركز على رؤية مسرح “المقهورين”، لكنها أخفقت الرؤية في نهاية العرض… ما أسباب هذا الخلل؟
بكل بساطة: الأمر يكمن في انعدام تداريب مسرحية متنوعة المصادر، وكذا شبه غياب للمعرفة المسرحية، وبالتالي فهؤلاء الشباب وغيرهم من عشاق الفعل المسرحي يحتاجون لتأطير مكثف وتوجيه نحو المساهمة لتقوية النسيج الإبداعي برؤية إلى حد ما معرفية / تقنية بالأساس.
ورغم هذا لا يمكن أن نندفع نحو اليأس، على العكس، الصورة تدفعنا للتفاؤل بأن الشباب ليسوا طاقة ميتة / سلبية، بقدر ما هم طاقة حيوية فعالة؛ لأنهم جميعاً أبانوا عن قدرات إبداعية خلاقة، وحماس فني لا يوصف، ولاسيما أن التيمات الأساس لجل العروض (كانت) تتقاطع في محاولة كشف أشكال القهر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي التي يعيشها المواطن، بأساليب مختلفة. وتلك العروض ذكرتني بعوالم مسرح الهواة الذي كان يشكل الوجه الحقيقي للمسرح (لكن) تم اغتياله؛ مسرح بكل المقاييس كان لسان حال المجتمع وناسه البسطاء، يطرح قضايا في قضية بكل تلقائية وجرأة فنية. هكذا كانت كل العروض التي سعت جهد الإمكان التمسك بفكرة تحرير الإنسان عبر الوعي والحوار، ولو أن هنالك تشابهاً لبعض العروض من عدة زوايا بعروض سابقة.
الاستئناس:
- أي دعامة لمسرح الشباب في مهرجانه؟ لنجيب طلال، صحيفة أنطولوجيا، في 23 مايو 2022.
- لغو الكلام عن مسرح الشباب في مهرجانه؟ لنجيب طلال، صحيفة المثقف، في 02 حزيران/يونيو 2022.
- نفسه.
