ترامب والناتو: ناظر في “مدرسة المشاغبين”!

ترامب والناتو: ناظر في “مدرسة المشاغبين”!

سمير سكاف

​        يكاد لا يمر يوم واحد دون أن يُثبِّت المشهد السياسي الدولي أن العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد دخلت مرحلةالمساكنة الإجبارية؛ مساكنة تحكمها المصالح القسرية، وتكبلها التهديدات المتبادلة، وتجعلها دائماً معلقة “مع وقف التنفيذ” في انتظار المزاج السياسي لسيد البيت الأبيض.

الحدث الأخير في مدينةهليسينغبورغالسويدية ليس مجرد اجتماع روتيني لوزراء خارجية الحلف، بل هو تجسيد حي لهذه المعادلات المعقدة والصعبة التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على القارة العجوز.

وجاءت مفاجآت الرئيس ترامب مع حشد في بولندا، وتفكيك في ألمانيا! وذلك، في خطوة لخصت أسلوب الرئيس ترامب القائم علىالمفاجآت الاستراتيجية“! إذ أعلن الرئيس الأمريكي عن إرسال 5.000 جندي إضافي إلى بولندا.

إن ظاهر القرار يبدو دعماً لخاصرة الناتو الشرقية، لكن باطنه يحمل رسائل سياسية حادة. وأبرز هذه الرسائل هي التالية!

 1 – المكافأة الشخصية والسياسية

لم يخفِ الرئيس ترامب أن القرار جاء مكافأة لانتخاب الرئيس البولندي القومي المحافظ “كارول ناوروكي” الذي يحظى بدعمه، مما يعكس تحول العلاقات التحالفية من مؤسساتية إلى شخصية.

2 – سياسة العقاب والتحجيم

في مقابل “كرمه” مع بولندا، قرر الرئيس ترامب سحب قواتٍ من ألمانيا وإلغاء نشر صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى هناك.

ويذهب الرئيس ترامب الى أبعد من ذلك؛ عبر التخطيط لتقليص القدرات العسكرية الإجمالية التي تضعها واشنطن تحت تصرف الحلف في حالات الأزمات.

هذه المفارقة تؤكد أن الرئيس ترامب لا يرى الناتو ككتلة واحدة، بل يتعامل معه كتلاميذمشاغبينوعناصر فيسوق صفقات ثنائية، يمنح فيه من يشاء ويحرم من يشاء بناءً على الولاء والإنفاق الدفاعي.

3 – حرب إيران وغرينلاند، وتعميق الفجوة الأطلسية

إن الشرخ الحقيقي في هذه المساكنة القلقة لا يقتصر على توزيع القوات، بل يمتد إلى عمق الملفات الجيوسياسية الحارقة:

 أ – الخلاف حول حرب إيران

تعيش ضفتا الأطلسي انقساماً عميقاً جراء الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد طهران.

فالرئيس ترامب، مرةً جديدة، وعبر وزيره ماركو روبيو، يعبِّر عن “خيبة أمل عارمة” من دول أوروبية (مثل إسبانيا) رفضت استخدام قواعدها العسكرية في هذه الحرب.

هذا الرفض دفع بروبيو للتساؤل علناً وبكثير من الفوقية: “لماذا هم جزء من الناتو إذن؟“.

 ب – عقلية الاستحواذ في غرينلاند

لا تزال رغبة ترامب الصادمة في السيطرة على جزيرة “غرينلاند” الدنماركية تثير قلق الأوروبيين، وتؤكد لهم أن الحليف الأمريكي بات ينظر إلى أراضي الحلفاء بعقلية تجارية وعقارية، مما يخدش كبرياء السيادة الأوروبية.

في هذه الأثناء، يجري تحرك كبير معادٍ للأميركيين في جزيرة غرينلاند، بسبب زيارةٍ يقوم بها موفد للرئيس ترامب الى الجزيرة!

 الدبلوماسية الأوروبية، الانحناء للعاصفة أم الانفصال التدريجي؟

أمام هذا الضغط الأمريكي الهائل، تبدو الدبلوماسية الأوروبية كمن يسير على حبل مشدود.

في اجتماع السويد، حاول الوزراء الأوروبيون “الانحناء للعاصفة” لتخفيف التوتر، عبر إبداء مرونة واستعداد للمساهمة في تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز بعد قيام إيران بعرقلة حركة نقل النفط. دائماً مع التركيز على كونه “سلمي” و”دفاعي“!

لكن خلف هذا الترضية المؤقتة، هناك وعي أوروبي متزايد أن الاعتماد المطلق على مظلة واشنطن بات انتحاراً استراتيجياً.

وكان قد عبّر المستشار الالماني فرديريتش ميرتز صراحةً عن هذا التوجه منذ أشهر بالحديث عن نهاية ال Pax Americana في أوروبا!

وجاءت كلمات الأمين العام للناتو، مارك روته، واضحة وحذرة حين رحب بالدعم في بولندا، لكنه أردف مباشرة أن “الهدف هو بناء أوروبا أقوى، لتصبح تدريجياً أقل اعتماداً على حليف واحد“.

 تغيير في خارطة الاصدقاء والخصوم!

وكانت إشكالات مباشرة عدة قد وقعت في الأشهر الأخيرة بين الرئيس ترامب وبين كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر والمستشار الألماني فرديريتش ميرتز ورئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلوني.

هذا في حين لا يتردد الرئيس ترامب بوصف علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ بالصداقة الكبيرة!

 ​نمر من ورق.. ينتظر التمزيق؟

عندما يصف رئيس الولايات المتحدة حلفاً عسكرياً تقوده بلاده منذ عام 1949 أنهنمر من ورق، ويهدد بسحب بلاده منه، فإن الحلف عملياً يكون قد دخل غرفة الإنعاش السياسي!

إنها مساكنة قلقة؛ فأوروبا لا تستطيع الاستغناء عن السلاح الأمريكي فجأة، وترامب لا يستطيع التخلي عن نفوذه في القارة بالكامل، ولا عن القواعد الأميركية الضرورية في أوروبا!

ولكن هذه المساكنة هي مساكنة “مع وقف التنفيذ”، لأن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط، أو أي قرار مفاجئ من البيت الأبيض، قد يحول هذا “النمر الورقي” إلى نمر ممزق من التاريخ، ويترك أوروبا لمواجهة مصيرها العسكري بمفردها.

في الواقع، يعتبر الأوروبيون الرئيس الأميركي دونالد ترامب كابوساً لن يتوقف إلا بنهاية ولايته! عندها يمكن لحلف الناتو أن يحلم بأن يصبح “Great again“!

شارك هذا الموضوع

سمير سكاف

كاتب وخبير في الشؤون الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!