نبيل لحلو يكتب عن قداسة الفن ودنس “البزنس” المسرحي

نبيل لحلو يكتب عن قداسة الفن ودنس “البزنس” المسرحي

بين مشرط الناقد وعين الفنان الذي لا يهادن، يطل علينا الرائد نبيل لحلو بـ”خَرجة” جديدة، تحمل بصمته المعهودة في تطويع اللغة لتكون مرآة كاشفة لواقع المشهد الثقافي بالمغرب. بأسلوبه الذي يمزج بين الأناقة الأدبية والجرأة النقدية الحادة، يتناول لحلو حدث افتتاح المسرح الملكي بالرباط، محولا القراءة من مجرد انطباع عابر إلى تشريح عميق للفوارق الجوهرية بين هالة الإبداع الكوني وبين رتابة التدبير البيروقراطي.

في هذا النص لا يكتفي لحلو بوصف التصميم المعماري للمهندسة العبقرية زها حديد، بل يفتح النار على الشعبوية التي يرى أنها شوهت الذوق العام لعقود، داعيا إلى ثورة فنية تعيد للمسرح قدسيته وللجمهور اعتباره.

بين أيديكم نصٌّ متمرد، عصيّ على الترويض، كتبه نبيل لحلو بلغة لا تعرفُ المداهنة، ولا تقبل بأقل من الانحناء الكامل أمام جلال الإبداع.. ليظل بذلك مخلصا لنهجه الأصيل في قول ما لا يُقال، منتصرا أبدا للجمال في زمن المسوخ الثقافية

المسرح الملكي.. شأن ملكي خالص

نبيل لحلو

من المؤسف حقا أن القنوات التلفزيونية المغربية الثلاث، المنوط بها تصوير مراسم افتتاح المسرح الملكي التي ترأستها صاحبة السمو الملكي الأميرة للالة خديجة، لم تفتقر إلى الفطنة فحسب، بل غابت عنها فكرة التقاط مشاهد جوية بديعة لتلك الساحة الشاسعة، حيث تتربع البنية المعمارية العملاقة كأنها “صحن طائر” غريب، مجسدة التحفة التي خطتها الأنامل العبقرية للمعماريّة الراحلة زها حديد عام 2010.

كان بالإمكان أيضا اقتناص إطلالة جوية ساحرة من أعلى طوابق برج محمد السادس، ذلك الصرح الذي تعود ملكيته للسيد عثمان بنجلون، الملياردير وعضو مؤسسة المسرح الملكي التي ترأسها صاحبة السمو الملكي الأميرة للالة حسناء، محفوفة بشخصيات دولية وازنة، وفي مقدمتها سيدة فرنسا الأولى السيدة بريجيت ماكرون.

“كل ما هو ملكي يتلألأ ببريق ألف شمس، وكل ما هو وطني باهت يلفه الشجن”.

هكذا كتبت قبل عقد من الزمن، كنتُ حينها أقارن بين المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي يشرف عليه فرنسيون، وبين المهرجان الوطني للفيلم الذي تديره وزارة الاتصال والمركز السينمائي المغربي. شتان بين كفة يرجحها دهاء المهنيين الفرنسيين، وكفة يثقلها تعنت البيروقراطية وسلطوية الهرم الإداري على موظفي المركز السينمائي.

إن المسرح الملكي مطالب اليوم بأن يستعيد هالته المقدسة وقداسته الفنية، ليرتقي بالذوق المغربي نحو مرافئ الجمال والجلال، بعيداً عن العروض الشعبوية التي دأب مسرح محمد الخامس على برمجة محتواها لأزيد من ثلاثين سنة، مما ساهم في تشكيل جمهور مشوه، فاقد للثقافة ومسكون بالسطحية.

يجب أن يكون المسرح الملكي النقيض التام لتلك السياسة المسرحية الاستلابية والضارة، التي هيمن عليها تجار “حلقات الشيخة” ومغنيات الأعراس، ممن لا همّ لهم سوى مراكمة الأرباح.

إن الرؤية الإبداعية الكونية والطموحات الفنية الجسورة لم تسكن يوما مخيلة أي وزير تولى الحقيبة منذ فجر الاستقلال عام 1956. نحن نقترب من سبعين عاما، لذا يتعين على الفريق الفني المسير للمسرح الملكي أن يبتكر في كل الاتجاهات الإبداعية، ليمنح الجمهور المغربي فرصة اكتشاف كنه الإبداع ودلالاته العميقة.

لستُ على دراية بميزانية المسرح الملكي المخصصة للإنتاجات الفنية، لكنني أعلم يقينا أن ميزانية مسرح محمد الخامس الموجهة لدعم الفرق المسرحية المحترفة لا تتعدى مليوني درهم سنويا.. وهو مبلغ زهيد، لا يكفي لإنتاج عمل مسرحي واحد بمعايير أوروبية.

* ملاحظة: حالت ظروفي الصحية دون حضوري هذا الافتتاح. جزيل الشكر للسيد الوزير محمد مهدي بنسعيد على دعوتي.

شارك هذا الموضوع

نبيل لحلو

مخرج مسرحي وسينمائي ومؤلف وممثل مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!