المغرب العربي قوة كامنة في انتظار التفعيل؟ (1-2)

المغرب العربي قوة كامنة في انتظار التفعيل؟ (1-2)

الدكتور عبد الواحد غيات

الجزء الأول: بين وفرة الموارد وغياب التنسيق الاقليمي

لا يفتقر المغرب العربي إلى القوة، بل يفتقر إلى تنسيق يحوّل هذه القوة إلى تأثير.

ملخص

     تحلل هذه المقالة الظروف الهيكلية لظهور (أو عدم ظهور) فضاء مغاربي متكامل، مسلطة الضوء على التكاليف الاقتصادية واللوجستية والأمنية للتفكك الحالي بين المغرب والجزائر. ومن خلال تحليل منهجي، تُبين المقالة أن “اللا مغرب العربي” يُشكل خللاً استراتيجيًا جسيماً، يتسم بتراجع النمو، وعدم كفاءة التدفقات التجارية، وازدواجية الإنفاق الدفاعي، ونقاط الضعف الأمنية المشتركة.

ثم تُحدد المقالة أبرز العقبات السياسية التي تعترض التكامل الإقليمي، ولا سيما قضية الصحراء، والتنافس على الزعامة، ودور الأجهزة الأمنية، وإكراهات الشرعية الداخلية، والتأثيرات الخارجية. ورغم هذه العقبات، تُسلط الضوء على وجود تكاملات هيكلية قوية، قادرة على تحويل المنطقة تدريجياً إلى فضاء اقتصادي متماسك.

وأخيراً، تستكشف المقالة ثلاث مجالات للتحول المحتمل: التحول في قطاع الطاقة (الغاز، والطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر)، وإعادة هيكلة الخدمات اللوجستية (الممرات العابرة للمغرب العربي وتكامل الموانئ)، وتطوير الموارد المعدنية الاستراتيجية. وتُشكل هذه العناصر مجتمعةً ملامح مغرب عربي لا تزال قوته الكامنة غير مُستغلة إلى حد كبير، إلا أنها موجودة هيكلياً.

مقدمة: ما وراء الندوب، دلائل القوة

في الخطاب الجيوسياسي المعاصر، يُوصف المغرب العربي غالبًا بأنه منطقة “استقرار هش” أو “جوار معقد”. هذه النظرة – التي تغذيها إلى حد كبير مراكز الأبحاث الغربية – تحجب حقيقة رياضية لافتة: المنطقة الواقعة بين المحيط الأطلسي وليبيا تمتلك جميع مقومات القوة الإقليمية العظمى. ساحل استراتيجي، موارد طاقة، معادن حيوية، شريحة سكانية شابة، وقرب مباشر من أوروبا: كل شيء تقريبًا متوفر.

مع ذلك، فإن هذه القوة مُجمدة حاليًا بسبب جمود دبلوماسي يُبقي ركيزتي المنطقة، المغرب والجزائر، في حالة من انعدام الثقة الممنهج. هذا الجمود ليس حتمية جيولوجية أو ثقافية؛ بل هو نتاج تاريخ وخيارات سياسية قابلة للتغيير بطبيعتها. لذا، فإن تصور زوال هذه الحواجز ليس مجرد أمنية، بل ضرورة تحليلية.

في قرنٍ تميّز بظهور التكتلات القارية (الصين، الهند، الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي المتكامل)، يعتمد البقاء الاقتصادي والسياسي للدول متوسطة الحجم اعتمادًا مباشرًا على قدرتها على التكامل. فإذا ما تمكّن المغرب العربي من إقامة تحالف استراتيجي دائم، فلن يقتصر الأمر على حلّ نزاع ثنائي فحسب، بل سينقل مركز ثقل البحر الأبيض المتوسط ​​من شواطئه الشمالية إلى شواطئه الجنوبية.

وتستند التقديرات المستخدمة في هذا التحليل إلى تقارب تقديرات المؤسسات الدولية الكبرى (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، دون ادّعاء الدقة المطلقة، بل بهدف تحقيق التماسك الاستراتيجي.

رغم القرب الجغرافي والتكامل الهيكلي المحتمل، تظل التجارة البينية بين دول المغرب العربي من بين الأضعف عالميًا، إذ لا تتجاوز 3% إلى 5% من إجمالي تجارتها الخارجية، وفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. للمقارنة، تصل هذه النسبة إلى نحو 60% داخل الاتحاد الأوروبي، وأكثر من 25% داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN).

أولًا: تشريح “اللا مغاربية”: ثقل الفرص الضائعة

قبل وضع أي سيناريو للوحدة، لا بد من تحديد حجم الفراغ الناجم عن غياب التكامل. فمنذ عام 1994، أصبح إغلاق الحدود البرية بين عملاقي المغرب العربي رمزًا لخلل اقتصادي عالمي.

على مستوى البنية اللوجستية، تعكس مؤشرات البنك الدولي الخاصة بالأداء اللوجستي تفاوتًا واضحًا بين دول المنطقة، مع غياب شبه كامل للترابط البيني (سكك حديدية عابرة للحدود، ممرات تجارية متكاملة). كما أن كلفة النقل البري بين بلدان متجاورة في المغرب العربي قد تفوق أحيانًا كلفة الشحن البحري نحو أوروبا، ما يعكس مفارقة جيو-اقتصادية تعيق أي دينامية تكاملية.

1- نزيف النمو

وفقًا لعدة تقديرات متقاربة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يكلف عجز التكامل الإقليمي اقتصادات المغرب العربي ما بين 2% و3% من نمو الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، وهو تقييم يستند إلى أبحاث أُجريت منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، وتم تأكيدها بانتظام منذ ذلك الحين.

هذه “الفرصة الضائعة” ليست مجردة، بل تشمل جامعات لم تُبنَ، وبنية تحتية للنقل غائبة، وعرقلة للبحوث الطبية، وقبل كل شيء، عجزًا مزمنًا عن استيعاب التدفق الكبير للشباب الوافدين إلى سوق العمل. باختصار: كل عام من عدم التكامل يُفاقم الهشاشة الاجتماعية والسياسية للمنطقة بأكملها.

2- مفارقة الترابط

اليوم، وفي مفارقة لافتة، قد يكون شحن سلعة من الدار البيضاء إلى الجزائر أغلى وأطول زمنًا من شحنها من مرسيليا إلى شنغهاي. هذا الخلل في التدفقات التجارية يُجبر الاقتصادات المحلية على الاعتماد المفرط على أوروبا. ينتج المغرب والجزائر سلعًا وخدمات يُمكن أن تُكمّل بعضها بعضًا بشكل طبيعي (الزراعة والصناعات الغذائية الزراعية، والمواد الكيميائية والفوسفات، والطاقة وتحلية المياه)، لكن الحواجز الجمركية ونقص الخدمات اللوجستية البرية العابرة للحدود يُجبران الفاعلين الاقتصاديين على البحث عن أسواق بعيدة، مما يزيد التكاليف ويُقلل من القدرة التنافسية الإجمالية للمغرب العربي مقارنةً بالمناطق الناشئة الأخرى.

3- عبء الدفاع كضريبة خفية

لا شك أن أثقل جوانب “اللا مغرب العربي” هو سباق التسلح. ففي ظل موقف الردع المتبادل الموروث من صراع، ما كان يعرف سابقا، بالصحراء الغربية، تُخصص الدولتان حصةً غير متناسبة من ثروتهما الوطنية لاقتناء معدات عسكرية متطورة (طائرات بدون طيار، وطائرات مقاتلة، وأنظمة دفاع جوي).

وتُترجم هذه المنافسة أيضًا إلى جهد عسكري مُستمر. على سبيل المثال، تجاوز الإنفاق الدفاعي المشترك للمغرب والجزائر ما بين 20 و25 مليار دولار أمريكي سنويًا في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وفقًا لتقديرات قواعد البيانات الدولية الرائدة (ولا سيما معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام والبنك الدولي). باختصار، يُستثمر جزء كبير من الثروة المغاربية في إدارة الشك، بدل بناء الثقة.

التنمية الاستراتيجية: في سيناريو استعادة الوحدة، فإن تخصيص جزء بسيط من هذه الميزانيات (15% مثلًا) للبحث والتطوير المدني، والتدريب التقني، والبنية التحتية الرقمية، من شأنه أن يحوّل المنطقة إلى مركز تكنولوجي رائد، قادر على منافسة أكثر الأنظمة ديناميكية في الجنوب العالمي (الهند، وفيتنام، والبرازيل). إن “عائد السلام” في المغرب العربي ليس مجرد استعارة، بل هو عائد سنوي محتمل بمليارات الدولارات يُعاد استثماره مباشرة في الاقتصاد الحقيقي.

4- نقاط الضعف الأمنية المشتركة

كثيرًا ما يُغفل أن غياب التعاون الثنائي يخلق ملاذات آمنة للجماعات العابرة للحدود. فقد أصبحت منطقة الساحل والصحراء، التي تتسم بالنفاذية وضعف الرقابة، أرضًا خصبة للجهادية والجريمة المنظمة. جيشان لا ينسقان، وجهازان استخباراتيان لا يتبادلان تحليلاتهما، وقوات شرطة حدودية لا تُوَحِّد قواعد بياناتها: كل هذه نقاط ضعف تستغلها جهات فاعلة غير حكومية. لذا، فإن استعادة الوحدة لن تكون اقتصادية فحسب، بل ستكون أيضاً السلاح الأنجع ضد انعدام الأمن الإقليمي.

مع ذلك، فبينما باتت تكلفة غياب وحدة المغرب العربي واضحة جلية، فإن أسباب استمرارها ليست غير منطقية فحسب، بل هي متجذرة في قيود سياسية عميقة يجب تحليلها قبل النظر في أي مسار نحو التكامل.

ثانيًا: العوائق السياسية أمام الوحدة: جمود التنافسات

على الرغم من أن وحدة المغرب العربي تبدو ضرورة اقتصادية واستراتيجية، إلا أنها تصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدًا. لا يكمن العائق في غياب المصالح المشتركة، بل في استمرار ديناميات القوة الموروثة، المتجذرة بعمق في هياكل الدولة والهويات الوطنية.

1- قضية الصحراء المغربية: صراع بنيوي

تكمن في صميم التنافس بين المغرب والجزائر قضية الصحراء المغربية، التي تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح رمزًا للهوية والعقيدة. فبالنسبة للرباط، هي مسألة سيادة وطنية غير قابلة للتفاوض؛ أما بالنسبة للجزائر، فهي مبدأ إنهاء الاستعمار وحق تقرير المصير.

هذا التباين ليس دبلوماسيًا فحسب، بل إنه يُشكّل العقائد العسكرية، ويُغذي الخطاب السياسي الداخلي، ويُضفي الشرعية، لدى كلا الجانبين، على استمرار حالة عدم الثقة. لذا، فإن أي أمل في تحقيق الوحدة لا يتطلب بالضرورة حلاً فورياً للنزاع، بل يتطلب بالأحرى خفضاً استراتيجياً للتصعيد و”تعليقاً عملياً” له، كما هو الحال مع النزاعات المجمدة الأخرى التي أتاحت تعاوناً عملياً في أماكن أخرى من العالم.

2- التنافس على القيادة: من يقود المغرب العربي؟

وراء المسألة الإقليمية يكمن تنافس أوسع نطاقاً ولكنه حاسم بنفس القدر: تنافس القيادة الإقليمية. فالمغرب، المدعوم بانفتاحه الاقتصادي وتحالفاته الغربية والأفريقية، ينظر إلى نفسه كمركز مترابط وديناميكي. أما الجزائر، الغنية بالعمق الاستراتيجي والطاقي والعسكري، فترى نفسها قوة موازنة، ملتزمة بتقاليد السيادة وعدم الانحياز.

الوحدة هنا تعني تحولاً جذرياً في المفاهيم: الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق القيادة المشتركة المتمايزة، حيث يمارس كل قطب نفوذاً قطاعياً (الطاقة، المالية، الأمن، الخدمات اللوجستية) دون السعي إلى الهيمنة على الكل.

3- الأجهزة الأمنية والعسكرية: حماة الوضع الراهن

تلعب المؤسسات الأمنية دورًا محوريًا في ترسيخ انعدام الثقة. فالعقائد الدفاعية، المبنية على عقود من التنافس، تستند إلى سيناريوهات ضمنية للمواجهة. هذا الهيكل الفكري والعملياتي يجعل أي تعاون أمرًا حساسًا، لا سيما في مجالي الاستخبارات ومراقبة الحدود.

علاوة على ذلك، فإن الميزانيات العسكرية الضخمة ليست مجرد أدوات للأمن، بل تُسهم في موازين القوى الداخلية. لذا، فإن إعادة توجيه جزء من هذه الموارد نحو مشاريع مشتركة يتطلب تحولًا جذريًا في التوازن السياسي العسكري.

4- القيود السياسية الداخلية: ثقل الرأي العام والشرعية

لا يعمل قادة المغرب العربي في فراغ سياسي. فالرأي العام، الذي غالبًا ما تغذيه عقود من الخطاب القومي، قد ينظر إلى أي تنازل على أنه ضعف. علاوة على ذلك، في الأنظمة التي تستند فيها الشرعية جزئيًا إلى الدفاع عن السيادة الوطنية، قد يكون الانفتاح على الآخر محفوفًا بالمخاطر السياسية.

لذا، لا يمكن فرض الوحدة من أعلى الهرم، بل يجب بناؤها من القاعدة، عبر التعاون القطاعي والتبادلات البشرية والأكاديمية والاقتصادية، بما يُسهم في إعادة بناء الثقة التي تآكلت اليوم تدريجيًا.

5- العامل الخارجي: بين الحوافز الجيوسياسية والجمود

أخيرًا، يلعب الفاعلون الخارجيون دورًا ملتبسًا. فلكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين ودول الخليج مصلحة في استقرار المغرب العربي، ولكن ليس بالضرورة في تحقيق تكامل كامل واستقلال ذاتي تام، الأمر الذي من شأنه تعزيز قوتهم التفاوضية.

هذا الواقع يستلزم تقييمًا موضوعيًا: فوحدة المغرب العربي لا يمكن أن تتبلور إلا كخيار سيادي، لا كنتيجة لتدخل خارجي.

ثالثًا: “الصفقة الجديدة” للطاقة: مركز الطاقة الخضراء العالمي

يُعدّ التحوّل في قطاع الطاقة الركيزة الثانية لهذا التحوّل. ففي عالم يسعى جاهدًا للتخلص من الكربون، سيُنشئ التحالف المغربي الجزائري لاعبًا مهيمنًا في سوق الطاقة النظيفة.

1- التكامل بين الغاز والطاقة الشمسية: بطارية عملاقة لأوروبا

تمتلك الجزائر احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي (ثالث أكبر احتياطي في أفريقيا) وشبكة أنابيب متصلة بالفعل بإسبانيا وإيطاليا والبرتغال. أما المغرب، فقد حقق تقدمًا ملحوظًا في تقنيات الطاقة الشمسية (مشروع نور في ورزازات) وطاقة الرياح.

  • المعادلة الرابحة: استخدام الغاز الجزائري لتحقيق استقرار في إنتاج الطاقة المتجددة على نطاق واسع في منطقة المغرب العربي، نظرًا لعدم انتظامها. وبذلك، لا يصبح الغاز غاية في حد ذاته، بل أداةً فعّالة في عملية التحوّل.
  • من خلال توحيد شبكات الكهرباء (وهو مشروع متوقف حاليًا)، لن يقتصر دور البلدين على تصدير المواد الخام فحسب، بل سيصبحان مسؤولين عن إدارة أول “شبكة ذكية” عابرة للقارات، قادرة على تزويد أوروبا الساعية إلى تحقيق سيادتها في مجال الطاقة والتحول السريع نحو خفض الانبعاثات الكربونية.   
  •  
  • 2- مستقبل الهيدروجين الأخضر الواعد

يُروج للهيدروجين الأخضر باعتباره نفط القرن الحادي والعشرين. ويتطلب إنتاجه عنصرين أساسيين: وفرة الطاقة المتجددة والمياه.

  • يساهم المغرب بخبرته في تحلية مياه البحر (حيث تعمل عدة محطات بالفعل) ومزارع الرياح ذات المستوى العالمي.
  • تساهم الجزائر بشبكة خطوط الأنابيب الواسعة القائمة لديها (أكثر من 8000 كيلومتر)، والتي يمكن تطويرها تقنيًا لنقل الهيدروجين – أو الأمونيا الخضراء – إلى قلب أوروبا الصناعي (ألمانيا، إيطاليا، فرنسا).

وتكمن إحدى المزايا الرئيسية في شبكة خطوط الأنابيب القائمة، لا سيما على الجانب الجزائري. مع ذلك، فإن تحويل أنظمة النقل الحالية إلى الهيدروجين ليس فوريًا ولا مكتملًا، إذ يتطلب استثمارات ضخمة، وتعديلات تقنية (في المواد، والضغط، والسلامة)، وفي بعض الحالات، إنشاء بنية تحتية جديدة مخصصة. بعبارة أخرى، هذه الإمكانية حقيقية، لكنها جزء من عملية تنمية صناعية تدريجية وليست ميزة فورية.

من شأن هذا التضافر أن يجعل المغرب العربي مركزًا رئيسيًا لتكرير الطاقة في القرن الحادي والعشرين، جاذبًا الصناعات الثقيلة (الصلب، والأسمنت، والكيماويات، والألومنيوم) الساعية إلى خفض انبعاثات الكربون من خلال التمركز بالقرب من مصادر الطاقة النظيفة. وهذا من شأنه أن يحوّل التركيز من تصدير المواد الخام إلى تحقيق السيادة الصناعية الخضراء.

3- السيادة التعدينية والتكنولوجية

سيسمح هذا الاتحاد أيضًا بالإدارة الاستراتيجية المشتركة للموارد الجوفية.

  • المغرب هو أكبر مورد في العالم لاحتياطيات الفوسفات (أكثر من 70% من الاحتياطيات المعروفة)، وهو أمر بالغ الأهمية للأمن الغذائي العالمي، وبشكل متزايد، لبطاريات فوسفات الحديد الليثيوم (LFP).
  • تمتلك الجزائر معادن حيوية (كالزنك والرصاص والباريت) وعناصر أرضية نادرة لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير، وهي ضرورية لصناعة الإلكترونيات والمغناطيس الدائم والدفاع.

ومن خلال إنشاء منظمة تعدين مغاربية – وهي منظمة إقليمية مماثلة لآليات التنسيق الموجودة في أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا – يمكن للتكتل أن يفرض شروطه على الأسواق العالمية، ضامناً بذلك معالجة هذه الموارد محلياً، مما يخلق ملايين الوظائف الماهرة في مجالات التعدين والصناعات الكيميائية الدقيقة وصناعة البطاريات.

رابعًا: ثورة الخدمات اللوجستية: ممر المغرب العربي كجسر عالمي

بينما تشكل الطاقة المحرك الأساسي لهذا المشروع الاتحادي، تعمل شبكات النقل كدعامة استراتيجية لربطه. إن استعادة الوحدة ستنقل المنطقة من وضعية الانكفاء الجغرافي إلى دور المركز اللوجستي العالمي، مشكلةً حلقة وصل رئيسية بين القارة الأفريقية وأوروبا والأمريكتين.

1- محور السكك الحديدية والطرق السريعة: من الانقطاع إلى الاستمرارية

اليوم، تنتهي شبكات النقل فجأة عند الحدود (وجدة ومغنية، على سبيل المثال)، مما يجبر تدفقات البضائع على تجاوز المنطقة بحرًا عبر الموانئ الأوروبية.

ستتيح الوحدة إنشاء خط سكة حديد فائق السرعة في المغرب العربي (الدار البيضاء – الرباط – طنجة – وجدة – وهران – الجزائر – قسنطينة – تونس) وطريق سريع عابر للقارات سلس، بمسارين أو ثلاثة في كل اتجاه على أجزاء رئيسية.

الأثر: سيقلل هذا المحور الرئيسي أوقات النقل بنسبة 60%. ستتحول المناطق الحدودية، المهمشة حاليًا والتي غالبًا ما تكون أفقر من المناطق الساحلية، إلى مراكز صناعية ولوجستية حيوية (منصات تجارية، ومستودعات التبريد، ومناطق التجارة الحرة). وسيؤدي فتح المرتفعات والمناطق الداخلية إلى خلق جغرافية حضرية جديدة أكثر توازنًا، بعيدة كل البعد عن اكتظاظ المدن الساحلية الكبرى.

2- تكامل الموانئ العملاقة

بدلًا من الانخراط في منافسة عقيمة لجذب شركات الشحن العالمية، ستعمل موانئ طنجة المتوسط ​​(المغرب، الميناء الرائد في البحر الأبيض المتوسط ​​الأفريقي)، والناظور غرب المتوسط، والجزائر العاصمة، وشرشل (ميناء رئيسي يقترب من الاكتمال)، وتونس كنظام بيئي متكامل: ميناء متخصص في الشحن العابر، وآخر في الحبوب، وثالث في المحروقات، ورابع في التجارة الإلكترونية بين الصين وأفريقيا.

القوة الدافعة: ستتحكم هذه الشبكة المينائية الموحدة بشكل طبيعي في الوصول إلى غرب البحر الأبيض المتوسط. من خلال الاستحواذ على حصة أكبر من حركة الشحن العالمية (التي تهيمن عليها حاليًا بورسعيد وجيويا تاورو والجزيرة الخضراء)، سيصبح المغرب العربي بمثابة “سنغافورة البحر الأبيض المتوسط”. ولن يقتصر التحكم في مضيق جبل طارق على الجانب العسكري (الناتو)، بل سيشمل أيضًا الجوانب الاقتصادية والعملياتية والجمركية.

3- بوابة أفريقيا: الطريق السريع العابر للصحراء كمشروع حضاري

هنا يتجلى طموح الوحدة في أسمى صوره. فمن خلال ربط الموانئ الشمالية بخليج غينيا عبر مشروع الطريق السريع العابر للصحراء (تمنراست-كانو) وخط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب (أو بدائله)، سيصبح التكتل المغربي الجزائري ضامنًا للترابط في غرب أفريقيا.

الدور المحوري: ستجد دول الساحل غير الساحلية (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد) منفذها الطبيعي إلى أوروبا، دون الاعتماد كليًا على ممرات داكار أو بنين. لن يقتصر تركيز المغرب العربي على الشمال فحسب، بل سيصبح القوة الدافعة وراء تكامل حقيقي بين بلدان الجنوب، محولاً الصحراء الكبرى من حاجز رملي وانعدام ثقة إلى فضاء للتبادل، ومناطق اقتصادية خاصة، وحرية تنقل آمنة.

ملاحظة: يستلزم هذا السيناريو، بطبيعة الحال، آليات تمويل متعددة الأطراف (البنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، وصناديق الثروة السيادية الخليجية، ومبادرة الحزام والطريق الصينية) واتفاقاً سياسياً متيناً مع دول الساحل، وهو ما يمثل، في ظل التشرذم الراهن، تحدياً هائلاً، ولكنه في الوقت نفسه فرصة قيادية عظيمة.

إن ما يبدو اليوم مجرد إمكانات قطاعية متفرقة، قد يتحول – في حال استعادة الحد الأدنى من التنسيق – إلى بنية قوة إقليمية متكاملة. فهل يمكن لهذا التحول أن يعيد رسم موقع المغرب العربي في النظام الدولي؟ هذا ما سنستكشفه في الجزء الثاني.

يتبع…

قراءة في الجزء الثاني: ” نحو قوة إقليمية في عالم متعدد الأقطاب”.

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!