خروف الألف درهم.. فقرة كوميدية غير مقصودة

خروف الألف درهم.. فقرة كوميدية غير مقصودة

عبد الله النملي

       تحول خروف الألف درهم إلى عنوان للجدل داخل مجلس النواب وخارجه، بعدما صرح وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المغربي، عن وجود أضاحي ابتداء من هذا السعر، الشيء الذي فجر موجة من التعليقات والسخرية، خاصة من طرف نواب في المعارضة ومواطنين.

في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، شهدت أسعار أضاحي العيد في المغرب ارتفاعاً ملحوظاً. المواطن أصبح يجد صعوبة في العثور على أضحية مقبولة حتى بـ 2500 أو 3000 درهم. لذلك، عندما يتحدث مسؤول عن خروف بـ 1000 درهم فإن الأمر يبدو للمواطن العادي وكأنه خارج سياق الواقع.

رد فعل الشارع المغربي

وفور تداول التصريح، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات ساخرة وانتقادات لاذعة، حيث اعتبر عدد كبير من المواطنين أن الوزير يتحدث عن سوق لا يوجد في المغرب، فحين يسمع المواطن أن هناك “خروفا بـ 1000 درهم”، من حقه طرح السؤال التالي: أين يوجد؟ ما حجمه؟، وحتى الخروف نفسه، لو سمع الخبر، ربما سيتوقف عن الاجترار للحظة ويقول بدهشة:
“1000 درهم؟ واش أنا ولا دجاجة كبيرة؟، كما انتشرت فيديوهات تطالب الوزير بدلالة المواطنين على مكان هذا السوق الذي يباع فيه الخروف بهذا السعر. واعتبر الكثيرون أن التصريح ينفصل عن واقع غالبية جيوب المواطنين التي تعاني لتوفير مصاريف العيد.

ويبدو أن الحكومة اكتشفت نوعًا جديدًا من الأغنام لم نره نحن بعد. ربما خروف اقتصادي، يشتغل بنظام “النسخة المخففة”، أو خروف رقمي يمكن تحميله من الإنترنت ثم ذبحه افتراضيًا يوم العيد.
مثل هذه التصريحات تقع في فخ لغة الأرقام الجافة التي لا تنعكس على أرض الواقع. ويعتقد الكثيرون، أن السيد الوزير كان يتحدث عن سوق في “عالم موازي” أو ربما كان يقصد أضحية بالتقسيط المريح على 12 شهراً!. وحتى لو وجد خروف بـ 1000 درهم في سوق ما، فهو حتماً لن يكون “كَبشاً” بالمعايير والمواصفات التي تبحث عنها العائلات المغربية لإحياء شعيرة عيد الأضحى بكرامة.

ومع ذلك، للمغاربة قدرة خارقة على تحويل الإحباط إلى نكتة. ففي ظرف ساعات، صار “خروف الألف درهم” بطلًا قوميًا على مواقع التواصل: خروف مطلوب للعدالة، خروف مختفٍ قسرًا، وخروف إن وُجد، يجب تسجيله ضمن التراث اللامادي للمملكة.

التصريح فتح شهية المغاربة لجرعة مكثفة من الكوميديا السوداء، وإليكم كيف ترجم الشارع المغربي هذا “الخروف الأسطوري” بشكل ساخر جداً:

مواصفات خروف الـ 1000 درهم (حسب كتالوج وزارة الفلاحة)

  • الحجم والمظهر: خروف “مينيـاتور” (Miniature) لا يتعدى حجمه حجم قط سمين، إذا نبح عليه كلب الشارع قد يغمى عليه من الصدمة.
  • النظام الغذائي: خروف “اقتصادي” يعيش على البلوتوث أو يتغذى على قراءة بلاغات الحكومة اليومية عوض العلف.
  • الوزن الصافي: بعد السلخ وإزالة السقط، قد يتبقى منه نصف كيلو من اللحم، وعظمين للشوربة، وكثير من “النية”.

أشهر “القفشات” والسيناريوهات الساخرة

  • رحلة البحث عن “سوق الوزير”: المغاربة طالبوا بإنشاء تطبيق “جي بي إس” (GPS) خاص يسمونه “موقع خروف الوزير”، لأن هذا السوق يبدو أنه يقع خلف جبال الأطلس، ولا يدخله إلا من أوتي حظاً عظيماً.
  • عقدة الذنب عند الكسّابة (مربي الماشية): عندما تذهب إلى السوق وتعرض على “الكساب” 1000 درهم لشراء خروف، فغالباً سينظر إليك بنظرة حنان، ويطلب منك أن تأخذ معه “سيلفي” للذكرى، أو يعطيك “الحبل” لتجر به قطة.
  • الأضحية “الإلكترونية”: البعض قال إن الـ 1000 درهم قد تشتري لك “خروفاً في لعبة ببجي” أو صورة خروف بتقنية عالية الجودة (4K) لتعلقها في صالون البيت يوم العيد.

نكتة الموسم: “قال لك واحد مشى عند الكساب بـ 1000 درهم قاله اعطيني حولي ديال الوزير.. الكساب شافه وشاف الفلوس، وقاله: شوف أولدي، بهاد البركة نقدر نخليك تْصوّر مع الحولي الكبير، ونعطيك غي الصوف دير بيه مخدة!”

قائمة أسعار الأضاحي في “سوق الوزير الافتراضي”

إذا قررنا مسايرة تصريح السيد الوزير، فغالباً ستكون لائحة الأسعار في أسواقه السرية كالتالي:

  • بـ 1000 درهم: تشتري “صوت خروف” (بَـعْبـعَـة) مسجلة على قرص مدمج (CD) تشغلها صباح العيد لجلب البهجة للجيران.

سيناريوهات يوم العيد مع “خروف الوزير”

  • طقوس الذبح: هذا الخروف لن يحتاج إلى “جزار” مفتول العضلات، يمكنك ذبحه بـ “مقص أظافر” أو “مشرط مكتب”، وتكفيك “شواية” صغيرة جداً لشوائه بالكامل.
  • البطاقة الوطنية للخروف: اقترح بعض الناشطين أن أي خروف يباع بـ 1000 درهم يجب أن ترفق معه الحكومة “شهادة اعتراف” موقعة من الوزير شخصياً، تثبت للمجتمع أن هذا الكائن هو فعلاً “كبش” وليس “أرنباً صام عن الكلام”.

الوزير قال إن هناك خروفًا للعيد بـ 1000 درهم. ومنذ تلك اللحظة، انقسم المغاربة إلى قسمين: قسم ضحك حتى دمعت عيناه، وقسم آخر حمل هاتفه وبدأ يسأل الجزارين: “عفاك، واش عندك شي خروف ديال الوزارة؟”

يبدو أن “خروف الـ 1000 درهم” أصبح مثل “مثلث برمودا” أو “الرجل الذئب”، الجميع يتحدث عنه ولكن لم يره أحد على أرض الواقع!. لم يعد المواطن يسأل عن سعر الخروف، بل عن مكان وجود ذلك الكائن الأسطوري الذي تحدث عنه الوزير بكل ثقة، وكأنه يتحدث عن منتوج متوفر في الأسواق، لا عن مخلوق نادر يعيش في الغابات المحمية.

المثير في الأمر أن المغاربة لم يغضبوا من الرقم فقط، بل من تلك الطمأنينة العجيبة التي قيل بها التصريح. فالأسواق كانت تتحدث بلغة، والتصريح الرسمي بلغة أخرى. في السوق، الخروف يُوزن بالكيلو وبالقدرة الشرائية المنهكة. أما في التصريحات، فيبدو أن الخروف يُوزن بالأمل.

المشكلة ليست في أن مسؤولًا أخطأ التقدير. هذا يحدث في كل مكان. المشكلة أن الهوة بين الواقع والكلام الرسمي أصبحت واسعة، لدرجة أن المواطن صار يشعر أحيانًا أن المسؤولين يتابعون نشرات أسعار من كوكب آخر. فبينما الأب المغربي يحسب تكاليف العيد بالدقة نفسها التي تُحسب بها ميزانيات الدول، يأتي التصريح كأنه فقرة كوميدية غير مقصودة.

شارك هذا الموضوع

عبد الله النملي

كاتب وباحث مغربي في قضايا الثقافة والسياسة والتاريخ المحلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!