حميد البوهالي: الصحافة الساخرة في مجتمعاتنا دخولها صعب وخروجها دراماتيكي (2-2)

حميد البوهالي: الصحافة الساخرة في مجتمعاتنا دخولها صعب وخروجها دراماتيكي (2-2)

عبد الرحيم التوراني

       في تاريخ الصحافة المغربية الساخرة يظل اسم الفنان حميد البوهالي علامة فارقة شهدت على مخاض ولادة السخرية السياسية من رحم المعاناة والرقابة.. في هذا الحوار الشامل والتاريخي الذي خص به منصة “السؤال الآن”، يفتح البوهالي خزانة ذاكرته ليوثق مرحلة استثنائية من تاريخ المغرب الحديث، مستعيدا سياق السبعينيات والثمانينيات، وذكريات التأسيس لجريدتي “أخبار السوق” و”التقشاب”، ومستحضرا مواجهته المباشرة مع الآلة الرقابية لوزير الداخلية الأسبق إدريس البصري، والتي قادته إلى زنازين الاعتقال بتهمة “ريشة متمردة“…

حوار يمزج بين مرارة القمع وجماليات الفن وأمل التحرر

الصمود النفسي داخل الزنزانة وخنق جريدة “التقشاب

السؤال الآن: الاعتقال والسجن لم يكن مجرد سلب للحرية، بل محاولة لكسر الريشة… كيف استطعت الحفاظ على توازنك النفسي والإبداعي داخل الزنزانة؟

حميد البوهالي: داخل الزنزانة استطعت أن أصمد، نعم، لكن ذلك الصمود لم يكن سهلًا أبدًا. كان اليوم الواحد يمر كأنه شهر كامل، وكانت الساعات ثقيلة إلى درجة يصعب وصفها. كنت أقول كل صباح: هذه هي نهايتي، وفي كل مساء أتشبث بفكرة واحدة: لعل الغد يحمل نهاية هذا الكابوس.

الزنزانة كانت المكان الذي يخشاه كل أحد، لأنها ليست مجرد جدران مغلقة، بل عالم من العزلة والانتظار والقلق. وكنت أخاطب نفسي أحيانًا قائلًا: هذه آخر أيامك يا حميد، لقد وقعت في شباك البصري. كان الإحساس بالخطر حاضرًا في كل لحظة، لأن الإنسان هناك لا يعرف ماذا ينتظره في الدقيقة التالية.

لقد ذقت مرارة التعذيب، كما قلت سابقًا، وهي ذكريات لا أحب أن أستعيدها ولا أن أحكي تفاصيلها، لأن بعض الآلام تبقى أكبر من الكلمات. لكن ما لا يمكن نسيانه أنني رأيت أطفالًا يُعذبون، ورأيت شيوخًا يُهانون، ورأيت مشاهد جعلتني أوقن أن الإنسان قد يحول المكان إلى جهنم سوداء فوق وجه الأرض حين يغيب الضمير.

وفي تلك الأجواء كان الثابت يمثل صورة الخوف المطلق. كان بالنسبة إلى كثيرين العفريت الذي يعذب ويسجن ويفعل ما يشاء. الجميع كان يخشاه، حتى بعض رجال الشرطة أنفسهم كانوا يهابونه. رأيته أكثر من مرة يسب بعضهم ويهينهم، فيقفون صامتين لا يتحركون ولا يتكلمون، وكأنهم أمام سلطة لا تُراجع.

وفي أحد الأيام، أمر الثابت أحد رجال الشرطة بمرافقتي إلى منزلي من أجل إحضار رخصة الصحافة الخاصة بجريدة “التقشاب”. وعندما وصلت رفقة رجل الشرطة إلى باب المنزل، وجدت الباب مكسورًا والقفل مخلوعًا، وكأن أحدهم اقتحم المكان في غيابنا. كانت زوجتي قد ذهبت عند عائلتها، ولم يكن هناك أحد في البيت.

دخلت المنزل وأنا في حالة ذهول، فوجدت وثائقي وجرائدي وأوراقي مبعثرة ومرمية على الأرض، في مشهد أوحى لي وكأن المكان تعرض لعاصفة. ظللت أتساءل في داخلي: من الذي فعل ذلك؟ ولماذا كُسِر القفل؟ والأغرب أن أحدًا لم يسرق شيئًا. كان كل شيء في مكانه، إلا الطمأنينة التي اختفت من البيت منذ تلك الليلة.

أخذت رخصة الصحافة وعدت بها رفقة رجل الشرطة إلى مقر الكوميسارية، ثم ناولتها للثابت. وكنت أفهم جيدًا معنى ذلك، لأن تلك الرخصة لم تكن مجرد ورقة إدارية، بل كانت المفتاح الوحيد الذي يسمح لي بطبع جريدة “التقشاب” في أي مطبعة داخل المغرب. وكان سحبها يعني، بطريقة غير مباشرة، خنق الجريدة وإسكات صوتها حتى بعد خروجي من السجن.

كانت تلك ديكتاتورية بكل المقاييس، تجلت في تفاصيل صغيرة وكبيرة، في طريقة الكلام، وفي أسلوب المعاملة، وفي شعور الناس بالعجز أمام النفوذ.

أما كيف حافظت على توازني النفسي والإبداعي داخل الزنزانة، فذلك كان بقوة العزيمة، وبالصبر، وبالتشبث بما أنا عليه رغم كل شيء. كنت أقاوم داخليًا بفكري، وأتمسك بذاكرتي، وأستعيد الرسوم والوجوه والمواقف في ذهني، كأنني أرسم على جدران لا يراها أحد. كانوا يستطيعون حبس الجسد، لكنهم لم يستطيعوا حبس الخيال.

كنت أقول لنفسي إن الريشة الحقيقية ليست قطعة خشب وحديد، بل فكرة وروح وإرادة. وإذا انكسرت الأداة، تبقى الفكرة حية.

ذلك الزمن، زمن الثابت والبصري، انتهى إلى غير رجعة، وبقي شاهدًا في ذاكرة من عاشوه، حتى لا يتكرر مرة أخرى.

  فلسفة الكاريكاتير السياسي والعناوين المقتضبة

السؤال الآن: أيهما كان يسبب لك متاعب أكثر مع وزارة الداخلية: العناوين الساخرة بالدارجة أم الكاريكاتير الصامت؟ وكيف كنت توظف “الإيحاء” للالتفاف على الرقابة القبلية؟

حميد البوهالي: كما سبق لي أن قلت، فالكاريكاتير سلاح خطير وفعّال، لأن رسمًا واحدًا قد يغني عن عدة مقالات طويلة. أحيانًا تستطيع صورة ساخرة أن تقول ما تعجز عنه الصفحات، وأن تصيب الهدف بسرعة وذكاء، لذلك كنت أعتبر هذا الفن وسيلة حقيقية لمحاربة المفسدين وكشف المتلاعبين بمصالح الناس.

والشعب بطبيعته يحب الكاريكاتير السياسي، وبالأخص الطبقة الشعبية، لأن هذه الفئات كانت في كثير من الأحيان تشعر بالاحتقار والاستغلال من طرف المرتشين والمفسدين وأصحاب النفوذ. وعندما يشاهد المواطن البسيط رسمًا كاريكاتيريًا يسخر من أحد المرتزقة الذين يستغلونه، فإنه يجد في تلك الضحكة نوعًا من الانتصار الرمزي، ولو للحظة قصيرة.

فالناس في كثير من الأحيان لا يملكون القوة لمواجهة هؤلاء بشكل مباشر، لكنهم يملكون حق الضحك عليهم، والسخرية منهم، وتعرية صورتهم أمام الجميع. وكانت تلك الضحكة بالنسبة إليهم متنفسًا يخفف شيئًا من الهموم والويلات التي سببتها لهم ممارسات أولئك المرتشين.

وفي “التقشاب” كنا نعتمد كثيرًا على العنوان، لأن العنوان هو الباب الأول الذي يدخل منه القارئ إلى الجريدة. وكنا نؤمن أن أفضل عنوان هو العنوان المقتضب، القصير، القوي، الذي لا يتجاوز ثلاث أو أربع كلمات، لكنه يحمل معنى كبيرًا ويصيب الهدف مباشرة.

وكان ينبغي للعنوان الرئيسي في الصفحة الأولى أن يلخص مضمون المقال، لأننا كنا نفضل بدورنا أن يكون المقال نفسه قصيرًا ومركزًا، في حدود عشرة أسطر تقريبًا، حتى يصل المعنى بسرعة ومن دون إطالة. لم نكن نبحث عن كثرة الكلام، بل عن قوة الفكرة.

كما كنا نحرص على أن يكون العنوان مثيرًا للانتباه، يحمل فكرة لاذعة، ويوقظ فضول القارئ، ويُكتب بطريقة جذابة تشد العين منذ اللحظة الأولى. فالجريدة حين تُعرض في الأكشاك وسط ذلك الكم الهائل من الصحف والمجلات، لا بد أن تفرض حضورها من النظرة الأولى، وأن تقول للقارئ: هنا شيء مختلف يستحق أن يُقرأ.

وهذا ما كنا نراهن عليه دائمًا: رسم قوي، عنوان ذكي، وفكرة تصل مباشرة إلى الناس.

“استراحة المحارب” والتمرد المبكر في أسوار الصويرة

السؤال الآن: هل كان الابتعاد عن الكاريكاتير الصحفي “استراحة محارب” أم شعوراً بأن سقف الحرية أصبح أضيق من أن يتسع لريشة حميد البوهالي؟

حميد البوهالي: لم يسبق لي أبدًا أن فكرت في الابتعاد عن الكاريكاتير، لأنه لم يكن بالنسبة إلي مجرد هواية عابرة، بل كان أسلوب حياة، وطريقة في النظر إلى العالم. أحببت الكاريكاتير وعشت فيه، حتى إن حديثي مع الأصدقاء، ومع الأسرة، وفي المدرسة، كان يغلب عليه طابع الفكاهة والضحك والهزل. كنت أرى الأشياء بعين ساخرة، وألتقط التفاصيل الصغيرة التي تمر على غيري دون انتباه، ثم أحولها إلى معنى وإشارة ورسمة تحمل أكثر مما يظهر فيها.

عندما كنت أدرس في ثانوية أكنسوس بمدينة الصويرة، كان عندنا أستاذ من بولونيا، وكانت ملامحه في نظري ملامح كاريكاتورية بامتياز. وكنت قبل دخوله إلى قاعة الدرس أرسم وجهه على السبورة بأسلوب ساخر، فيدخل ويضحك، ثم يرد عليّ برسم وجهي أنا كذلك. كانوا هناك يتقبلون المزاح بروح رياضية، خلافًا لما كان سائداً عندنا نحن المغاربة، حيث كان الكاريكاتير يُفهم أحيانًا على أنه تهكم أو إساءة، لا فناً ذكياً ولا نقداً مشروعاً.

وسبق لي أيضًا أن أنجزت شريطًا مرسومًا عن حارس الثانوية، وأردت نشره في مجلة المؤسسة، لكنه أقام الدنيا وأقعدها، وذهب إلى المدير يشتكي بي، وكأنني ارتكبت جريمة لا مجرد رسم ساخر.

وفي مدينة الصويرة، فكرت رفقة بعض الأصدقاء في إقامة معرض فني سنة 1964. قدمت فيه بعض الرسوم الكاريكاتورية، بينما عرض أصدقائي لوحاتهم الفنية التقليدية. وكان المشهد يومها أبلغ من كل تعليق؛ إذ كان الجمهور يتجمع حول رسومي في حلقات متواصلة، يضحكون، ويتأملون، ويتبادلون التعليقات، ويعود بعضهم مرة ثانية وثالثة لمشاهدتها من جديد، بينما بقي أصدقائي شبه وحيدين أمام لوحاتهم، ينتظرون من يتوقف قليلًا أو يطيل النظر. كانت رسوماتي تخاطب الناس مباشرة، أما لوحاتهم فكانت تنتظر من يقترب منها.

ذلك الموقف كشف لي منذ وقت مبكر أن الفن حين يلامس الناس بصدق، يصل إليهم فورًا، وأن الضحكة الصادقة قد تكون أحيانًا أقوى من الصمت المتكلف.

وفي المعرض الثاني، رفض أصدقائي عرض الكاريكاتير. لقد أبعدوني عنه، وخنقوني، وحرَموني من حرية التعبير التي كنت أراها في الجرائد والمجلات الفرنسية التي كنت أتابعها بشغف، وما زلت إلى اليوم أحن إلى ذلك الزمن الجميل والممتع.

لقد حرموني من متعة كنت أعيش بها، ومن وسيلة كنت أتنفس من خلالها. حرموني من رسم الكاريكاتير لأنهم كانوا أسرى المعقول والزيار والعادات القديمة، حيث يسود الصمت، ويُطلب الاحترام بمعناه الجامد، ويُنظر إلى الهزل على أنه من باب المحرمات والممنوعات.

لكن الحقيقة أن الكاريكاتير لم يكن مجرد ضحك عابر، بل كان مرآة تكشف المستور، ولسانًا يقول ما يعجز عنه كثيرون، وسلاحًا يفضح المصائب، ويعري الفضائح، ويقلق من اعتادوا الاختباء خلف الهيبة الزائفةولهذا كان يزعجهم.

لقد ضاع مني في فترة من الفترات ذلك السلاح الذي كنت أحارب به الرشيوية والمفسدين، لكن روحه لم تضِع أبدًا، لأنها بقيت تسكنني، وترافقني، وتطل من داخلي كلما نظرت إلى العالم.

السؤال الآن: انتقلتَ من رسم “بؤس السياسة” إلى رسم “جماليات الصويرة” عبر البطاقات البريدية (الكارط بوستال).. هل ترى في هذا الانتقال استمراراً لتوثيق هوية المجتمع المغربي ولكن بأدوات أكثر هدوءاً؟

حميد البوهالي: بعد تلك المحنة، لم أستسلم، بل اخترت أن أبدأ من جديد، وأن أحول التجربة القاسية إلى طاقة عمل وإبداع. فأسست بمدينة الصويرة جمعية التلال للفنون التشكيلية، وكانت فضاءً ثقافيًا وفنيًا جمع بين حب الفن وخدمة المواهب الصاعدة.

وقد قمنا من خلال هذه الجمعية بعدة أنشطة ومعارض داخل الصويرة وخارجها، وفتحنا الباب أمام الشباب الموهوبين، كما جمعنا رسامين محترفين وآخرين في بداية الطريق، لأنني كنت أؤمن أن الفن الحقيقي لا يعيش إلا حين يفتح ذراعيه للجميع.

وفي إطار هذه التجربة، أنجزت مجموعة من البطاقات الكارت بوستال ذات الطابع الكاريكاتوري، كما قام ابني يونس بإنجاز بطاقات أخرى مرسومة بالأكواريل، جسّد فيها الأزقة المغربية التقليدية بكل ما تحمله من روح وأصالة وجمال، وكانت لوحات صغيرة تنبض بسحر المدن العتيقة ودفء الذاكرة المغربية. ثم تكلف هو نفسه بتوزيعها داخل الصويرة وخارجها، وكان شريكًا حقيقيًا في هذا المشروع.

وقد لقيت هذه البطاقات، سواء الكاريكاتورية أو المرسومة بالأكواريل، نجاحًا منقطع النظير، لأنها كانت جذابة وملونة وتحمل روحًا فنية قريبة من الناس. كانت رسوماً ضاحكة وهزلية من جهة، وصورًا شاعرية نابضة بجمال الأزقة المغربية من جهة أخرى، فجمعت بين البسمة والحنين، وبين السخرية والجمال.

رسمت فيها مشاهد من حياتنا الشعبية، ومن الأزقة والأسواق والعلاقات الاجتماعية، ولذلك لقيت استحسانًا كبيرًا، سواء من طرف المغاربة الذين وجدوا أنفسهم فيها، أو من طرف الأجانب الذين رأوا من خلالها وجهًا آخر للمغرب، وجهًا حيًا وبسيطًا ومليئًا بالحياة.

وكان ابني يونس يضع هذه البطاقات للبيع في الأكشاك، والمتاجر، والفنادق، بثمن 10 دراهم للبطاقة الواحدة، وكانت تلقى إقبالًا واضحًا من الزوار والسياح ومحبي الفن الشعبي والكاريكاتير.

ثم قمت بتجربة أخرى أكثر جرأة، وهي إصدار نوع جديد من البطاقات ثلاثية الأبعاد، تُشاهد بواسطة نظارات خاصة، وكانت فيما أعتقد من أوائل المحاولات من هذا النوع التي عُرفت في المغرب. وقد أثارت فضول الناس، وحققت هي الأخرى إقبالًا كبيرًا.

غير أن النجاح الفني لا يكفي دائمًا إذا غابت الجدية في التوزيع والتجارة. فقد وجدنا صعوبة كبيرة في تسويق هذه البطاقات وبيعها، إذ كان بعض من يأخذها يؤدي الثمن، بينما يقول آخرون: إرجع لاحقًا، ثم حين ترجع لا يعطيك ما باعه. ومع تكرار هذا الوضع، أصابنا الملل والتعب من متابعة المستحقات.

وفي النهاية، بعت الحقوق لأجنبي أعجب بالمشروع، لكنه هو الآخر وجد صعوبات كبيرة مع الشخص الذي كلفه بالتوزيع، إذ لم يكن يفي بوعوده، وكان يماطل في أداء ما بذمته، مما أدى في الأخير إلى توقف هذا الأجنبي عن بيع تلك البطاقات.

وهكذا، بقي المشروع شاهدًا على فكرة سبقت وقتها: مزج الفن بالكاريكاتير، والهوية المغربية بروح عصرية، لكن كثيرًا من المشاريع الجميلة تتعثر أحيانًا ليس بسبب ضعف الفكرة، بل بسبب ضعف من يتولى تنفيذها.

السؤال الآن: بطاقاتك البريدية ليست مجرد صور سياحية، بل تحمل محتوى اجتماعياً عن الصويرة.. هل تحاول من خلالها “أرشفة” الحياة اليومية لمدينتك خوفاً عليها من طغيان الطابع التجاري الصرف؟

حميد البوهالي: في هذه البطاقات حاولت أن أقدم نبذة وجيزة عن الطريقة التي كنا نشتغل بها في منشوراتنا، حيث كنا نعتمد على الهزل الذكي والنقد اللاذع، بأسلوب قريب من الناس وسهل الوصول إلى الجميع. لم يكن الهدف مجرد الرسم من أجل التسلية أو خلق الضحك العابر، بل تقديم صورة صادقة لما نعيشه، بكل ما فيه من جمال وتناقضات ومظاهر تستحق التأمل.

كنت أستعمل الهزل كمرآة تعكس بعض اعوجاجات المجتمع، وتكشف بعض السلوكات غير اللائقة التي أصبحت مع مرور الوقت مألوفة عند البعض، وهي في الحقيقة تحتاج إلى تنبيه وتصحيح.

أنا لا أنشر الهزل من أجل إضحاك الناس فقط، لأن الضحك عندي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة ذكية للوصول إلى العقول والقلوب. فالهزل في نظري أداة راقية، وأسلوب مرح وفعال لإصلاح المجتمع، ونقد العيوب دون تجريح، وإيصال الرسالة دون صدام مباشر.

فأحيانًا ضحكة واحدة صادقة قد تجعل الإنسان يراجع نفسه أكثر مما تفعل خطبة طويلة أو موعظة قاسية. ولهذا كنت أؤمن دائمًا أن الفن الساخر ليس لعبًا، بل رسالة تحمل روح الإصلاح في ثوب خفيف ومحبب.

السؤال الآن: كأحد ضحايا الاضطهاد في عهد البصري، كيف تنظر اليوم إلى وضعية حرية الصحافة والكاريكاتير في المغرب؟ هل تخلصت الريشة من “عقدة الخوف”؟

حميد البوهالي: لقد عشت مرحلة كان اسم البصري فيها مرتبطًا في أذهان كثير من الناس بالخوف والصرامة والتضييق، وعشت شخصيًا قسوة تلك السنوات، وتجرعت مرارة الاعتقال وما رافقه من معاناة داخل أقبية كوميسارية سيدي عثمان بالدار البيضاء. كانت فترة ثقيلة تركت أثرها في النفوس، ولا يمكن لمن عاشها أن يمحوها بسهولة من ذاكرته.

ورغم أن تلك المرحلة أصبحت من الماضي، وأن المغرب عرف بعد ذلك تحولات مهمة، فإن آثار الخوف لا تزول بسرعة، لأن بعض التجارب تترك في الإنسان حذرًا دائمًا، وتجعل الذاكرة أحيانًا أقوى من الزمن.

فالكاريكاتير في نظري يظل سلاحًا خطيرًا، لأنه ليس مجرد رسم عابر, بل كلمة بصرية نافذة قد تصيب الهدف مباشرة، وقد تنقلب أحيانًا على صاحبها إذا لم يكن المناخ متسامحًا مع حرية النقد. لذلك ظل هذا الفن في العالم العربي محفوفًا بالمخاطر، لأن الصورة الساخرة كثيرًا ما تُقرأ أكثر مما تُقرأ المقالات.

لقد كنت أحلم دائمًا بصحافة حرة، على شاكلة ما كنت أراه في الصحافة الغربية، صحافة تفتح المجال للنقد، وتحمي الاختلاف، وتعتبر السخرية جزءًا من الحيوية الديمقراطية. لكن الواقع بيّن لي أن الوصول إلى هذا المستوى ليس أمرًا سهلاً، وأن مجتمعاتنا ما زالت في حاجة إلى مسار أطول حتى تترسخ فيها حرية التعبير بشكل كامل.

ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الظروف بدأت تتحسن، وأن المغرب قطع أشواطًا مهمة مقارنة بكثير من المجتمعات العربية، خاصة في مجال النقاش العمومي ومساحات التعبير. وهذا تطور لا يمكن إنكاره، وإن كان الطريق ما زال مفتوحًا نحو الأفضل.

فما تحقق اليوم أفضل مما كان بالأمس، لكننا لم نصل بعد إلى السقف الذي بلغته بعض الديمقراطيات الغربية، حيث يستطيع الصحفي أو رسام الكاريكاتير أن يشتغل في مناخ أكثر اطمئنانًا وأقل توترًا.

أما أنا شخصيًا، فقد دفعت ثمن هذا المجال من عمري وأعصابي وتجربتي، ولذلك أشعر أن العودة إليه اليوم ليست أمرًا بسيطًا. لقد فقدت كثيرًا من القدرة على خوض تلك المعارك من جديد، لأن هذا الميدان عندنا، كما قلت دائمًا، الدخول إليه صعب، والخروج منه دراماتيكي.

ومع ذلك، سيبقى أملي قائمًا في أن تتحرر الريشة أكثر، وأن تخرج نهائيًا من عقدة الخوف، لأن المجتمع الذي يضحك من نفسه، وينتقد أخطاءه، هو مجتمع أقرب إلى التقدم من مجتمع يمنع المرآة من أن تعكس صورته.

السؤال الآن: تقاسمتَ مع ابراهيم لمهادي مرارة التوقيف والسجن وشرف المقاومة بالمداد.. ما الذي تود قوله للجيل الجديد من رسامي الكاريكاتير الذين يمارسون فنهم في الفضاء الرقمي اليوم؟

حميد البوهالي: تعرفت على إبراهيم المهادي خلال المؤتمر الثاني للرسامين المغاربة سنة 1964، وكان عمري آنذاك تسعة عشر عامًا. كانت تلك مناسبة مهمة جمعت أسماء مهتمة بفن الرسم والكاريكاتير، وفتحت أمامنا باب التعارف وتبادل التجارب في مرحلة كان هذا الفن ما يزال يشق طريقه بصعوبة.

وأذكر أن المهادي أُلقي عليه القبض صباحًا بسبب مزاولته رسمًا اعتُبر غير مرغوب فيه، ثم أُطلق سراحه في المساء، فلم يقض سوى يوم واحد في مقر الشرطة. أما أنا، فقد كانت تجربتي مختلفة وأقسى، إذ سجنت عشرين يومًا، ومُنعت بعدها من إصدار جريدة التقشاب، وهو ما يبين حجم الحساسية التي كان يثيرها الكاريكاتير في تلك المرحلة.

وكان إبراهيم المهادي ممنوعًا من نشر الكاريكاتير في عدد من الصحف، لذلك طلب مني ألا أنشر اسمه الحقيقي عندما ينشر رسوماته، خوفًا من المتابعات والمضايقات. وقد كان ذلك يعكس طبيعة تلك المرحلة.

وقبل منع التقشاب، عرضت على إبراهيم المهادي أن ينشر رسوماته في الجريدة، فوافق، لكن بشرط ألا يوقع رسوماته باسمه، وهو شرط كان يعكس طبيعة ذلك الزمن، حيث كان كثير من الفنانين يفضلون التخفي وراء أعمالهم خوفًا من المتاعب أو المتابعات.

أما نصيحتي للجيل الجديد من رسامي الكاريكاتير، فهي أن يحافظوا أولًا على العلاقة الأصلية بين الفنان وريشته وقلمه. فالرسم اليدوي يكشف شخصية الفنان، ويبرز طاقته الحقيقية، ويظهر قدرته على الخلق والإبداع بأسلوبه الخاص، لأن الخط المرسوم باليد يحمل روح صاحبه، ولا يمكن تقليده بسهولة.

أنا لا أرفض الوسائل الرقمية ولا الأدوات الإلكترونية، فهي جزء من عصرنا، ويمكن الاستفادة منها، لكنني أرى أنها يجب أن تبقى وسيلة مساعدة لا بديلاً كاملاً عن الموهبة واللمسة الفنية الأصيلة. ينبغي استعمالها باعتدال، وألا يعتمد عليها الفنان اعتمادًا كليًا، حتى لا تضيع بصمته الخاصة.

نحن في زمن الصحف الورقية كنا ننشر أعمالنا عبر مؤسسات لها مسؤولون في النشر، لا يمر إلى القارئ إلا ما رأوه صالحًا للنشر وفق شروطهم وحساباتهم. أما اليوم، ومع ظهور الوسائل الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن الرسامين الجدد محظوظون أكثر، لأنهم أصبحوا قادرين على نشر أعمالهم مباشرة، والوصول إلى جمهور واسع بكل حرية وسرعة.

ولهذا أقول لهم: استثمروا هذه الفرصة، لكن لا تنسوا أن قيمة الكاريكاتير ليست في سرعة النشر فقط، بل في قوة الفكرة، وصدق الجرأة، وجمال التنفيذ. فالأداة قد تتغير، لكن الفن الحقيقي يبقى هو الفن الحقيقي.

وفي الختام، تبقى تجربتي مع الكاريكاتير والصحافة الساخرة رحلة عشق ونضال، عرفت فيها الفرح كما عرفت الألم، لكنها علمتني أن الريشة الصادقة قد تُحارب، لكنها لا تُهزم. وسيظل أملي دائمًا أن يبقى الفن الحر صوتًا للناس، ومرآةً للمجتمع، ومساحةً للنقد الجميل الذي يبني ولا يهدم.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!