بورخيس: الأعمى البصير في متاهات الشرق (1-2)
المعطي قبال
بورخيس ومديح الخزي
في نصوصه، سواء الشعرية منها أو النثرية، ثمة تعددية تبوغرافية تحيل على المتاهة، البرية، المدارات الهندسية، على الأبدية كذلك… هي نصوص تقع ما بين السماء والأرض مثل رواية «ما بين السماء والأرض» بتوقيع بورخيس وسيلينا أوكامبو. بمعنى أن كتابة بورخيس تسبر كل المجالات والفضاءات. تقوم بمسح تبوغرافية المتاهات، الأبراج، الصحاري، البر والبحر… تحدوها رغبة إلى بلوغ الأبدية. من «كتاب الرمل»، إلى نصوص «الألف»، «متخيلات»، «قرابة البحر»، «جنوب»، «وقائع مختلفة»، «تاريخ الخزي» الخ… تحضر أمامنا في كل مرة أمكنة هلامية، استيهامية، تقع ما بين المكان واللامكان. ما بين المرئي واللامرئي. هذا العالم الرحب هو على شاكلة اهتماماته ومساره ذو المسارب والانعراجات المتعددة: فهو ناقد صحفي، شاعر، كاتب قصة قصيرة، كاتب رواية بوليسية رفقة أدولف بيو كاساريس، رئيس تحرير مجلة سور (جنوب)، كاتب كلمات أغاني، موظف بالخزانة الوطنية قبل أن يطرد من منصبه بسبب مواقفه المناهضة للحكم البيروني، عمل مفتشا على أثر هذا الطرد، مفتشا للأرانب والدواجن بالأسواق العمومية. بورخيس هو كل هذا وغيره من الانتماءات والالتزامات والأشغال. كتب قصائد شعرية في البداية مثل قصيدة «نشيد للبحر» قبل أن يجعل من الشعر والقص أفقا للكتابة.
تتراوح مضامين نصوصه بين المعالجة الميتافيزيقية واللاهوتية، بين شكية العدم ونيهيلية الميتافيزيقا.. في قصة «الحكيم المقنع» نحن بصدد أمكنة تتعدد لتتلاشى كما هو حال الحكيم المقنع الذي يتموقع ما بين الخفاء والتجلي. لعبة المرآة بين المكان والذات بينة هنا.
صدرت حكاية «الصباغ المقنع، حكيم ميرف» عام 1935 في مؤلف بعنوان «التاريخ الكوني للخزي» والذي يتألف من سبعة نصوص قصصية. أما النص الأصلي الإسباني فيحمل عنوان: El tintorero enmascarado Hakim de Merv
تعتبر «حكاية النبي المقنع» من أوائل النصوص التي كتبها بورخيس وهو في سن 36 من عمره. إلا أن الكاتب والمترجم الفرنسي روجيه كايوا ساهم بشكل كبير في إخراج بورخيس من مجاله الصحافي الضيق الى مجال أرحب بحيث ترجمه وعرف بنصوصه لدى القارئ الفرنسي. ترجم روجيه كايوا نصوص «الألف» و«تاريخ الخزي» وهما من أبرز نصوصه القصصية. تعرف في كتابته على نمط مميز وغير مألوف.
كان هذا الكتاب وراء شهرة بورخيس ككاتب مميز في مجال النثر. فتح مجالا باروكيا للكتابة القصصية ثم الروائية فيما بعد. ينضاف أسلوب الرواية للأسلوب الفانتاستيكي، وللواقعية السحرية. وتندمغ نصوصه بتوقيع يحيل على “التشويق اللاهوتي”، “الأخلاق السردية”، الرياضيات التخييلية، والذاكرات المبتكرة الخ… تأخذ هذه الحكاية التي تتألف من تسعة صفحات، في كل مرة عنوانا خاصا. إن بقي المترجمون، روجيه كايوا، لور غي باتايون وخوليو كورثار على مقربة من العنوان الكلاسيكي الشائع «الصباغ المقنع حكيم ميرف» فإن بورخيس يتحدث تارة عن « حكيم المقنع » وتارة أخرى عن «النبي المقنع» …
في ترتيب القصص، جاءت الحكاية في المرتبة السابعة والأخيرة. ولا ندري إن كان اختيار ترتيبها صادر عن قصد أم هو اختيار اعتباطي. وبما أن بورخيس لا يتهاون مع الرموز والعلامات والأرقام، فمن المحتمل أن تحيل هنا رمزية رقم 7 إلى القداسة والزمن (سبعة أيام وليالي، سبع سماوات). على أي فالرقم 7 غالبًا ما يرتبط بالكمال والاكتمال بسبب وجوده في الطبيعة (أيام الأسبوع، ألوان الطيف، نوتات الموسيقى، إلخ.)، مما يجعله رقمًا مميزًا في العديد من السياقات الثقافية والدينية. تخلى المترجمون عن كلمة “عالمية” أو “كونية” للاحتفاظ بعنوان محايد تاركا للقاريء عناية استنتاج الطابع الكوني للخزي. لأن هذا السلوك فعل مشترك ما بين البشر والكل يحاول باسم الدين والأخلاق تجنبه أو التبرم منه.
في مديح الخزي
تندرج حكاية «النبي المقنع» ضمن مؤلف أعم هو «الحكاية العالمية للخزي». في ترجمته الفرنسية جمع الكاتب والمترجم روجيه كايوا، بالتعاون مع لور غي باتايون وخوليو كورثار، جمعوا ما بين مؤلفين هما : «تاريخ الخزي» و «تاريخ الأبدية» . صدرت ترجمة الكتاب عام 1936 وقد قبل بوريس باقتراح كايوا بجمع المؤلفين الإثنين معا في نفس المؤلف: «تاريخ الخزي وتاريخ الأبدية». لكن نجدنا هنا أمام عنوان يطرح إشكالا عويصا وجب تفكيكه ويتعلق بكلمة تاريخ*.
أولا كلمة« تاريخ » هنا، بالمعنى البورخيسي تحيل لا على مفهوم التاريخ كما هو متعارف عليه، (تاريخ البلدان والشعوب والأفراد)، بل تحيل إلى عالم القص والحكي والتسجيل، هو الذي جعل من الحكاية والحكي مرتع مخيله النابض. لذا بدل كلمة تاريخ من الأجدى استعمال كلمة « حكاية » لأن بورخيس لا يحقق في الخزي وهو مبدئيا سلوك مشين ولا أخلاقي، بل يسرد على القاريء محكيات لأشخاص واقعيين أو وهميين غير معروفين امتهنوا الخزي، الرذيلة، العار، وأقاموا في أحضانها. لذا فإن كلمة Historia et Histoire ، تحيل إلى Récit . وإلى مفهوم Uchronie وهو مفهوم أصبح شائعا في مجال الأدب والسوسيولوجيا.
في النص يسلط الكاتب الضوء على السلوك المخزي والمشين لهؤلاء الأشخاص. لا يحكم على تصرفاتهم بل يكن لهم المديح والإعجاب. «عالمية» أو «كونية» هؤلاء الأشخاص تحيل إلى انتمائهم، كل على حدة، إلى بلد من البلدان: أمريكا اللاتينية، أوروبا ….(الشمالية أو الشرقية)، العالم المشرقي. ونذكر في سياق الرواية كلا من لازاريس موريل، توم كاسترو، الأرملة الصينية تشينغ، مونك إيستمان، بيل هاريغان ثم حكيم المقنع، «أبطال» امتهن وعاش جميعهم في أحضان الرذيلة. وهو يسهر الليالي مع هؤلاء الأوغاد والأوباش، لربما صدرت عن بورخيس قهقهات نيتشية سخية.
في أحضان الرذيلة، كل واحد من هؤلاء «الأوباش» يكتب تاريخه الخاص، إما بحد السكين، وإما بحد السيف أو المسدس. وهو تاريخ يحمل توقيع الدم والبطون المبقورة والرؤوس المقطوعة. بقدر ما تحاول هذه العينات تأسيس تاريخها الخاص، بقدر ما تخرج عن القانون. لذا تبقى الأخلاق والقانون والحق خارج نطاق إدراكهم وفهمهم. أي أن كل ما يؤسس للعلاقات الاجتماعية أو ما يعرف بـ «العقد الاجتماعي» بالمفهوم الذي تحدث عنه جان-جاك روسو، هو من دون قيمة بالنسبة لبورخيس المبدع الروائي. لذا فإن تفكيك العقد الاجتماعي يشغل حيزا كبيرا من الكتابة. حل العقد يفضي إلى الحرية، حرية التخييل، حرية الكتابة والتأليف. لذا كان بورخيس دائما حرا لا يتردد في كسر الأصنام والتابوهات.
في قصة «الحكيم المقنع»، لم يتردد في معالجة النبوة والنبوة المزيفة التي تبهر الجماهير وتشد إليها أتباعا تتملكهم رعشة الخوف والرهبة. الخوف هو إذا أحد العناصر المؤسسة لهذه الحكاية. الخوف من سلطة النبي المقنع، من قناعه والنظر إليه أو رؤيته كي لا يصيبهم العماء.
في اللغة العربية ثمة ثراء في مسميات الشخص الذي يرتكب الخزي. يمكن ان نطلق عليه النذل أو الخسيس، الوضيع، التافه، الحقير، الدنيء… في الأخير نجدنا أمام سلوكات لا أخلاقية خارجة على نطاق ما هو متعارف وإنساني. غير أن بورخيس لا يتعامل مع الخزي والعار من باب أخلاقي، بل ينظر له كمادة سردية وتخييلية تتمتع بمسار، بتاريخ يتخلله التشويق، الحركة، الفعل، من قتل، سرقة، وحتف. وعليه يرد بورخيس الاعتبار للحقراء والأوباش وذلك بالكشف عن حياتهم البئيسة أو اللئيمة وبتقريبهم من القاريء. في هذا الباب يمكن قراءة: «تاريخ الخزي» أو حكاية الخزي.
أنبياء مزيفون
تطرح القصة أيضا مسألة انتحال النبوة. حكيم المقنع شخص يحجب نبوة مزيفة، مموهة. مثله مثل مجموعة من الأنبياء، فشل مشروعهم الثوري أو الديني مثل بلعم الذي يعرف به على أنه نبي حاول إنزال اللعنة بإسرائيل بسبب المال. أو سيديسياس الذي يقدم كنبي مزيف والذي حاول غش الملك عشاب بوعده بالنصر. في الإسلام برز أنبياء مزيفون أمثال: مسيلمة الكذاب، وحشي ابن حرب، (وهو عبد إثيوبي ادعى النبوة قبل أن يعتنق الإسلام وكان من وراء قتل مسيلمة)، طليحة بن خويلد الأسدى، والأسود العبسى، كما ادعت النبوة امرأة تدعى «سجاح الكاهنة»، تزوجت من مسيلمة. حارب هؤلاء الأنبياء المزيفون الإسلام لكنهم لم يكسبوا أتباعا ولم تنتشر التعاليم التي دعوا لها. لكن بورخيس فضل نسج قصة نبوة تخرج على نطاق كتب السير، التاريخ والتقاليد بتركيبه لحكاية النبي المقنع، حكيم الصباغ، مع العلم أن الذين يمتهنون حرفة الصباغة كما ورد في الإسلام مأواهم النار! .
الشرق والاستشراق كمادة للحكي
يسكن الشرق العميق هذا النص. إيران وأقاليمه تركستان، سنام …تتأتى هذه العناية إلى ميله لقراءة الأدب والثقافة الإنجليزية في شقها الاستشراقي. كانت القراءة بالنسبة له وفي غياب تنقلاته وارتحالاته بسبب فقدانه للبصر، سفرا حافلا وذلك باكتشافه لعوالم خيالية وتخييلية ناذرة هو الأعمى والبصير. هكذا قرءت عليه الليالي بمغامراتها وتشويقها ولهفتها السردية. اعتمد بورخيس بالأساس على النسخة الإنجليزية لألف ليلة وليلة. وقد صدرت هذه النسخة في ترجمة من ستة أجزاء أنجزها جونهاتان سكوت عام 1811 مصححا نسخة غالان التي صدرت في إثنى عشر جزءا ما بين 1704 و 1717 وكان لها أثر بالغ على الثقافة الغربية. تلت هذه الترجمة تلك التي قام بها هنري ويتلوك تورينس. دون الحديث عن قراءته بالفرنسية لترجمة أنطوان غالان، هو المتمكن والمتقن للعديد من اللغات. ماردريس هو أيضا من بين المترجمين المميزين الذين اعتمد بورخيس على ترجمتهم لألف ليلة وليلة. ولد ماردريس بالقاهرة عام 1868 وتوفي بباريس سنة 1949. كان رحالة وأحد المنشطين للحياة الثقافية الباريسية. كان عاشقا للأزهار، للأحجار الكريمة وفن التصوير. ترجم الليالي في 16 جزءا ولم ينفض عن النصوص حمولتها الجنسية وذلك بتشديده على الالتواءات الجنسية العاشقة الموجودة في النسخة الأولى لأنطوان غالان.
على أي كانت ألف ليلة وليلة بالنسبة للغرب مجالا للحلم ورحلة في مسارات الخيال. وقد قرب المترجمون الذين كانت لهم وظيفة الوساطة، حميمية الشرق من الغرب. علاقة هؤلاء المترجمين بالشرق والإسلام كانت قبل كل شيئ علاقة لغة وعشق باللغة العربية وبأسرارها. نظروا للشرق على أنه آخر، l‘Orient comme autre، عصي عن المقاربة والفهم. لكن رغبتهم في سبر أغواره، متكئة على أيديولوجية كولونيالية، دفعت بفضولهم إلى منتهاه. وكانت ألف ليلة وليلة الرابط والمرجع. كما أنها ساهمت في ولادة الاستشراق بصفته فكرا ومعرفة.
تشبع بورخيس بالروح الاستشراقية، بمادتها، تراجمها وإنجازاتها. ويشير إلى المصادر الاستشراقية التي كان لها وقع على مشغوله القصصي، مثل أعمال كل من ريشار فرنسيس بيرتون، جوناتان سكوت، ميغيل آسين بلاثيوس، المتخصص في شؤون التصوف الإسلامي الأندلسي، وقد لعب هؤلاء دورا حاسما في شحذ مخيله مع تقريبهم الغرب من الشرق.
عمل ريتشارد فرانسيس بيرتون قنصلا، قام بترجمة الليالي بنبذه لما قام به إدوارد وليام لان الذي أنجز ترجمة لثلاثة أجزاء لألف ليلة وليلة ما بين 1839 و1841 باعتماده على النسخة العربية. كان ريتشارد بيرتون مستشرقا «محترفا» . اشتغل على النص القرآني بعد ترجمته للقرآن. كما كان يجيد الحديث بـ 29 لغة وعدد كبير من اللهجات، وقام بترجمة العديد من النصوص الأصلية من أمهات الكتب العربية إلى الإنجليزية، مثل “حكايات ألف ليلة وليلة”. كما راجع، بل فند، الترجمات التي سبقته لألف ليلة وليلة. جوناتان سكوت قدم ترجمة لليالي في ستة أجزاء عام 1811 وذلك بمراجعته للترجمة التي أنجزها أنطوان غالان.
فتنة بورخيس بالشرق تبقى فتنة بمجال يبعث على الخرافة، والأسطورة، والحكي الاستيهامي. فهو خزان للسرد الميتافيزيقي. الشرق كتاب مفتوح وفر لبورخيس العديد من المحكيات والسرديات في فترة عرف فيها الاستشراق تألقه كأيديولوجية تقوم على التمييز والنمطية وأفضلية الغرب على الشرق. لم ينتقد بورخيس الاستشراق بقدر ما وظفه كمادة كتابة وتخييل. ألفت أبحاث وكتبت أطروحات عديدة عن علاقة بورخيس بالإسلام وفتنته بالشرق. نشير في هذا الصدد إلى البحث الذي أنجزته كلوديا بلانت بجامعة كليرمون فيرون عام 2024 تحت عنوان « ثقافات وديانات الغرب والشرق في نتاج بورخيس ». وخصصت قسما لقيمة بورخيس والإسلام في عنوان «إسلام بورخيس. المدخل إلى الشرق». / يتبع/
