الشاعر المصري الكبير سمير عبد الباقي يترجل عن صهوة الكلمة

الشاعر المصري الكبير سمير عبد الباقي يترجل عن صهوة الكلمة

غياب:

       غيّب الموت شاعر العامية المصري الكبير والمثقف العضوي، سمير عبد الباقي، عن عمر ناهز 87 عاما، واضعا بذلك خط النهاية لمسيرة حافلة بالعطاء الأدبي والإسهامات الفكرية التي تركت بصمة لا تُمحى في الوجدان الثقافي المصري والعربي.

ويُعد الراحل أحد أبرز رموز الجيل الثاني لشعر العامية في مصر، إذ تميز بتجربة استثنائية زاوجت بين الانحياز المطلق لفقراء الوطن، والتشبث الدائم بالتراث الشعبي، فضلا عن صياغته لوعي الطفولة وعالمها المبهج من خلال نوافذ مسرح العرائس وخيال الظل.

في 15 مارس من عام 1939، شهدت قرية “ميت سلسيل” بمحافظة الدقهلية ميلاد سمير عبد الباقي، حيث نشأ في أحضان بيئة ريفية خصبة، انغرس طينها وتفاصيلها في لغته الشعرية، وصاغت مفرداته وصوره الدارجة.

وعلى الرغم من مساره الأكاديمي العلمي ونيله بكالوريوس الاقتصاد الزراعي، إلا أن شغفه الفني قاده لصقل موهبته بدراسات عليا في المعهد العالي للفنون المسرحية. هذا المزيج الفريد أهّله لإدارة العمل الثقافي الميداني بكفاءة عبر مناصب رسمية هامة بوزارة الثقافة، كان من أبرزها: مدير عام الثقافة العامة بالثقافة الجماهيرية، ومستشار ثقافي لقطاع الفنون الشعبية، ومدير عام للإدارة العامة للتفرغ.

بدأ عبد الباقي رحلته الإبداعية من بوابة شعر الفصحى، لكن نبض الشارع جذبه سريعا نحو العامية المصرية، مقتنعا بأنها الوسيط الأقرب لقلوب وعقول البسطاء. وباعتباره شاهدا على تحولات ثورة يوليو 1952، تشرّب الشاعر قيم العدالة الاجتماعية والحلم القومي، وهو ما تجلى في نشاطه الوطني والصحفي، حيث ساهم في تأسيس وتحرير جريدة «صوت الفلاحين» الحاملة لشعار الأرض والديمقراطية، وشارك في تحرير جريدة «المقاومة الشعبية» إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

أثمرت رحلته الطويلة قرابة أربعين ديوانا شعريا حتى عام 2022، ومثّلت نصوصه حالة فريدة تتدفق بلغة دافئة مستلهمة من يوميات الريف والمدينة الشعبية، ومفعمة بعمق فكري يتجاوز السطحية، مع ميل جليّ للموسيقى الداخلية والانتصار لقضايا الحرية والكرامة الإنسانية. ورغم امتلاكه صوتاً تأمليا خاصا، إلا أن روحه الشعرية ظلت تحلق في فلك رواد العامية الكبار كصلاح جاهين، وفؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي.

***

لم تكن الثقافة الشعبية في قاموس سمير عبد الباقي مجرد “فولكلور” جامد معروض في المتاحف، بل كان يراها ذاكرة حية تنبض بالحياة. من هذا المنطلق، سخر قلمه لخدمة أدب الطفل وفنونه، مؤمنا بحق الطفل في مادة إبداعية تحترم عقله وخياله دون السقوط في فخ التلقين المباشر.

وقد تجسد هذا المشروع في الدواوين الشعرية: تخصيص 6 دواوين كاملة للأطفال. وفي كتاباته البارزة في مجلة الأطفال الشهيرة «سمير»، وجهوده الميدانية لتطوير مسرح الطفل، ومشروع العرائس، وفنون الحكي داخل المؤسسات الثقافية، إيماناً منه بقدرة المسرح الشعبي على كسر عزلة النخبة والوصول بالرسالة الإنسانية للجمهور العريض.

رحيل هادئ وإرث لا يموت

رحل سمير عبد الباقي في هدوء يشبه تفاصيل حياته؛ فرغم أنه لم يركض خلف الصخب الإعلامي الذي أحاط ببعض أبناء جيله، إلا أن النقاد والمثقفين ظلوا ينظرون لتجربته بتقدير واحترام رفيعين، معتبرين إياه نموذجا حيا لـ “المثقف المخلص” الذي ترفع عن الأضواء انتصاراً للقيمة الفنية.

تتجلى قيمة إرثه اليوم في كونه وثيقة حية تعكس تطور شعر العامية المصرية وسياقها الاجتماعي، وتقدم درسا بليغا في كيفية دمج الأدب بالتراث الشفوي كالسير الشعبية والأغنية الشعبية. غاب جسد الشاعر، لكنه ترك خلفه زادا أدبيا وإنسانيا غزيرا يؤكد أن الثقافة لم تكن يوما ترفا نُخبويا، بل هي كبسولة وعي، وخبز يومي يُعجن من طين الأرض وأصوات الطيبيّن.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!