وثيقة: اليسار المغربي ومخاضات التجميع.. التاريخ يعيد المساءلة
وثائق:
في أركيولوجيا التجميع ومنعرجات اليسار السبعيني
♦ تكتسي هذه الوثيقة/الورقة التي نعيد نشرها اليوم قيمة أركيولوجية وسياسية استثنائية، إذ لا تمثل مجرد محضر اجتماع، أو رصد لمواقف عابرة، بل تشكل وثيقةً جيلية تختزل مخاضات الوعي السياسي لليسار المغربي، تحديدا فصائل اليسار الجديد/ السبعيني، في واحدة من أدق مراحل تحولاته التنظيمية والإيديولوجية بمدينة الدار البيضاء.
تنبع الأهمية النقدية للوثيقة من توثيقها الباكر لما اصطُلح عليه بسيرورة التجميع.. وهي السيرورة التي لم تكن مجرد رغبة تقنية في رصّ الصفوف، بل كانت تمرينا نقديا وقاسيا قاده مناضلون يساريون منخرطون في أسئلة المراجعة، والانتقال من منطق السرية والمنظمات المغلقة إلى أفق العمل العلني الجماهيري، في مناخ وطني ودولي كان يعيد تشكيل خارطة الصراع السياسي ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد كشفت اللقاءات الوطنية التي تلت هذا الاجتماع، وعبر عدة منعرجات حاسمة، عن عمق التباينات الإبستمولوجية والسياسية داخل هذا الحراك. وهي التباينات التي لم تصمد أمامها إرادة التجميع طويلا، لتصل السيرورة في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي إلى مفترق طرق تاريخي وتأسيسي، أعلن بشكل موضوعي عن نهاية زمن “البروتوكول الوحيد” لليسار السبعيني، وميلاد زمن التعددية التنظيمية داخل العائلة السياسية الواحدة. تجلت هذه النتيجة في تبلور ثلاثة إطارات ومسارات متمايزة، لكل منها قراءته الخاصة لشروط الصراع وآفاق التغيير في مغرب التسعينيات:
– الحركة من أجل الديمقراطية: التي اختارت استكشاف أفق العمل الديمقراطي والمجتمعي برؤية تجديدية.
– النهج الديمقراطي: الذي تمسك بالامتداد الجذري لأطروحة التحرر الوطني والاجتماعي بخلفية ماركسية لينينية واضحة.
– الديمقراطيون المستقلون: الذين ركزوا على نسبية الانتماء الحزبي الضيق لصالح الانفتاح على الفضاء الحقوقي والمدني.
إنَّ إعادة نشرِ هذه الوثيقة اليوم، في سياقِ الدينامية الراهنة المتمثلة في انبثاقِ”‘تحالف اليسار” ،الذي أُعلنَ عنه الأربعاء الأخير بالدار البيضاء بين الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي، لا تأتي من باب النوستالجيا السياسية أو الاستغراق في الماضي، بل هي دعوة نقدية ملحّة لمساءلة الذاكرةِ السياسية لليسار، وقراءة مآلات الحاضر في ضوء منطلقات الأمس. إنها تقديم مادة خام للباحثين والمناضلين على حدٍ سواء، لتفكيك آليات الحوار الداخلي، وفهم كُنه الصراعات التنظيمية، كيف تُصنعُ التوافقات؟ وكيف تُدارُ الخلافات؟ وكيف ينتهي الرحمُ الإيديولوجي الواحد إلى خيارات ومسارات متباينة، قبل أن تُعيد جدليةُ الواقعِ فرض سؤال العمل المشترك من جديد ♦
السؤال الآن
النص الكامل للوثيقة بصياغة حملت توقيع محمد الوافي:
ما لا يجوز استمراره في حركتنا لتحقيق العمل الجماعي
لقد تبين منذ انطلاق النقاش بين مجموعة من الرفاق منذ صيف 1992 أنه لم يتم بعد استيعاب أهمية وضرورة حاجتنا إلى أرضية لتوجيه نضالنا في كافة المجالات، بحيث أن البعض يرى أن الوضعية الحالية لا تفرض ضرورة صياغة أرضية تحدد المنطلقات والأهداف والبرنامج النضالي، بل في نظر هؤلاء الرفاق أن المسألة الملحة تتمثل في تطوير وتدعيم المبادرات المحلية والأشكال التنظيمية المتولدة عنها، والتركيز على الحركية ويصبح بذلك تأجيل صياغة الأرضية معقولا وفق هذا الرأي لأنها تفتقد إلى قاعدة.
قد يتبادر إلى الذهن وفق هذا المنظور أن أي خطوة عملية إلى الأمام، وأي تقدم فعلي أحسن من دزينة من البرامج. لكن الذي يجب التأكيد عليه هو أن أي عمل نضالي لا يرتكز على أرضية يتولد عنه التخبط والارتجال، لأن تحديد المنطلقات والأهداف يكتسي أهمية بالغة لتحقيق الانسجام في العمل النضالي وضمان استمراريته. لهذا فمن البديهي أن أهمية الأرضية تكمن بالضبط في أنها من ضرورات وحاجيات الحركة النضالية نفسها. إن السؤال الملح بالنسبة لحركتنا في الوقت الحالي ليس تدعيم الحركية في أشكالها العملية الحالية المتفرقة التي تغديها العقلية الحلقية، بل المطروح هو توحيد وتنظيم حركتنا. ولكي نتمكن من تحقيق هذه الخطوة يلزمنا صياغة أرضية تشتمل على منظوراتنا الأساسية، وتحدد بدقة مهماتنا السياسية المباشرة والنقط البرنامجية التي سيتمحور حولها نشاطنا الجماهيري وإعطائه بعدا وحدويا يشمل مجالا واسعا لتحويل العمل الحلقي حول قضايا جزئية ومعزولة إلى عمل جماعي واسع يتمحور حول مهام حركة اليسار الجديد ضمن الحركة الجماهيرية.
إن العمل المحلي والمتفرق يؤدي الى تعدد وتضحم العلاقات والولاءات الشخصية، وينمي العقلية الحلقية وينتج عنه استنزاف وهدر الطاقات، في حين أن العمل الممنهج في إطار نضالي موحد يمكن من التطبيق المنهجي لتوزيع المهمات وتحديد المسؤوليات الجماعية والفردية، واقتصاد الطاقات، وهذه المسألة ضرورية لتقليص حجم الخسارات وتجاوز الحلقية نحو توحيد الطاقات.
قد يأتي الاعتراض على تشديدنا على أهمية صياغة الأرضية من أن الوقت غير مناسب لهذا الغرض، لأن من شأنه أن يؤدي إلى بروز الخلافات في صفوف حركتنا وبين مناضليها، وانطلاق سجالات فيما بينهم، أو نقاشات قد لا تنتهي. وهذا الاعتراض على العكس من ذلك حجة إضافية لصالح صياغة الأرضية، من جهة لأن السجال سيمكن أثناء نقاش محاور مشروع الأرضية من أن جميع وجهات النظر وكل الحساسيات ستعبر عن نفسها في واضحة النهار، وسيتم مناقشة المشروع بشكل معمق، من خلال التعرض ودرجة الاهتمام بالقضايا المعقدة والعامة التي تتعلق باهداف حركتنا ومهماتها الآنية والبعيدة. وهذا الاهتمام في حد ذاته ضروري لمناقشة المشروع. من جهة ثانية لكي لا يتحول السجال إلى سجال عقيم وينحدر إلى صراعات ذاتية، ولكي لا يؤدي إلى الضبابية الفكرية والمغالطات والخلط بين الرفاق والأعداء، فإن مهمته ستنصب على القضايا المرتبطة بالأرضية، إن السجال لا يمكن أن يكون منتجا إلا إذا ساهم في تحديد نوعية الخلافات الموجوده وإلى أي حد تعتبر عميقة، وهل هذه الخلافات تهم الجوهر أو القضايا الجزئية، وهل تسمح أو لا بالعمل الموحد ضمن نفس الإطار السياسي. إن الجواب على هذه الأسئلة لن يتم إلا إذا تمحور النقاش بشكل صريح وواضح حول القضايا المتعلقة بالأرضية. وبالتأكيد فإن صياغتها لا يجعل حدا لاستمرارية السجال، ولكنها على الأقل ستحدد المنظورات الأساسية لطبيعة أهدافنا ومهمات حركتنا. هذه المنظورات التي ستحافظ على وحدتنا وانسجامنا على الرغم من الاختلافات التي يمكن أن تبقى قائمة بيننا حول بعض القضايا الجزئية.
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة أنه لولا السجال الايديولوجي والسياسي المكثف الذي شهدته حركتنا في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لأول مرة بشكل علني وجماهيري، وشمل العديد من القضايا (ومن ضمنها التي كانت في عداد المقدسات) لولا هذا السجال لما تم تصحيح العديد من الرؤى والتصورات الخاطئة بشكل نسبي، ولما تم كذلك تجاوز الأحقاد والذاتيات بشكل نسبي كذلك، والرجوع إلى ضوابط العلاقات الرفاقية. مما يوضح بشكل لا يدع مجالا للشك، أن النقاش والسجال الديمقراطي يوطد العلاقات النضالية على أسس متينة، كما أنه يساهم في اكتساب الوضوح النظري والسياسي حول القضايا المرتبطة بمعضلة التغيير الديمقراطي ببلادنا.
من هذا المنطلق فإن الهروب من مواجهة القضايا الأساسية لرسم توجهات عملنا اتضح جليا، سيما بعد مرور ثمانية أشهر، ونحن ما نزال ندور في حلقة مفرغة. فقد تم التهرب من مناقشة “مشروع أرضية مفتوحة لمناضلي وأنصار اليسار الجديد” كخلاصة تركيبية للنقاش الذي دار بين الرفاق. وتم التعامل كذلك مع النقاش الذي انطلق بين مجموعة من الرفاق والرفيقات في منطقة الرباط/سلا بنوع من الترقب والانتظار. وبعد صياغتهم الأرضية على ضوء ذلك النقاش بدأت تظهر بعض الانتقادات حول أعمال ونقاشات الرباط/سلا، وغالبا ما يتم تداول هذه الانتقادات في دوائر مغلفة. وتستدعي النزاهة الوقوف عند هذه الانتقادات الموجهة إلى رفاق الرباط/سلا بدعوى طول النقاش والتمطيط الحاصل فيه، واعتبار العملية فضلا عن ذلك تتم على هامش التطورات المتسارعة للوضع السياسي… إن هذه الانتقادات في حدود معينة تعتبر مجانية لأن الأجدر بنا أن نوجه النقد إلى أنفسنا حول ماذا أنجزناه في هذا المجال طوال الثمانية أشهر التي خلت، ولماذا لم ننخرط في النقاش الجماعي فيما بيننا حتى يتم انصهار عملنا مع عمل رفاق الرباط/سلا، وتداول الأفكار والملاحضات والانتقادات فيما بيننا ليحصل التكامل بين أعمالنا. هذا هو السؤال المطروح.
حتى لا يكون هذا الكلام عاماً، سيكون من المفيد الانطلاق من بعض الوقائع الملموسة، من خلال تجربتنا طوال هذه المدة، حيث أن النقاشات اليتيمة التي دارت بيننا في الجلسات الخمس الأولى، من بين العديد من الجلسات، يتضح بشكل جلي وجود خلافات تتطلب نقاشات معمقة. ويتعلق الأمر في البداية حول الموقع النضالي لممارساتنا، أو بتعبير آخر، ضمن أي مسار يندرج نضالنا؟ وأثناء المناقشة العامة أو خلال تدقيق صياغة “بيان من أجل الديمقراطية”(1)، تمحور النقاش حول مسألة فصل السلط، إذ أن بعض الرفاق اختزلوا المسألة في صيغة شعارية، كشعار للمرحلة، في حين اعتبر الرأي الآخر أنه لا يمكننا اختزال تصورنا تحت سقف هذه الصيغة، دون الحديث عن المضامين المتعددة التي تحتوي عليها. وبصدد الموقف من الدستور الممنوح، كان هناك من يرهن موقفنا أو يطرح ضرورة تكييفه مع مواقف باقي القوى الوطنية. والرأي الاخر يطرح اتخاد الموقف من موقع المبادرة، لاسيما أن الرهانات داخل أحزاب الحركة الوطنية الديمقراطية لا تحتمل التريث، لترجيح كفة المواقف السليمة (أي مقاطعة التصويت على دستور 1992). وفي مناقشة الموقف من الانتخابات الجماعية توزعت المواقف بين المقاطعة والمشاركة والانكفاء، وخلال هذه المدة تطرح من حين لآخر مسألة الإطار السياسي. وهنا لابد من الإقرار على أن هذه الإشكالية حولها إجماع من حيث المبدأ، أما الخلاف الحاصل فهو من يطرح تشكيل الاطار الآن بدون تحديد لمنطلقاته وأهدافه. ومن يعتبر أن التسرع لخلق إطار يفتقد للمصداقية ولا يخرج عن إطار العمل الحلقي.
هذه بعض القضايا التي حصل فيها التباين فيما بيننا، والمعضلة ليست في وجود هذا التباين أو الاختلافات، بل تكمن في عدم اعتماد النقاش الديمقراطي لحسم هذه الاختلافات عن طريق الاقناع والاقتناع كقاعدة لتوضيح الرؤيا وتجاوز الخلافات. ولقد كان من اللازم الإشارة إليها حتى لا يعتبر البعض ان هذه الصراعات ليس لها موضوع. وإذا كان “بيان من أجل الديمقراطية” و “بيان مقاطعة الاستفتاء على دستور 1992″(2)، ثمرة للعمل الجماعي والنقاش الديمقراطي، قد كان لهما تأثيرهما في مجربات الصراع السياسي (رغم محدودية هذا التأثير)، وإذا كان منطلق إصدار البيان هو لكي يلعب دورا معنويا في صفوف المناضلين ، لكن عدم الشروع في إنجاز المهام التأسيسية بموازاة البيانات، جعل هذا التأثير يندثر ويتراجع، وتطرح التساؤلات حول جدوى الاستمرار على هذا المنوال.
وهنا لابد من طرح هذا السؤال؟ ألا تشكل آليات العمل الحلقي التي تستنزف الطاقات، وبالتالي تعدم إمكانية تحقيق العمل الجماعي من بين العوائق الرئيسية التي تجعلنا ندور في حلقة مفرغة ولا نتقدم بالشكل المطلوب؟
بعد تحديد الأهمية التي تكتسيها الأرضية في نضالنا نرى لزاما علينا الإقرار بأن هويتنا لها ارتباط وثيق بحركة اليسار الجديد، وفي هذا الصدد غالباً ما تتجه الأنظار إلى التنظيمات التي برزت في بداية السبعينات من القرن الماضي عندما يتم الحديث عن اليسار الجديد. لكن الحقيقة ليست كذلك لأن حركتنا لا يمكن اختزالها في تلك التنظيمات، بالإضافة إلى هذا فإن المرحلة السابقة شهدت تطورات وتحولات كمية وجب أخدها بعين الاعتبار. فمن الخطأ الشائع اختزال الحركة في تلك التنظيمات التي شهدت بدورها عدة تحولات: منها من تقوقع في إطار العمل الشرعي النخبوي، ومنها من حل نفسه والتحق بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، ومنها من حل نفسه عمليا دون إعلان ذلك من منطلق أن تطور الحركة يستدعي أساليب نضالية جديدة تتماشى وتوسعها الكمي، ومنها من لا زال متشبتا بالشكل التنظيمي السابق…
والأهم في كل ما سبق أن حركة اليسار الجديد لعبت دوراً لا يستهان به في إخراج الحركة الوطنية الديمقراطية من انتظاريتها. وأعطت للحركة الجماهيرية نفسا نضاليا انعكس إيجابيا على مجمل الحركة السياسية المعارضة للنظام، فضلاً عن أن الصراع الايديولوجي والسياسي الذي مارسته كان له أثر بارز في صياغة الاختيارات الايديولوجية لبعض الأحزاب الديمقراطية.
لذلك فإن من يحاول اقتلاع هذا الاسهام النضالي من ذاكرة المناضلين والمناضلات، أو يعتبر ان حركة اليسار الجديد انتهت، ليس فقط أنه يسيء إلى هذه الحركة، بل يقوم من حيث لا يدري بإعدام نفسه، ويكشف هذا الطرح العدمي عن جهله بمسار هذه الحركة، ومن تم ينتج عن ذلك الغموض الذي يرجع إلى عدم إدراك تحولاتها. وعوض الدفع بالتراكمات الكمية الحاصلة في حركتنا إلى مستوى التحول النوعي، يعمل هذا الطرح من أجل تدويب اليسار الجديد في الحركة الديمقراطية، وحصر نضالاتها في ممارسات جزئية من أجل “أشكال حقوقية” أو “الديمقراطية السياسية” أو بعض الطموحات الذاتية… إن العمل وفق هذه الشعارات العامة، ليس فقط أنه لا يخرج عن نطاق الممارسات الشعاراتية، بل يعني دفع حركة اليسار الجديد نحو الانتحار السياسي. ويعني كذلك عرقلة تطور الحركة العمالية المغربية والحركة الديمقراطية، وإعاقة ديناميكيتها لتحقيق مشروعها التاريخي.
لقد اندمجت حركتنا مع الحركة الاجتماعية، ويبقى أن المهمة الأساسية بالنسبة لكل المناضلين/ت هو السهر على الحفاظ وتدعيم هذا الاندماج بتقوية وتنظيم الحركة. إن الذي يبحث عن تدويب الحركة ويعمل باستخفاف لا نظير له على تغييب كل ما يميز حركتنا، كل من لا يربط ذلك بمجرى الحركة التاريخية العالمية، لا يدرك معنى هذا الاندماج ومتطلباته، ويرجع خطوات إلى الوراء بالنسبة لمستوى تطور حركتنا، بالنسبة لهذا الطرح لا يهم الاستفادة من التجارب الديمقراطية والاشتراكية، لا يهم أن تاريخ حركة اليسار الجديد وسيرورته قد حقق بفضل مجهودات طويلة النفس انتشار الفكر الديمقراطي والاشتراكي وابتكار أساليب نضالية جديدة، وتموقع في دينامية الصراع الطبقي بمختلف تجلياته. المهم بالنسبة لهذا الطرح هو التخلص من هذا العبء والرصيد الايديولوجي العام وهذه التجربة التاريخية الثقيلة.
ليس الإقرار بحركة اليسار الجديد كواقع نضالي متجدد أنه ليس لدينا الوعي بالعوائق التي تستوجب النضال الحازم لتجاوزها، لقد سبقت الإشارة إلى الصراع الايديولوجي والسياسي الكبير الذي مرت به حركتنا، ولقد كان من نتائجه تصحيح العديد من المنظورات والممارسات الخاطئة ولا بأس من التذكير بالبعض منها:
— موضعة قضية الصحراء في إطارها السياسي الحقيقي غير الشوفيني/الالحاقي، وكذلك بدحض ما سمي ب”نظرية الثورة في الغرب العربي“.
— بلورة المفهوم النضالي للمسألة الديمقراطية ونبذ التصورات الذهنية.
— التجاوز النسبي للممارسات الحزبية الإلحاقية في المنظمات الجماهيرية واحترام استقلاليتها.
— الإقرار بالتعددية في عملية التغيير الديمقراطي وتجاوز التصور الكلياني.
— تجاوز النظرة الخطية للمسألة التنظيمية: نواة فمنظمة فحزب فجبهة ف…
— التعامل مع واقع الحركة العمالية ضمن منظور وحدوي.
— الوعي بأهمية المسألة النسائية والقضية الأمازيغية.
إن هذه التحولات لا يمكن الجزم على أن الوعي بها معمم بين مناضلي ومناضلات الحركة بل هو نسبي، مما يبرهن على ضرورة استمرار السجال الإيجابي للمزيد من اكتساب الوضوح حول مجمل القضايا التي لها علاقة بممارساتنا النضالية. وبالرغم من هذه التحولات الإيجابية، فإن ثقل الاخطاء السابقة، وبعض التضحيات المجانية، وانهيار المعسكر الشرقي والاتحاد السوفيتي، جعل الحركة تعاني اضطرابا في التفكير ونوعا من التسيب في مستويات مختلفة، تولد عنه تفاوت في مستوى الوعي، سواء بتجربتنا أو بالتحولات الجارية على الصعيد المحلي والعالمي.
وفي هذا السياق، فإن التعاطي سواء مع التجربة أو التحولات الجارية، لن يصبح ذو مصداقية إلا إذا وضع حدا فاصلا مع المزاجية على مستوى التفكير أو على مستوى الممارسة، أو على المستوى التنظيمي، ومن تم تصبح مواجهة هذه المعضلات تتطلب درجة عالية من المسؤولية والجدية والتحلي بالنزاهة الفكرية والالتزام السياسي والاخلاقي. وهذا كفيل بإحداث التحول النوعي في وعينا وممارستنا. لا سيما ان المخاض الذي نعيشه منذ مدة ليست بالقصيرة يحتم علينا هذه القفزة النوعية.
انطلاقا من الواقع الحالي ومميزاته السالفة الذكر، فإن النهج الديمقراطي الجماهيري وحده القادر على حل المعضلات والتحديات التي تواجهنا، حيث أن اجترار الممارسات الخاطئة في حركتنا بصيغ أخرى، أو الممارسات الإنقلابية، لن تؤدي إلا لمزيد من التشردم وإعادة إنتاجه. فالمطروح إذن هو المواجهة الصريحة لقضايانا وأخطائنا من أجل تحديد اختياراتنا.
ما هي القضايا التي تواجهنا؟
— إن عصر الثورة الديمقراطية على الصعيد العالمي، وخصوصا بعد انهيار المعسكر الشرقي، قد أدى إلى صراع جديد بين التوجهات في قلب حركة اليسار الجديد، وهذا الصراع في بعض جوانبه امتداد مباشر لصراعات قديمة (مع التشديد على أنها ميولات/نزعات وليس تصورات قائمة بذاتها)، فهناك من يعتبر أن انهيار أنظمة الكتلة الشرقية دليل على انهيار الإشتراكية، في حين أن طرح آخر يعتبر أن ما حدث هو انهيار أنظمة بيروقراطية، وهذا لا يمس في شيء الايديولوجية الماركسية-اللينينية… على مستوى النتائج العملية فإن الحركية هي كل شيء والهدف لا شيء، بالنسبة للاستنتاج الأول. أما الاستنتاج الثاني فيبقى حبيس التصورات الايديولوجية السابقة ويخلط بين الممارسة السياسية والصراع الايديولوجي. وبتعبير أدق ممارسة السياسة بالايديولوجيا.
لهذا يتضح أنه لا يمكن القفز عن هذه المسألة، نظرا لأهميتها في تحديد منطلقاتنا وأهدافنا، لأن انهيار المعسكر الشرقي لا يمكن اعتباره فقط انهيارا لأنظمة بيروقراطية، بل هو كذلك انهيار للماركسية-اللينينية كتعبير ايديولوجي عن هذه الأنظمة. وهذا يعني أن الفكر الاشتراكي والشيوعي قد تحرر من وصايتها وتعاليمها المدرسية (التي فرضها ستالين في الأممية الثالثة)، ويكتسب راهنيتة الآن على قاعدة دياليكتيك الملموس. لأن السيرورة التاريخية على الصعيد العالمي تتمحور حول التناقض الحاد بين الرأسمال والعمل بمميزاته التاريخية لكل بلد.حسب طبيعة التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية للصراع الطبقي. وسيرورة التحولات الديمقراطية عالمياً في بعدها التاريخي تنحو في اتجاه مجتمع ما بعد الرأسمالية. وعلى مستوى بلادنا فإن من بين الرهانات المطروحة في صفوف الحركة التقدمية وخصوصا احزابها التي تتبنى الفكر الاشتراكي، هو الإنحراف نحو الإشتراكية-الاجتماعية لتدبير الرأسمالية التابعة. لذلك فإن انعكاسات هذا التوجه على المناضلين يستدعي بشكل حاد، ضرورة الصراع الايديولوجي للمساهمة في عملية المخاض الجاري في صفوف الحركة التقدمية في اتجاه تجديد الفكر الاشتراكي وخدمة مصالح الطبقات الشعبية.
إن كل من يريد القفز والتغاضي عن هذه القضايا، أو معالجتها بشكل مزاجي معناه الممارسة وفق منطلقات البراغماتية-النفعية، والسقوط تحث تأثير منظري نهاية الايديولوجيات أو نهاية التاريخ، واعتبار الرأسمالية كأفق غير قابل للتجاوز!!! من جهة أخرى، فإن التبشير الايديولوجي عقيم ولا يواجه القضايا الملموسة.
— وعلى المستوى البرنامجي، فإن المطروح ليس تحديد نقط برنامجية عامة، بل البرنامج تتم بلورته انطلاقا من تحديد التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية. تكون الحلقة المركزية فيه هي المهمات التأسيسية على المدى المنظور وفي صلبها إشكالية السلطة السياسية، لكي ترتكز الممارسة النضالية في جميع المجالات على أسس صلبة، تضمن الإستمرارية والتجدد، كمقدمات التأسيس النظري والعملي للفعل السياسي المنظم
— بخصوص المسألة التنظيمية هناك من يتفق على الأرضية كضرورة ملحة دون تحديد موقف واضح وصريح حول ضرورة الإطار لترجمتها في الواقع، وفي أحسن الأحوال يقوم هذا الطرح بتعويم المسألة التنظيمية بشكل هلامي ضمن الفعل في المنظمات الجماهيرية. وهناك من يستبعد ضرورة الأرضية ويضع في المقام الأول البدء بتشكيل الإطار. هذا بالإضافة إلى من يمارس الإزدواجية التنظيمية… إن تجربة اليسار الجديد اتبثت بشكل لا يدع مجالا للشك، أن عزل المسألة التنظيمية عن القضايا السياسية والايديولوجية والبرنامجية، لا ينتج عنه إلا التخبط والارتجال. وهذا يعتبر امتدادا لأخطاء الحركة الوطنية في تجربتنا.
إن بعض الأجوبة المحورية على هذه الحقيقة المرة تجد أسسها في المنطلقات الفكرية السياسية والتنظيمية الخاطئة التي تحكمت في توجهات جل القوى الوطنية الديمقراطية، حيث أن كل تنظيم كان ينطلق من رغباته الذاتية في وضع استراتيجياته وتكتيكاته، الأمر الذي كان يتولد عنه خلل بين الذات والموضوع، يؤدي إلى الأزمات والمشاحنات كمقدمة للانسحابات والطرد والانشقاقات، العنوان المؤلم لشتى الأزمات الفردية والجماعية. وفي غياب النظرة الشمولية للواقع الذاتي والموضوعي، يعمد المنسحبون والمنقسمون إلى بناء تنظيمات خاصة بهم، على نفس الأرضية الفكرية والسياسية والتنظيمية السابقة، مع بعض التغييرات في الأشكال التنظيمية والشعارات السياسية، لكن الجوهر يظل هو المتحكم، ما يفضي لاحقاً إلى نفس الانسحابات والانقسامات وهكذا دواليك. فعوض الرجوع إلى الأسباب الاجتماعية والسياسية العامة في عمقها وتعقيداتها، كانت جل القوى ترجع نكساتها وأزماتها السياسية والتنظيمية إلى الأعداء والخصوم أو إلى مشاكل فردية من بيروقراطية وليبرالية…
لذلك، فكما أنه لا يمكن حصر المسألة التنظيمية في منظورها الضيق (تأليه التنظيم)، فلا يمكن كذلك تعويم هذه المسألة أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى. فتحديد إطارنا السياسي مرتبط بالأرضية البرنامجية ويندرج ضمن سيرورة متماسكة الحلقات، يتجدد فيها الشكل التنظيمي طبقا لعملية التراكم الفكري والممارسة النضالية. وهذا يتناقض مع من يطرح الاستئناس بهذا الوسط النضالي، ومن يعمل كذلك على توظيفه، لأن الإطار السياسي غير المحدد المنطلقات والأهداف لا يخدم حركتنا، في نفس الوقت فإن الأشكال التنظيمية السابقة لم تعد ملائمة مع مستوى تطور حركتنا واندماجها بالحركة الاجتماعية. على هذا الأساس فإن الالتزام السياسي والاخلاقي مبدأ أساسي في عملية تشكيل الإطار.
لقد كان من الضروري التعرض بشكل مركز لبعض الاختلافات والخلافات الحاصلة بيننا، لأنها تشكل المسكوت عنه في النقاشات، وسيكون من العبث الاعتقاد أن حلها سيكون بين عشية وضحاها. في ذات الوقت فإن الحل الممكن يكمن في ديمقراطيتنا فيما بيننا، أي الديمقراطية بين الإدعاء والحقيقة.
على مستوى النقاش الجاري، فتجدر الإشارة أن مشروع الأرضية المفتوحة قد تم إنجازها بتكليف من الرفاق، وتحمل الذي كلف بانجازها على ضوء النقاش مسؤوليته ووفائه بهذا الالتزام. ولقد كان الحرص على أن تكون تركيبية، تعكس وجهات النظر المعبر عنها (synthèse). فهي لم تكن أرضية برنامجية، بقدر ما كانت لتصويب النقاش ومنهجته كمقدمة لصياغة أرضية برنامجية. والتهرب من مناقشتها فوت الفرصة لتحقيق ذلك.
فيما يتعلق بأرضية الرباط/سلا، فإن أهميتها تتجلى في كونها نتاج العمل الجماعي، وتعكس إلى حد ما مستوى الوعي الحاصل بين المناضلين والمناضلات وكيفية تعاطيهم مع القضايا المطروحة، وما هي الثغرات التي تستدعي النضال من أجل تجاوزها. وبغض النظر عن مضمون الأرضية (ليس هذا مجال مناقشتها)، فإن هذا العمل الجماعي، إيجابي ويلزم الحفاظ على استمراريته وتطوره.
في نفس السياق، فقد بدلت مجهودات كثيرة ومضنية لانطلاق ديناميكية النقاش الجماعي بالدار البيضاء في شهر مارس، لكن العملية تعرضت للاجهاض.
هذه هي وضعيتنا، وإن الوعي بالتحولات الجارية ببلادنا، يطرح التساؤل، هل بمثل هذه الحالة يمكننا أن نرتقي لمستوى المهام المطروحة؟ لقد عشنا صراعات في تجربتنا، وآن الأوان للاستفادة منها، فالوضعية الراهنة ببلادنا لا تسمح بتكرار بعض الجوانب اللاديمقراطية في صراعاتنا، ولا تسمح بممارسات هامشية. فلقد كان بامكاننا في السابق لو توفرت شروط الصراع الديمقراطي والمجابهة الواضحة والصريحة للقضايا ان نتقدم أكثر مما نحن عليه الآن. ربما هذه الوضعية تتطلب الصراع ضد التيار (lutte à contre courant) كخيار يفرض نفسه للتقدم الى الأمام وهو خيارنا.
محمد الوافي
23 مارس 1993
_________________________________________________
(1) هذا البيان وقعه عدد من المعتقلين السياسيين السابقين متعددي الانتماءات، وتأتي هذه المبادرة في سياق سيرورة التجميع وفي إطار الديناميكية النضالية التي عرفتها الساحة الوطنية بتجدد الصراع بين المعارضة الوطنية الديمقراطية والسلطة السياسية وعلى رأسها الملك الراحل الحسن الثاني. بانبثاق الكتلة الديمقراطية التي تشمل حزب الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي).
(2) نفس الرفاق والرفيقتين الذين وقعوا على “بيان من أجل الديمقراطية” أصدروا كذلك ” بيان مقاطعة الاستفتاء على دستور 1992″، الذي قاطعته الكتلة الديمقراطية كذلك.
