العَلاَّمة مُحمَّد الْعَابِد الْفاسي الْفِهْري يُطِلُّ عَلى جَبَلِ “زَلاغ”

العَلاَّمة مُحمَّد الْعَابِد الْفاسي الْفِهْري يُطِلُّ عَلى جَبَلِ “زَلاغ”

عبد الجبار العلمي

         في تلك الصباحات الشديدة البرودة من أيام السَّنة الجامِعية في عزِّ فصل الشتاء بفاس، وما أدراك ما فصل الشتاء بفاس، كُنَّا نستيقظُ باكراً لتناولِ وجبة الفطور في الكافيتيريا أسفل بناية الحي الجامعي ذات الطوابق الأربعة. كنتُ أحرص على النزول إليها على السَّاعة السَّابِعة صباحاً، خاصة في أحد أيام الأسبوع الذي لا أذكر الآن اسمَه، وذلك حتى لا يفوتني درسُ البلاغة الذي يبدأ على الساعة الثامنة بالضبط. أتناول فطوري المعتاد الذي لا يتغير (مربَّى مِشْمِش ـ مقدار ملعقة متوسطة من الزبدة الهولاندية اللذيذة ـ نصف خبزة من النوع الطويل الذي كنا نسميه باسمه الفرنسي المعرب ” فْلُوتة”. أفتحُها بالموسى المَعْدني وأدهنُها بالزبدة، ثم أضيف إليها المربَّى، ثم أبدأ باسم الله فطوري مع كوب ساخن من القهوة الممزوجة بالحَليب. كان الفطور بالنسبة إلي غنياً ولذيذاً، خاصة بالنسبة لمن كان فطوره في سنوات الطفولة براد شاي بارد، وأربع أو ثلاث “سفنجات” باردات، لا أتناوله إلا بعد عودتي من «المسيد» قبيل الظهر. أنطلق مهرولاً إلى الكلية التي لم تكن بعيدة عن الحي الجامعي سوى بمسافة عشر دقائق أو أقل إذا أسرعتَ الخطى. كانتْ قاعة درس البلاغة ـ كما أذكر ـ في الطابق الأخير من الكلية التي كانت في الأصل ثكنة عسكرية في عهد الاستعمار. أصعد الأدراج بخفةٍ ونشاط، وحينما أصل إلى الممر الطويل للطابق الأعلى، وأقفُ برهة لأستردَّ أنفاسي، ألمح في آخر المَمر، حيث قاعة الدرس أستاذَنا العلاَّمةَ الفقيه الجليل سيدي محمد العابد الفاسي الفهري، قد سبقَ طلبتَه إلى موعد الدرس وهو “منتصبُ القامة”، فارعُ الطول ، يلبس جلبابَه الصوفي ويلتحف بسلهامه الفضفاض الذي يتقي به برد فاس القارس. أجده دائماً يُطل على جبل «زلاغ» وعلى المنحدر النازل من أعلى ظهر المهراز إلى المدينة التي ربما قدم منها إلى هذه الربوة العالية، سيراً على الأقدام. ولا أذكر أنه تأخر يوماً عن موعد درسه، بل لا أذكر أنه غير عادتَه في الوصول مبكراً إلى الكلية قبل مجيء طالباته وطلابه، ووقوفه متأملاً، مستنشقاً هواء الصباح البارد المُنعش. هل كان في وَقْفَتهِ المهيبة الخاشعة، يذكر اللهَ ويُسبِّحُ بحمده وجمالِ خَلقه وعظمةِ كونه؟ أم كان في تلك اللحظات القريبة من وقت الدخول، يرسم خطّةَ درسِه، ويختار في ذهنه من محفوظاته الشواهدَ الشِّعْرية التي سيستشهد بها أثناء درسه؟. أذكر أنَّ أول مرة دخلنا درسه ـ نحن جماعةً من طالبات وطلبة فَوْجِنا ـ جلسنا ننظر إليه، وقد أخذ مجلسَهُ أمامنا، بينما هالةٌ من الجلال وهيبة العِلم تحيطُ به ، وابتسامةٌ نورانيةٌ تضيءُ محيَّاهُ الصَّبوح ، فكأنه يلقي علينا تحية الصباح. لقد كانت ـ فيما يتعلق بي ـ تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها العلامة الجليل سيدي العابد الفاسي الذي ذاع صيته العاطر في جامعة القرويين وخزانتها العامرة التي اشتغل قيِّماً عليها زمناً طويلاً. و«قد ضمت هذه الخزانة الآلاف من أمهات الكتب العِلمية والمجلدات والمؤلفات النفيسة في مختلف الأصناف، فضلا عن مخطوطات نادرة للقرآن الكريم والحديث النبوي، ومنها ما كُتب على رق الغزال، ولا يزال موجودا حتى الآن» (عن الجزيرة نت.) 

صعد أستاذنا سيدي العابد من قاع فاس المحروسة، يحمل بين طيات جلبابه وسِلهامه عبقَ التاريخ، وأصداءَ أصوات البنائين، وطَرَقاتِ أدواتِ البناء، وهم يرفعون أسوار جامع القرويين، كما انتهى إلى سمعه صوتٌ ناعمٌ حازمٌ لامرأة تسمى “فاطمة الفهرية”، وهي تُشرف بنفسها على تشييد تحفةٍ معمارية وأولِ جامعة في العالم. لقد كانت تقف على كل كبيرة وصغيرة حتى انتهاء الأشغال التي دامت مدة ثمانيةَ عشرَ عاماً من الصوم والبناء(من بداية شهر رمضان سنة 245هـ، الموافق للثاني من ديسمبر/كانون الأول 859 م.)، ودار في ذهن أستاذنا، وهو يحثُّ السَّيْرَ ماراً بهذا الجامع المبارَك، أن فاطمةَ الفهرية، فكرتْ في إنشائه من مالها الخاص الذي ورثته عن والدها وزوجها، ليحتسبَ لها صدقةً جارية، يجزيها الله تعالى بها خير الجزاء يوم القيامة .وربما كان موضوع المونولوج الداخلي الذي يستأنس به، وهو في طريقه الطويل الصاعد إلى ظهر المهراز ، إعجابه بهذه المرأة التي قامت بما يقصر عن القيام به كبار الأثرياء من الرجال ، وإكباره سخاءها بأموالها من أجل تشييد هذا الجامع العظيم الذي صار جامعة يقصدها طلابُ العلمِ من كل حدب وصوب، من حواضر وقرى المغرب وغيرها من البلدان العربية الإسلامية.  جاء أستاذنا سيدي العابد ليدرسنا كتابَ “أسرار البلاغة” لعبد القاهر الجُرجاني. وكان يُطْلعنا حقاً على أسرارها العجيبة بطرائق بينة وبأسلوب يجعل “التشبيه” و”المجاز” و”الاستعارة” قطعاً من الحلوى اللذيذة المَساغ، كنتُ أتعمَّدُ استبقاءها أطول مدةٍ في فمي لأستَلِذَّ مذاقها العذب اللذيذ، مع تلك الشواهد الشعرية التي يسوقها لنا أثناء شرحه البيِّن ، فتزيد الدرسَ بياناً وطلاوةً وعذوبة.  لقد عرفنا ” لذة النص ” في دروس أستاذنا سيدي العابد، قبل أن نتعرف على “رولان بارت” و” لذة نصه ” فيما بعد من مراحل دراستنا وقراءاتنا. بدأ أستاذنا درسهُ نقلاً عن” الأسرار ” بقوله: «اعلمْ أن الاستعارة.. أسحرُ سحراً، وأمْلأ بكلِّ ما يملأُ صدراً، ويُمتِعُ عَقْلاً، ويؤنسُ نفساً، ويُوفرُ أنساً، وأهدى إلى أن تُهدى إليكَ أبداً عذارى قد تُخٌيِّرَ لها الجمال، وعُني بها الكمال.. ومن خصائصها التي تذكر بها، وهي عنوان مناقبها، أنها تعطيكَ الكثيرَ من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرجَ من الصدفةِ الواحدةِ عِدَّةً من الدُّرر، وتَجْني من الغُصنِ الواحد أنواعاً من الثمر»، ثم يأخذ في إيراد أمثلة لكل ضربٍ من ضروبِ الاستعارة، فيأتي بما يلذ ويطيبُ من ثمار الأمثلة لكبار الشعراء. ونجد بعضها في الفصل الموسوم بــ«سلهام البلاغة» المخصص لأستاذنا في رواية «رجال ظهر المهراز» لزميلنا أحمد المديني، ومن الجدير بالملاحظة أنه اختارها بعناية وبذوق أدبي رفيع، أذكر لكم منها الأبيات التالية :

قال كثيِّر عزَّة :

رَمَتنيَ سَهْمَ ريشةٍ الكُحلِ لمْ تضرّ // ظواهرَ جِلْدِي وهو للقلب جارحُ

وقال : دِعبل الخُزاعي :

لا تَعْجَبي يا سلمَ من رجلٍ // ضَحِك المشيبُ برأسهِ فَبَكى

وقال الشريفُ الرَّضي :

تَسْرِقُ الدَّمعَ في الجُيوبِ حَياءً //وبِنا ما بنا مِنَ الأَشْواقِ

وقال المتنبي:

تَرْنو إليَّ بعينِ الظَّبي مُجْهِشَةً // وتَمْسَحُ الطَّلَّ فَوْقَ الوَرْدِ بالعَنَمِ

وقد صدقَ أحمد المديني حينَ قال عن أستاذه في هذا الفصل: «ودرس البلاغة عنده مجلسُ فنونٍ وريحان، يُعطيك فيه ما عليه أغلبُ الجمهور ، ويؤكدُ ويعيد، نعم الجمهور قبل أن نركبَ معه سفينَ الشوارد ( ص : 253 ).. وقبل أن تنثال «من شفتيهِ البلاغةُ كالمسكِ والعنبر » ( ص : 254 )، ويخاطبه في موضع آخر من الفصل : ” تثير فيهم ( يعني طالباتِه وطلابه ) الدهشة وتنتقلُ بهم بين مقاماتِ النور , تُريحُهُم مؤقتاً مما يعيشونَ فيه من شَظَف، وهم يَتَقلَّبونَ بين غربةِ ووحْشَةِ الدِّيار واجِدينَ في كلماتِك بَصيصَ نور ، وحباً لما يَتطلَّعون إليهِ ولا يعرفونَ ماهيَتَهُ بعد. وانظر إليهم كيف يتدافعون ، يتدفقون حولك كالموج، يَحسبونك نبيّاً مُرْسلاً إليهمْ ليَشُدَّ أزرَهُم في هذا الظَّهر القفر” ( ص: 256 ) . لَقد أجادَ وأبدع الكاتبُ الروائيُّ أحمد المديني في تدبيجه هذا الفصلَ بأسلوبٍ بليغ، ولغةٍ شعرية باذِخة، وحسٍّ مُرهف، وروحٍ متْرعةٍ بالوفاءِ والعرفانِ بمكانةِ أستاذه سيدي العابد الفاسي علماً وأدباً ورفعةً وتواضعاً ودماثة أخلاق. فكم كان رفيقاً بنا في الامتحانات الشفهية، وكم كنا نشعر بحنانه الأبوي ، ونحن غرباء بعيدون عن أهلنا. ومن الجدير بالإشارة هنا أَنَّ المديني في هذا الفصل نسجَ قصة خيالية لحبٍّ عفيفٍ من طرفٍ واحد، كانت بطلتها الطالبة (زينب الأبيض) التي هامتْ بأستاذها هيامَ العاشقين المدنفين. فكانتْ تتبعُه بعد انتهاء الدرس، دون وعي منها إلى باب الحي الجامعي، ثم تبقى وهي تُشيعه من بعيد في حيْرة من أمرها.. يروي السارد العليمُ في هذه الفقرة السردية، مصوراً حالة العاشقةِ زينب «أنها سارتْ خلفهُ مباعدةً الخطوَ يشدُّها إليه كالمغناطيس من غير أن يعلَم، وهو ماضٍ في طريقه تحتَ إبطه كتابٌ مجلدٌ لمْ ترهُ يفتحه في الفصل. وحين بلغَ بابَ الحيِّ الجامعي ليعودَ منه نازلاً إلى المدينة، أحستْ برعْشَةٍ في ساقيْها، تريدُ أن تواصل ولا تستطيع». وقد تَصَور الكاتبُ أن أستاذَنا لمْ يغبْ عن ذكائه وفِطنتِه ما تُحسُّ به نحوَه طالبتُه التي في عُمْر الوردِ من شوقٍ عارم، وحبٍّ صامتٍ يكاد يَنْطِق.  

* جُزْءٌ مِنْ سِيرَة ـ رِوَائِيَّة.

شارك هذا الموضوع

عبد الجبار العلمي

شاعر وناقد مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!