ألف باء الحكاية الاحتفالية

ألف باء الحكاية الاحتفالية

د. عبدالكريم برشيد

               فاتحة الكلام

     احتفالا بالذكرى الخمسين، لانطلاق الحركة الاحتفالية سنة 1976, اواصل فعل التعريف بفكر وبعلم وبآداب وبفنون وباخلاق الاحتفالية في هذه الكتابات الجديدة والمجددة، واقف معكم عند الكاتب المسرحي العراقي ذ. عبد الرزاق الربيعي في كتابه الذي صدر من القاهرة، والذي اعطاه عنوان (عبد الكريم برشيد الحكواتي الأخير) وفي بداية هذا الكتاب، والذي هو حوار ابتدا في الثمانينات من القرن، ولكننا في السنوات الأخيرة، وفي هذا الكتاب يسالني الكاتب السؤال التالي:

(ــ أولا، من يكون عبد الكريم برشيد؟)

وفي الجواب يقول الحكواتي الاحتفالي ما يلي:

(ــ تريد الحقيقة، برشيد الحقيقي لا أعرفه، ولا أظن أحدا غير الله يمكن أن يعرفه، وما اعرفه هي أعماره، وهي حالاته، وهي مقاماته، وهي مواقفه، وهي اختياراته، وهي تحولاته، وإنني أومن بأنني أجهل نفسي، وعليه، فإنني أعمل بمقولة سقراط (اعرف نفسك) وفي كل كتاباتي الفكرية و الإبداعية لا أفعل شيئا سوى أن أحاول معرفة نفسي و التعريف بها؟).

ولأن هذا الجواب لم يكن كافيا، وانه لم يكن شافيا، فقد عاد من جديد ليسألني:

(ولو سألتك عنك، وطلبت منك أن تعطيني صورة تقريبية عن هذا الكاتب المفكر الذي لا يعرفه الناس، فماذا تقول؟)

نعم، ولأن كل شيء نسبي وتقريبي في الوعي الاحتفالي، وأن الأحكام العامة والشاملة و الكلية والنهائية لا وجود لها، فقد قلت في الجواب ما يلي:

(أقول هو مواطن كوني، وطنه الجغرافي هو المغرب، ولكن وطنه الروحي والفكري والوجداني هو المسرح، وزمنه التاريخي هو هذا الزمن المعاصر، ولكن زمنه الحقيقي هو كل الأزمان، الكائنة والممكنة، وهو في مسرحه، تماما كما في حياته اليومية، لا يتوقف لحظة عن المشي، ولا يتوقف عن السؤال، وعن الشغب المشروع، وهو يؤمن بالفرح وبالحق في الفرح، وأجمل ما فيه هو أنه مواطن حر، وأنه مستقل، وأن كل أفكاره من عنده، وليست صناعة أجنبية).  

ولا شيء أصدق من أن تكون أنت هو أنت، وأن تكون صغيرا في حجمك و وزنك، وأن تكون كبيرا في رؤيتك، وفي حلمك، وفي طموحك، وأن يكون لك في حياتك مشروع وجود تشتغل عليه، وأن تزاوج في حياتك اليومية بين التجربة التي تتحكم فيك، وفي الفعل التجريبي الذي تتحكم أنت فيه، وأن تجعل من الضرورة حرية، وأن توسع من الضيق المحدود، وأن ترى ابعد مما تراه عينك الحسية، وأن تستعين في الرؤية بعيونك الداخلية الخفية.

ولأنني صاحب مشروع، ولأنني في هذا الوجود صاحب رؤية للوجود، ولأنني في الحياة أعيش وأحيا وفق نظام احتفالي في الحياة، ولأنني فلسفت حياتي، وفلسفت حياة مسرحي, وفلسفت حياة كل الناس في عالم الناس، فقد عاد الاستاذ عبد الرزاق الربيعي في نفس كتابه ليسألني السؤال التالي:

(أنت والاحتفالية وجهان اثنان لعملة واحدة، فهل يمكن أن نعرف كيف جئت إلى هذه الاحتفالية؟)

ومن يسألني عني، فهو يسألني عنها، من حيث يدري أو لا يدري، وهل يعقل وجود الاحتفالي إلا من خلال وجود الاحتفاليين؟ وهل كان من الممكن أن يكون لهذه الاحتفالية وجود إلا من خلال المناضلين والفدائين الاحتفاليين الحقيقيين؟ وفي الجواب عن سؤال الكاتب والكتاب أقول:

(أبدا، أنا ما جئت الاحتفالية، ولكن جيء بي إليها، ومن غير أن أدري، وجدت نفسي أعيش بشكل احتفالي، وأفكر بشكل احتفالي، وأتواصل مع الناس والأشياء بشكل احتفالي، وأكتب مسرحياتي بشكل احتفالي، ولقد أسعدني أنني وجدت نفسي هكذا، وشكرت الله على كل هذا، وبقيت طوال مساري الوجودي والفكري والإبداعي وفيا لروح الاحتفالية التي تسكنني وأسكنها، ولو كتب لي أن أولد من جديد، فإنني لن أكون إلا هذا الاحتفالي الذي أنا كائنه الآن).

فهل معنى هذا ان هذه الاحتفالية هي قدري، او انها جزء من قدري؟  وقد أكون أنا قدرها، من حيث تدري او لا ادري 

                         الاحتفالي والمخاطرة الوجودية

وفي بداية هذا الطريق الاحتفالي كانت المخاطرة، هكذا يقول الاحتفالي وهو يقدم اليوم تجربة الدخول في فضاء الزمن الاحتفالي، ولقد كان وراء هذه المخاطرة شيء غير قليل من الجراة، وشيء غير قليل من الرغبة في اقتحام العوالم الجديدة والخفية، ولقد كان أغلى ما عند هذا الاحتفالي هي أسئلته الحارقة، والتي لم يكن ممكنا ابدا ان يقفز عليها، أو أن لا يطرحها في وجه المسرح المغربي والعربي، ولقد جاءت هذه المخاطرة في مكانها وزمانها وفي مناخها الثقافي، وجاءت مع فورة الشباب وجنون الشباب، وجاءت ايضا مع الحركات الفكرية والمسرحية التجريبية في العالم، والتي كان من بيها الوجودية والملحمية والعبثية ومسرح الغضب و السوريالبة والمسرح الوثائقي وغيرها من الحركات الإبداعية التي غيرت وجه الفكر والفن في العالم. 

وهذه المخاطرة التجريبي هي التي جعلت ذ. عبد الرزاق الربيعي يسألني السؤال التالي:  

(هل كنت تتوقع أن دعوتك سيصادفها النجاح، وأن تعيش كل هذا العمر، وأن تنتشر في كل العالم العربي؟)

وفي الجواب يقول الاحتفالي:

(ما كان يهمني، في تلك البدايات الأولى، هو أن أفكر وأبدع، وأن أبدع وأنا أفكر، وأن أكون جادا و صادقا في تفكيري، وأن يكون في تفكيري شيء من الجرأة ومن الجدة، و شيء من الجنون، و شيء من الشغب المعرفي، وشيء من الثقة في النفس، وشيء من القدرة على الدفاع عن أفكاري واقتراحاتي، ولقد كان من الممكن أن أنهزم، في معركتي الفكرية التي فرضت علي فرضا، كما كان ممكنا أن أقوم بمراجعة أفكاري، وأن أعلن التوبة، وأن أتبرأ من دعوتي للاحتفالية، ولكن هذا ما لم يكن، لأنني آمنت، منذ البدء، بأن الأمر يتعلق بمشروع نهضوي أكبر من شخصي، بل وأكبر من اللحظة التاريخية السبعينية التي كانت).   

ولأنني أومن بكلمة، أو بحكمة (قل كلمتك وامش إلى الأمام) فقد خطوت الخطوة الثانية في هذه الاحتفالية، بعد الخطوة الأولى المؤسسة، وكتبت البيان الثاني والبيان الثالث والبيان الرابع ووو.. بعد البيان الاحتفالي الأول، وبهذا الفعل اكدت بان هذه الاحتفالية ليست نزوة عابرة، وليست حلم ليللة صيف او ليلة خريف، ولكنها مشروع فكري وجمالي وأخلاقي متكامل، وهي بهذا عنوان مرحلة أساسية وحيوية في تاريخ المسرح المغربي والعربي الحديث. 

ويعود ذ. عبد الرزاق الربيعي ليسألني من جديد:

(ولو سألتك وما الاحتفالية، فماذا يمكن أن تقول لي؟)

وما الاحتفالية؟ وتكون هذه الاحتفالية أو لا تكون؟ والاحتفالية من أين إلي أين؟ تلك هي الأسئلة التي طرحتها على نفسي منذ خمسين سنة، والتي وجدت لها في كل مرحلة تاريخية إجابة خاصة بها، مما جعلني اكتشف في هذه الاحتفالية الأم احتفاليات متعددة ومتنوعة، وجعل جسد هذه الاحتفالية يتسع كلما اتسع البحث والتجريب فيها، وكانت بأسماء كثيرة هي: المسرح الاحتفالي والواقعية الاحتفالية في المسرح والاحتفالية الجديدة والاحتفالية المتجددة، وفي الجواب على السؤال السابق يقول الاحتفالي: ( يمكنني أن أحدثك عن الأفكار الاحتفالية، وعن الرؤية الاحتفالية، وعن الاختيارات الاحتفالية، وعن الإبداعات الاحتفالية، ولكنني ـ بالتأكيد ـ لا يممكن أن أحدثك عن روح هذه الاحتفالية، والتي هي سر من الأسرار الإلهية، و سأقول لك ما قال الله ( يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي).

ولعل أخطر ما في هذه الاحتفالية هو هذا الجانب السري والسحري فيها، والذي أعطاها حياتها وحيويتها، وأعطاها سحرها، وبغير هذا الجانب الغامض فيها، ما كان ممكنا لهذه الاحتفالية أن تحيا، وأن تملأ الدنيا، وأن تشغل الناس، وأن يستمر هذا السحر فيها عقودا طويلة جدا).. ولو كان ممكنا ان اشرح ما الاحتفالية في كلمتين، أو في دقيقتين، أو حتى في كتابين، ما استمر وجود هذا السفر الاحتفالي الطويل نصف قرن، وذلك من عمر قرنين ومن عمر الفيتين ..

ومرة أخرى يعود نفس الكاتب ليسألني السؤال التالي:

(وكيف حولت ذلك الصوت الاحتفالي بداخلك إلى كتابات فكرية وإلى إبداعات مسرحية؟)

وفي الجواب أقول (لقد استفتيت قلبي فأفتاني، وسألت عقلي وأفتاني، وسألت ذاكرتي وأفتتني، وسألت ذاكرتي الجماعية فأفتتني، ووجدت نفسي أكتب مسرحيات من داخل التاريخ ومن داخل التراث ومن داخل الواقع).

ولو أنني، في هذا المشروع الاحتفالي، لم اكن أنا هو أنا، ولم يكن في شيء من روح الناس، ومن ثقافة الناس، ومن نبض الحياة اليومية للناس، ولم تكن في اسئلتهم ومسائلهم، ما كان ممكنا ابدا لهذه الاحتفالية ان تعيش و تحيا، وان أعيش بها وفيها، وان اخبئ فيها كل ثقافتي المغربية، العربية والامازيغية و الأفربقية و الموريسكية، والتي لا حد لها ولا ضفاف لها

ونبقى مع الاحتفالي والاحتفالية، ومع فكر وعلم هذه الاحتفالية، و ننتقل إلى السؤال التالي في الكتاب:

(د. برشيد، لقد ارتبط اسمك بالاحتفالية، وعرف عنك التفكير فيها و التنظير لها والدفاع عنها، و أسألك: إلى ماذا دعت هذه الاحتفالية؟)

وفي الجواب يقول الاحتفالي:

(في الحياة، دعت هذه الاحتفالية إلى مراجعة نظام الحياة، مؤكدة على أنها من الممكن أن نكون أحسن مما كنا، وأن نعيشها بشكل أحسن، وذلك داخل شروط إنسانية تكون أكثر حقيقة وأكثر إنسانية، كما دعت إلى مراجعة التاريخ أيضا، بجعل هذا التاريخ يكون أكثر حياة، ويكون أكثر حيوية، ويكون أكثر مدنية، ويكون أكثر جمالية، ويكون أكثر مصداقية، وأيضا، بجعل هذا التاريخ يتجه نحو الإنسان، ونحو الأجمل والأكمل، و نحو التلاقي والحوار والتسامح، وليس نحو الحروب ونحو الهيمنة ونحو التسلط، وبهذا تكون الاحتفالية دعوة لأن نعيد للحياة حيويتها، وأن نعيد للمدن مدنيتها، وأن نعيد للأعياد بهجتها وفرحتها، وبهذا يستعيد المسرح دوره الحقيقي في حياة الناس الأحياء، وأن لا يكون مجرد فرجة عابره، في أيام عابرة، وفي لحظات عابرة).

وننتقل في الكتاب مع الكاتب إلى سؤال آخر، له علاقة بحياة المسرح في عالم هو أصلا مسرح كبير، ولقد جاء السؤال على الشكل التالي:

(هذا عن حياة الناس في مسرح الوجود، فماذا عن حياة المسرح؟ وماذا عن اختيارات ورهانات الاحتفالية و الاحتفاليين؟).

وفي الجواب يقول الاحتفالي(وصناعة مسرح عربي جديد، كما أكدت على ذلك الاحتفالية، يقتضي وجود إنسان عربي جديد، بعقلية جديدة، وبحس جمالي جديد، و بوعي متحرر، وبمخيال واسع، وبطموح عريض، ولهذا فقد مارس الاحتفاليون الفعل المسرحي انطلاقا من قناعتهم بأن المسرح هو ( التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر) وهذا ما جعلهم يؤكدون دائما على الرهان الأساسي، الأكبر و الأخطر، والذي هو ( تحرير المسرح العربي بالإنسان العربي الحر، وتحرير الإنسان العربي بالمسرح العربي الحر) وهذا المسرح يحتاج أساسا لأن يفكر، ولأن يسأل و ديتساءل، وأن يخوض الفعل التجريبي، وأن يكون جريئا و مخاطرا، وأن يشبه نفسه، ويشبه واقعه، ويشبه تاريخه، ويشبه لغته، ويشبه تراثه، وأن يكون قريبا من الناس، ومن همومهم واهتماماتهم الوجودية والاجتماعية).

لقد كنا في هذا المسرح الاحتفالي اوفياء لروح المسرح، والذي هو الاحتفال الشعبي، وبدأنا من درجة الصفر في تاسيس هذا المسرح، وكانت هذه الدرجة هي درجة الاحتفال

                اقتراح مسرح جديد ام اقتراح حياة جديدة؟

ولأن الاحتفاليين آمنوا بمشروعهم الفكري والجمالي، وآمنوا بالحرية و بالحيوية وبالتلقائية فيه، فقد كان ضروريا أن تقوم المسرحية الاحتفالية لديهم على (التلقائية وعلى الجنون العاقل وعلى الكذب الصادق) ولا باس ان كان في إبداعهم الصادق هذا شيء من الغرابة، وكان في غموضهم الشعري شيء من السحر، وكان في واقعهم المسرحي شيء كثير من الحلم الذي يخترق حاجز الواقع، ليصل إلى عالم ما فوق الواقع او الى عالم ما وراء الواقع، والمهم هو أن نجد انفسنا، ونجد من يصحبنا في رحلتنا الفكرية والجمالية، وان يقف معنا امام خيال بلا ابواب وبلا ضفاف.. خيال جميل وصادق وممتع ومقنع، ولم يكن لدينا مانع في ان يكون المجتمع الاحتفالي الذي نسعى اليه مجرد خيال عند البعض او مجرد كذب عند البعض الآخر، او يكون فقط درجة من درجات الكذب، أو ان يكون الاحتفالي فيه شخصا عاقلا في دور مجنون، وان يصل في  عقلانيته درجة الجنون، وان يصعب فهمه بعد ذلك على العقول الصغيرة والمحدودة، وفي واحد من حواراته الصحفية، يؤكد الاحتفالي على ان ما يهمه هو (حرية الفكر وحرية الإبداع وحرية الراي في المجتمع الحر).

ويمكن ان نلاحظ ان بعض نقاد المسرح لم ينتبهوا إلى أن (الأساس هو تحقيق العالم الاحتفالي قبل تحقيق المسرحية الاحتفالية، وهو الوجود الاحتفالي في الحياة اليومية الاحتفالية قبل وجودها على الخشبة، ولقد فاتهم أن يعرفوا أن الاحتفالية أخلاق أيضا، وأنها تقوم على الصدق والوضوح، وأنها الثبات على الحق والمبدأ، وأنها الدفاع المستميت عن هذه الخيارات المبدئية، وأنها المواقف الصارمة والصادمة).

هذا الجانب الاخلاقي في الاحتفالية هو جزء اساسي وحيوي في النظام الاحتفالي، وفي منظومتها الفكرية ايضا، مما يجعلها تقترح نظاما في العيش و الحياة، قبل ان تكون مجرد صيغة مسرحية مختلفة ومخالفة.  

                        جنون الاحتفالية و جنون الاحتفاليين 

في هذه الاحتفالية شيء كثير من الجنون الخلاق، وفيها جرأة ومخاطرة، وفيها حلم بسعة الوجود، وفيها سفر في المسافات الطويلة، وفيها رحيل في الذات، وفيها مسالك و اختيارات، وماذا يمكنني اقول اليوم، في حق هذه الاحتفالية اللغز، والتي كذبت كل التوقعات، والتي عاشت نصف قرن من النضال الوجودي، فقط من أجل أن تدافع عن حقها في العيش والوجود والحياة.

ملح الجنون شيء أساسي، في المخاطرات العلمية والفكرية والجمالية، هكذا يقول الاحتفالي دائما، ولولا مجنون ليلى ما كان ممكنا ان يكون لليلى اي ذكر في التاريخ، ولولا مجانين الاحتفالية ما عاشت هذه الاحتفالية ولما تطورت، وتجددت في التاريخ.

ونحن في الاحتفالية لا ننظر إلى الجنون باعتباره حالة مرضية، ولكن باعتباره حرية و استقلالية، و باعتباره فوضى منظمة.

وهل نقول مع ميشال فوكو بأن الجنون هو لغة العقل؟ واي عقل من العقول هو الذي يهمنا اكثر في الإبداع الاحتفالي؟ العقل الظاهر ام العقل الباطن؟

وما يميز هذه الاحتفالية انها تميز بين الواقع الحقيقة، وتؤكد بان هذا الواقع ليس حقيقيا في كل الحالات والمناسبات.

وقد يكون الجنون هو التحدي, وقد يكون هو الاختلاف، وقد يكون هو الرفض، وقد يكون أشياء أخرى كثيرة لا نعرفها اليوم، وقد نعرفها غدا او بعد غد، او في يوم من الأيام

وفي الفرح الاحتفالي كثير من الجنون، وهو الذي يسميه عامة الناس الحال، وفي هذا الحال يوجد الانتشاء وتوجد العربدة الوجدانية والفكرية، ويوجد الوجد الصوفي، وهل يمكن تصور وجود احتفال بدون متعة، وبدون لذة، وبدون انتشاء، وبدون عربدة، وبدون حضرة؟

يقول فرويد (عندما لا ياتي الإلهام اذهب إلى وسط الطريق لملاقاته).

وعندما ينادي الاحتفالي بالكتابة الحيوية، فإنه يتذكر مقولة كلود مونيه في الرسم (أريد ان ارسم كما يغني الطائر)

وأنا في مسرحياتي قد قلت أشياء كثيرة لم استطع أن أقولها في بياناتي وفي كتاباتي النظرية، ولقد قلت في هذا المسرح، عبر شخصايتي المسرحية، ما لم أستطع أن أقوله في حياتي اليومية، وهذه الكتابة الاحتفالية الحيوية هي كتابة لها روح، ولها عقل، ولها وجدان، ولها خيال، ولها طاقة روحية، ولها سحر، ولها أسرار خفية.

 هذه الكتابة لها علاقة باليقظة والمنام، ولها علاقة بالتوقع والأحلام، ولها علاقة بالحضور والغياب، ولها علاقة بالإقامة في المكان وبالسفر والرحيل عبر المكان و الزمان، وحتى خارج كل حدود المكان وخارح كل حدود الزمان 

في هذه الاحتفالية يوجد النص المسرحي الاحتفالي، والذي انكتب اكثر مما كتبت، والذي تمت كتابته كتابة حيوية، وعن هذا النص جاء السؤال التالي:

(النص الاحتفالي، كما نعرف، هو نص مركب، فكيف ركبته أنت، وبأية أدوات، ووفق أية بنية؟)

(نعم، تماما كما هي هذه الحياة التي نحياها، والتي نظن أننا نعرفها، فهي مركبة وغامضة، وهي ماكرة ومخادعة، وهي ضاحكة وباكية، وهي قريبة وبعيدة، والمطلوب من هذا النص المسرحي أن يكون مثلها، وأن لا يوضح الأشياء الغامضة فيها، خصوصا إذا كان لهذا الغموض معنى السحر، وبهذا تكون أكبر النصوص المسرحية هي النصوص التي تحتفظ بأسرارها فيها، والتي نحس جمالها، من غير أن نعرف سر هذا الجمال الممتع والمقنع).

وهذا مجرد حديث واحد فقط عن الاحتفالية، وفي الأنفاس القادمة سوف نبقى الأنفاس الأخرى، والتي هي كثيرة جدا جدا..      

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!