“حكاية عائلة من الريف”.. حكاية وطن يُقاوم

“حكاية عائلة من الريف”.. حكاية وطن يُقاوم

محمد الفرسيوي

           عن دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات بمصر، وبترجمة من الفرنسية إلى العربية للمؤرخ الجامعي المغربي المعطي منجب، صدر حديثاً للباحثة الجامعية المغربية الكندية أوزير جلاسيي (نعيمة حادوش) كتاب: “حكاية عائلة من الريف؛ المغرب من مقاومة الاستعمار إلى ممانعة السلطة“.

الكتاب من الحجم المتوسط (184 ص)، تحاول الكاتبة من خلاله – في تسعة فصول وخاتمة- تسليط الأضواء على لحظات مُميَّزة ومحطّات مفصَليَّة حاسمة من تاريخ المغرب الحديث إبان مقاومة المغاربة للاستعمار، وخلال معارك الكفاح من أجل الانعتاق والديمقراطية والكرامة، وذلك منذ “الاستقلال” حتى الآن.

تُؤثِّثُ غلاف الكتاب – بالإضافة إلى العنوان واسم الكاتبة واسم المترجم واسم دار النشر – صورةٌ حيَّة (فوتوغرافية من زمن الأبيض والأسود) للعائلة التي تُشكِّل “بؤرة الحَكْي والحكاية والمَتْن التاريخي” في المُؤَلَّف، مع إعلان جنس الكتاب (سيرة).

تُحدِّد الكاتبة في الصفحة 84 تاريخ الصورة (صورة الغلاف) وكذا هويَّة شخوصها. أما عن جنس الكتاب الأدبي (سيرة)، فإن التعليق الذي يتصدَّر أعلى صفحة الغلاف الأخيرة قد يُسِهم في معالجة إشكالية التَّجنيس هذه، وفيما يلي مقطعٌ منه:

حكاية عائلة من الريف” هو كتاب تاريخي وسيرة ذاتية في آن، من خلال نسج سرديْن متداخلين؛ يأخذنا الأول إلى بيت عائلة مغربية، في حين يكشف الثاني عن النضال المشترك للمغاربة من أجل الديمقراطية. وبالتنقل بين التاريخين الشخصي والعام، يعرض الكتاب شذرات طالما أُقصيَّت من تاريخ المغرب المعاصر. وهكذا يقدِّم مراجعة نقدية لما رسَّخته المصادر الرسمية من مفاهيم وأحداث مفصليّة منذ عام 1921 وحتى اليوم؛ من الانتفاضات المناهضة للاستعمار، إلى بروز الاستعمار الجديد تحت غطاء الاستقلال الشكلي، ومن تكريس الرأسمالية المتوحشة إلى إقامة واجهة ديمقراطية زائفة، مروراً بسياسة أَسْلَمَةِ النُّخب الحاكمة وصعود الإسلامَويَّة.

على ذات صفحة الغلاف الأخيرة تعريفٌ بصاحبة الكتاب، حيث يأتي كالتالي: «أوزير جلاسيي؛ كاتبة مغربية-كندية من مواليد أكادير. تابعت دراستها بين فرنسا وأمريكا الشمالية، وتشغل حالياً منصب أستاذة مشاركة بجامعة أثاباسكا في كندا. تهتم في أعمالها بقضايا حقوق الإنسان، والهويّة، والنساء في المجال العام. من أبرز مؤلفاتها: “حقوق الإنسان بالمغرب؛ الخطاب والواقع” (منشورات طارق، الدار البيضاء، 2015)، و”نساء سياسيات بالمغرب؛ بين الأمس واليوم” (ريد سي بريس، الولايات المتحدة، 2013). يُمثِّل مشروعها البحثي امتداداً لعملها النقدي في تفكيك الخطاب الرسمي وإبراز الأصوات المهمّشة في التاريخ والثقافة المغربية».

وهكذا، تتدفَّقُ مُحتويات الكتاب البَحثيَّة ومضامين متنه الحِكائي الأدبي في فصوله التِّسعة، من خلال الإضاءة على “أحداث مفصليَّة” من تاريخ المغرب المعاصر: جمهورية الريف 1921-1926، العصيان المدني 1926-1953، الكفاح المسلح 1953-1956، نزع السلاح 1956-1960، الانقلاب الأول 1960، الانقلاب الثاني 1965، اقتصاد النّهب والرِّيع والمراقبة الجماعية 1965-1970، الخطاب القومي والإسلامي لإنقاذ النظام الملكي 1971-1977، تشييد الواجهة الديمقراطية 1977-1983. ويُقفَلُ الكتاب بالخاتمة: استمرار الحراك الاجتماعي من أجل الديمقراطية من 1983 إلى اليوم.

تدور أحداث الكتاب / السِّيرة / التاريخ / المَحكي، حول عائلة آل حادوش في الريف المغربي ومساهماتها في مقاومة الاستعمار الذي أُخضِع له المغرب مع بداية القرن العشرين من طرف إسبانيا في شمال المغرب وجنوبه الصحراوي، وفرنسا في باقي مناطق المغرب، وكذا في نضالات المغاربة ونخبه الوطنية المختلفة من أجل استكمال السيادة وبناء نظام وطني ديمقراطي بعد الاستقلال السياسي للمغرب.

محمد حادوش وعبد السلام حادوش (التَّوأمُ النظيران)، سليلا هذه العائلة الريفية المقاومة، يحضران في المَحكي والمَتْن الروائي كامتداد لمقاومة والدهما والعائلة وساكنة إفلِّيحِنْ، تاركيست، والريف المغربي للاستعمار والإخضاع الأجنبي. هنا يكشف الحَكي أسرار ملحمة أنوال، إبداعات وصمود المقاومين، إسهام المرأة الريفية في المقاومة، وحشيَّة المُستعمِر والاستعمار، وتحالف الاستعمار للقضاء على تجربة المقاومة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي (1921-1926) باستعمال الأسلحة الفتَّاكة والسَّامة التي دمَّرت الأرض والشجر والحجر مُخلِّفة آثار التّوحُّش ومُسبِّبات أمراض كثيرة من قبيل السّرطان الذي يفتك بساكنة المنطقة حتى اليوم.

التَّوأم النّظيران (محمد وعبد السلام)، وقد رضعا حليب مقاومة المُعتدي ونصرة المظلوم وصَوْنِ كرامة الوطن والمواطنين من ثدي الأم/الأرض، ومن النضال والمعرفة الإنسانية، ينخرطان في سن مبكرة جداً في النضال الوطني من خلال حزب الإصلاح الوطني (عبد الخالق الطريس) وهما طالبان في مدينة تطوان، ليجدا أنفسهما في “زمن الاستقلال” أمام سؤال “ما العمل؟” بخصوص البَطش والقتل والدماء التي تُسفك في منطقة الريف على إثر ما يُعرف بأحداث 1958 الدموية بمناسبة نقل رفات عباس المسعدي الذي اغتيل قبل عامين من فاس إلى أجدير، عاصمة عبد الكريم. يؤكد التَّوأم، وهما شاهدا عيان، أن المُحرِّضين على الانشقاق كانوا عملاء للدولة، كما أن لهم إضافة إلى ذلك ماضياً ثقيلاً في التعاون مع الاستعمار (ص 60-61).

بعد كشف مناورات المخزن والخونة في تفجير أحداث 1958 الدموية مع تفاصيل في الموضوع من خلال شخصيات ساهمت في هذه الأحداث أو عاشتها من موقع الفاعل السياسي، يتدفَّق الحكي في الكتاب مُضيئاً على فترة ما بعد حكومتي البكّاي و”الانقلاب الأول” الذي قاده القصر والمخزن (1960) ضد أول حكومة وطنية في تاريخ المغرب الحديث (حكومة عبد الله إبراهيم)، ثم “الانقلاب الثاني” الذي قاده ذات النظام ضد أول تجربة انتخابية بعد “الاستقلال السياسي” للمغرب (1965)، وما تلاها من حالة استثناء وقمع شرس للمعارضين واغتيال الشهيد المهدي بنبركة وانطلاق عداد اقتصاد النّهب والرِّيع.

هذا الحكي يتواصل في “حكاية عائلة من الريف”، مُركِّزاً على أحداث وخيارات مرحلة السبعينيات من القرن الماضي وما بعدها، بالإشارة إلى اغتيال الشهيد عمر بنجلون، وبلورة “الخطاب القومي والإسلامي لإنقاذ النظام الملكي” و”تشييد الواجهة الديمقراطية”، و”استمرار الحراك الاجتماعي من أجل الديمقراطية”، حيث يحضر محمد حادوش وكذا أخوه عبد السلام كأبطال المَحْكي في “السِّيرة”، وفي ملحمة هذه العائلة الريفية المغربية المقاومة في مغرب “الاستعمار المباشر” و”غير المباشر“.

كتابٌ، سيرةٌ واقعية، سردٌ تاريخي مُوَثّق، وتأليفٌ أكاديمي بترجمة موفّقة ولغة شفّافة خفيفة وجذّابة (ترجمة معطي منجب)، لم يقتحم بعد المكتبات المغربية بأصله الفرنسي وترجمته العربية، لكنه متوفِّر إلكترونياً؛ إنه كتاب ممتع ومفيد.

شارك هذا الموضوع

محمد الفرسيوي

كاتب من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!