بعض العمر ضاع سدى
أحمد علي الزين
عرفته في سينما روكسي بطرابلس، يلقي خطابا في أوائل السبعينات في عيد العمال، أذكر أن هذا الرجل ألقى خطابا ارتجاليا دام لأكثر من أربع ساعات .فذهلت بقدرته على الاستطراد والعودة إلى السياق .
كنت “غراً” في حدود الثامنة عشرة من عمري أتمرن لأصبح صحفيا .بدأت علاقتي بالصحافة عبر توزيع “النداء” على أصدقاء الحزب في بلدتي التي قد لا يتخيل عابر فيها أن لماركس صور في بعض تلك البيوت المتباعدة في سفوح الجبال، ما بين ستينات وسبعينيات القرن الماضي، لكأنها صور في كتاب قرأة لتنشيط المخيلة .
مرت الأيام وصرت من أسرة جريدة “النداء” ثم “صوت الشعب” لعشرين سنة متتالية فصرت أعرفه أكثر. كان يزورنا وكانت لطلته مهابة، كنت أحب الإصغاء أو الإنصات إليه خلال الاجتماعات.
انعقد الود أكثر يوم صورت معه بيروت وبتغرين مسقط رأسه مقدمة وافلام صغيرة عن حياته لحوار العمر، اكتشفت وجهاً آخر له .
وكان في أرشيفه مجموعة من الصور مع قيادات العالم.. أتذكر الآن صورته مع كاسترو الذي ربطته به صداقة، ليس لفرادة تلك الصورة أو ندرتها، هناك مئات الصور مع رؤساء وقيادات من العالم، بل لمشترك جمعهما وهو: القدرة على الارتجال لساعات هذا ما عثرت عليه حين قرات كتاب لماركيز عن كوبا وعن شخصية كاسترو كيف وصف فيدل كاسترو يتكلم لمدة سبع ساعات متواصلة عبر شاشة التلفزيون بعد دخوله الظافر إلى هافانا ويصف كيف جلس الناس يتابعونه على الشاشة. ثم تابعوه في الذهاب إلى أعمالهم عبر الراديو وهم يصغون إليه. ووصف صوته الهش والساحر في آن .
صرت التقي بأبو أنيس جورج حاوي، بعد مغادرته الحزب في مقهى القوندول كورنيش المزرعة بيروت نحضر لحوار أو لما يشبه السيرة، وكنت متحمسا لكن للأسف تركت بيروت وسافرت. لكني كتبت شيئا نشر في كتاب عنه .
ما زلت أذكر أن حسرة كانت كامنة في قلبه . عبر عنها بجملة بقيت أفكر فيها حتى الآن وهي: “بعض العمر ضاع سدى”.
اعتراف حزين وشجاع، وحسرة موازية في قلبي كيف لم أنجز معه هذه السيرة.
يوم تم الاعتداء علي على حاجز للجيش السوري. على مفرق إذاعة “صوت الشعب”.. شاهدني وكانت جروحي طرية، قال لي قريباً سوف ينالون عقابهم. بعد حين فضحهم على شاشات التلفزة فضح السيد وعبده الأسد وشبله بكلام لم يجرؤ عليه سواه…
فقتلوه.
فالذي كان أمينا عاما لحزب كبير، غادره ليصبح زعيما كبيرا أكبر من حزب. أصبح وجوده مهددا لتلك العصابة التي خطفت لبنان وقتلت مفكريه ورؤسائه ومقاومته التي أسسها “جمول”، لم يحتملوا شجاعته ونبله وصراحته وبوحه وقدرته على الإقناع، أخافهم، أخافتهم تسميته للأشياء باسمائها، أخافتهم خزانة معلوماته الممتلئة، أخافهم خطابه الجامع وانفتاحه على اليمين واليسار وعلى تيارات عربية وعالمية، كان سباقا في لقاءت غير متوقعة مع خصومه. سباقا في رؤية مسار الأحداث سباقا في قراءة التحولات وشجاعاً لا يخاف على شيء يخسره… فقتلوه.
سلام لأيامك أيها الحبيب.
