احتفالات نسائية
سعيد بوخليط
قبل استفحال سلبيات منظومة التّواصل في صيغتها الرّقمية التي قوّضت جذريا قيما ومبادئ ترعرع في إطارها جيل الزّمان الكلاسيكي، تميّزت العلاقات المجتمعية داخل أحياء المدن العتيقة بلقاءات محض إنسانية، تنوّعت بين العملي الموضوعي وكذا جلسات الودّ الحميمة التي شكّلت آنذاك دون رصد ولاترصّد، لقاءات عفوية مضامينها البوح والكشف والمناجاة وتقاسم صادق لمكنونات الدّواخل، أقرب في لغتنا الحالية إلى جلسات الطبّ النّفسي.
*مقاهي العشايا:
مكانها المنازل، بحيث اعتادت النّساء آنذاك على خلق فجوات استجمام بعد صباح طويل يبدأ غالبا مع أولى ساعات الفجر والشّروع في تحضير الوجبات والقيام بالواجبات التي تقتضيها يوميات البيوت، في خضمّ هيمنة نموذج اجتماعي قبل التغيّرات المعاصرة عماده الأسرة البطريركية الكبيرة تحت قيادة ثنائي الجدّ والجدّة، مما جعل عدد أفراد العائلات غالبا رفيعا يقتضي في المقابل مهامّا لايستهان بها؛ تستغرق وقتا طويلا من عجين وطبخ وتنظيف. أذكر مثلا، بعض عائلات درب حيّنا الثّمانينيات التي كانت تهيّئ يوميا موائد الخبز بكلّ تفاصيله الغذائية المطلوبة.
خلال العشيّة، بعد الانتهاء من مختلف الضّروريات وشعيرة القيلولة، يبدأ استعداد النّساء لمغادرة منازلهنّ بهدف تبادل الزّيارات وتجديد اللّقاءات، قد يكون مضمارها قريبا ضمن نفس الدّرب والحيّ، أو بالتنقّل نحو مكان أبعد، كي يعقدن جلسات غاية آذان المغرب وحتمية العودة إلى مساكنهنّ قبل صلاة العشاء.
لُقَى وجلسات عفوية؛ بلا برامج محدّدة أو جداول مقرّرة سلفا، مضمونها أحاديث شخصية وتبادل حكايات شتّى على إيقاعات مشروب غازي بارد لاسيما أيّام قيظ الصّيف، تعقبه أقداح الشاي المنعنع، وأخيرا كؤوس القهوة المعطَّرة، وتنتهي الأمسية بترقّب لقاء الغد عند مضيف ثان.
تكشف الجلسات عن مختلف تعبيرات المخزون النَّفسي لهؤلاء النَّسوة ضمن حدّي التراجيكوميديا، وأحيانا أخرى تكتسيها وتغلب عليها سمة أكثر من غيرها حسب دواعي السّياق واستطرادات متواليات الكلام. انطوت حكايات الفرح على قصص خبايا نسائية يفصحن عليها في خضمّ الانبساط، تنهل غالبا من الطّابو المجتمعي وبعض الأسرار الحميمة، لذلك حين تبدأ إحداهنّ في الحكي سرعان ماتنتبه ببصرها إلى وجود الأطفال، فتغمز أو ترسم إشارة بشفتيها نحو زميلاتها كي يصرخن صحبتها في وجوه الصّغار وحثّهم على الانصراف سريعا نحو الغرفة المجاورة ويلعبوا كما يحلوا لهم لأنّ الحديث يهمّ النّساء بالدّرجة الأولى، ويزداد الأمر إلحاحا عندما يشتهر طفل بذكائه المفرط وقدرته على الإحاطة بما يجري مقارنة بباقي أقرانه، ثمّ علاقته الوطيدة بأبيه أكثر من أمّه، بحيث دأب على الانفراد بأبيه كي ينقل إليه مشَّاء بالنّميمة تفاصيل ما جرى فترة غيابه. بهذا الخصوص، أحدث صنيع بعض هؤلاء الأطفال الشّياطين، أزمات عائلية أفضت أحيانا إلى الطّلاق.
* فطور العاشرة صباحا:
اعتادت مراكش التًّراثية على النّوم ليلا مباشرة بعد صلاة العشاء، والاستيقاظ صبيحة الغد مع أولى إشراقات الفجر. يقصد النّساء المطبخ لتحضير وجبة الفطور الأولى قوامها حساء شعير أو قمح أو فول مع التّمر والتّين، أستعيد في هذا الإطار تماما سيرة جدّتي اللازهرة التي لم تخلّف قط في يوم من الأيّام خلال حياتها كيفما جرت الأحوال والأوضاع، بإعداد حريرة الصباح على هدوء وتؤدة شُعَل مِجْمر وقوده الفحم أو الخشب. يبقى هذا الفطور شأنا داخليا لكلّ بيت.
بعد انقضاء ساعات يجري الاستعداد لوجبة ثانية مغايرة فلسفتها عن السّابقة، لأنّها أكثرزخما ودسما ترتكز على طبق ثقيل شَكَّلَ بكيفية أو أخرى وجها ثانيا للكسكس الشّهير، لكنّ هذه القصعة أو الإناء ستشغل مجمل مساحتهما قطع وشطائر خبز ثمّ تغمر بمرق متبَّل كفاية قوامه البصل، الطّماطم، الفلفل الحار، العدس، حبّات الحلبة، وأحيانا خليط من رأس الحانوت.
تتحلّق الجارات بلهفة حول الطّابق الشّعبي في منزل إحداهنّ حسب مستويات العلاقة بين الحلقة، ويشرعن في التهام ماعرف واشتهر آنذاك لدى المراكشيين بأكلة ”التّردة” وصف ينعت به أيضا من باب السّخرية أصحاب الأوزان السّمينة إحالة على النّتيجة الحتمية لمن يدمن على تناول عصير الخبز حسب تسمية أخرى.
لاتقلّ وصفة التّردة حظوة عن رمزية الكسكس في المخيال الشّعبي بل تعادله، يختلفان فقط على مستوى مكوّنات التّحضير ودواعي مناسبتهما، وإن اعتُبر طبق التّردة أقلّ تكلفة رهن إشارة عموم الفقراء، تتطلّب مجرّد تراكم لبقايا الخبز.
أستعيد طيف الحاجة بنت بوخبزة، هكذا اسمها أو لقبها، لأنّ والدها مثلما تقول الرّوايات اشترى بخبزة خلال زمن معيّن من حقب المجاعة المنزل الذي تقطنه مع زوجها. سيّدة قويّة البنية، صعبة المراس، مهيبة الطّلعة، ذات هيئة جسدية ”دكّالية” بلغة ذلك الزمان نسبة إلى منطقة دكّالة، اختصّت بامتياز في مقتضيات التّدبير اللّوجيستيكي بلغتنا الحالية، لمختلف اجتماعات نسوة الدّرب إبّان مختلف المناسبات الحزينة والسّعيدة، لكن أساسا عرفت بشغفها وعشقها ل ”التّردة” وتحضيرها بكيفية يومية مع حلول نفس توقيت العاشرة صباحا.
*شوائب الحبوب:
توفّر كل منزل على مخزن جانبي تودع داخله المواد الأساسية للقوت اليومي، في مقدمة ذلك زيت الزيتون وحبوب القمح أو الشّعير. لم يكن توفير الخبز المنزلي بشتّى فوائده الغذائية هيّنا، بل اقتضى خطوات متعاقبة قبل بلوغه مرحلة ولوج الفرن. ينبغي بداية غسل كميّات الحبوب جيّدا لتنقيتها من غبار الحقول وتراكماتها، والانتقال بها إلى السّطح العلوي تحت أشعّة الشّمس وأحيانا أمام الفضاء الخارجي للمنزل حتى يجفّ وبعدها تنقيته من الأحجار خاصة وشوائب أخرى ظلّت عالقة رغم مرحلة الغسل، التي قد تقوم بها ربّة البيت وحدها والاقتصار على مساعدة من يوجد في البيت، لكن يلزمها وجوبا ويتحتّم عليها بحكم مقتضيات مهمّة أكثر تعقيدا من المطلب الأوّل الاستعانة بمساعدة الجارات. هكذا، يجتمعن بعد القيلولة المقدّسة حول طاولة وينكبن على تنقية القمح مع ارتشاف كؤوس القهوة،عملية تستغرق فترة ليست بالقصيرة يخضن حينها بالموازاة في حكايات وقصص كما يتبادلن الآراء والوصايا والحلول.
*آحاد تصبين الملابس:
تعتبر هذه المناسبة قياسا لما سبق، الأكثر وطأة وثقلا، لأنّها شاقّة ومرهقة تمتدّ غالبا طيلة يوم الأحد. يشترط تحديدا لزمن هذه المناسبة أن يكون يوم عطلة. حقيقة يطرح الخيار بين يومي الجمعة والأحد، فالأوّل استراحة الحِرَفيين مثلما الحال بالنسبة لأغلب المراكشيين، بينما الأحد عطلة رسمية. غير أنّه حسب دواعي ومبرّرات أسطورية وغيبية، تحاشت النّسوة آنذاك القيام بهذه الأمور الجمعة وإلاّ أصابتهنّ لعنة ربّانية جسيمة ضمن مرجعية العبارة الشّهيرة:”ماشي مْزْيانْ اتْصبانْ واتْْخْمالْ نهار الجمعة”.
يبدا اليوم باكرا، لأنّه ممتدّ في الزّمان بكيفية غير معتادة. يستخرج إطار عجلة سيّارة من مخبئه كي توضع فوق مقاس محيطه جفنة ضاع لونها الأصلي تماما خلف زحف الصّدأ وتبعات الرّطوبة. ترمى وسطها الملابس بالتّناوب وتشتغل الأطراف السّفلى خلال العملية أكثر من الأيادي بحيث تصعد المرأة وسط الجفنة كي تشرع في دعسها بكلّ ما أوتيت من جهد على وطئها وتقليب كومة الملابس، ثمّ امرأة أخرى تصبّ جرعات الماء رويدا رويدا بدلوٍ من المطّاط لا يقلّ بدوره عتاقة وترهّلا عن نفس مشهد الجفنة، بينما تكفّلت ثالثة بمهمّة توفير مورد الماء عبر استخراجه من بئر منزل ”اخْتي بْعْصوصْ” هكذا لقبها؛ أو اللاخْدِيجَة التي شكّلت دائما فيما أذكر مرجعا لاغنى عنه خلال يوم التّصبين كما الوضع مع بنت بوخبزة بخصوص طبق التَّردة، سواء على مستوى وضع بئر منزلها رهن إشارة الجماعة كما تهيّئ بعض الخلطات التقليدية التي تساعد على التحلّل الكيماوي لما علق بالملابس من أوساخ.
