أسماء الوديع: مِنْ دَرْبِ مُولَاي الشَّرِيف.. إِلَى قَوْسِ المَحْكَمَة
♦ من عتمة الزنازين إلى قوس المحكمة.. هكذا يتدفق هذا النص الذي صاغته المحامية والحقوقية أسماء الوديع، ابنة الشاعرة والمناضلة ثريا السقاط، والشاعر والمناضل الكبير محمد الوديع الآسفي، وشقيقة الوجوه التي كابدت عتمة الاضطهاد والتعذيب والسجن السياسي، صلاح وعزيز الوديع.
هذا النص ليس مجرد سيرة ذاتية، بل وثيقة إنسانية تختزل إرث عائلة مناضلة في مغرب سنوات الرصاص، حيث ينتقل السرد ببراعة بين ذاكرة طفلة دَمِيَت ساقاها وهي تجرّ قفة السجن لأبيها، وحاضر محامية تقف بصلابة في خندق الدفاع عن الحق وسيادة القانون.
إن ما قرأناه هنا ما هو إلا ومضة من ذاكرة غنية وموجعة، وهي دعوة ضمنية لكل قارئ يتوق إلى استكمال الحكاية، فأسماء الوديع بما تملكه من نَفَس أدبي وعمق نضالي، مدعوةٌ أكثر من أي وقت مضى لتعميق هذه الشهادة، ولتُصدر لنا كتابا يضمّ بين دفتيه تفاصيل تلك الرحلة الملحمية التي ننتظرها بشغف، لتكون مرجعا للأجيال، ووفاء لكل من قبض على جمر المبدأ.♦ عبد الرحيم التوراني
أسماء الوديع
من أنتم…؟
أعادني السؤال في لمح البصر الى سنوات خلت، وانتصبت أمامي أحداث كثيرة متشعبة…
أنا الطفلة التي ترعرعت في بيت كان زوار الليل أو كما يسمونهم اليوم “أصحاب الحال” يداهمونه باستمرار ودون استئذان، وكثيرا ما كانوا يأخذون والدي معهم ليغيب فترات طويلة دون أن نعلم عنه شيئا….
وكانت أمي، هل تعرفها ؟؟ أمي هي الشاعرة ثريا السقاط التي كان قدرها أن تزور كل سجون البلاد بحثا عن زوجها المختطف قبل أن يحين الدور على أبنائها….
كانت شابة في مقتبل العمر، وكنا صغارا…
أذكر أنها كانت في كل مرة تأخذ معها أحدنا نحن الكبار (ٱسية او صلاح أو أنا) لنرافقها في رحلة البحث عن المجهول، وكثيرا ما كانت تعود منهكة دون أن ينال ذلك من عزيمتها.
أنا الطفلة التي حملتها أمها مسؤولية ايصال القفة إلى والدها المعتقل ٱنذاك بأحد المعتقلات الغير نظامية المعروف بدرب مولاي الشريف و أذكر أن القفة كانت أثقل من أن أوصلها بسهولة فقد كان علي أن أركب حافلتين على التوالي و أن أجر القفة بيد و ٱخد بيد أخي الصغير جمال الذي رافقني ولم يتجاوز عمره أربع سنوات…
ولا أدري اليوم كيف قطعت كل تلك المسافات التي بدت لي بلا نهاية وكيف أنني لم أدع يد أخي تفلت مني…ولكن ما أعلمه هو أنني كنت أشعر بشيء لزج يتسرب إلى أصابع قدمي الصغيرة ولم أستطع تبينه إلا وأنا أصعد الدرج المؤدي إلى البناية إياها… درب مولاي الشريف!
كانت قدمي تسبح في الدم الذي سال من ساقي بفعل احتكاكه بالقفة…
سلمت والدي القفة فضمني بحنان ثم انتبه إلى ساقي المجروح وتساءل ولكني داريته ثم انصرفت…(في تلك الفترة كانت الزيارة ممكنة بذلك المكان السيء الذكر).
أنا التلميذة التي انخرطت بتلقائية في نضالات التلميذات بثانوية فاطمة الزهراء ووزعت المناشير دون أن أستشعر خطورة ما كنت أقوم به…
أنا الشابة المقبلة على الحياة التي التقت بعد إختطافها بأخويها في نفس المعتقل الذي ذاق فيه والدها أشد أنواع التعذيب والتنكيل…
أنا التي شاهدت والدي يعود بعد اختطاف واحتجاز ثاني دام أكثر من سنة داخل ما يعرف “بالكوربيس” وقد فقد أكثر من نصف وزنه ولم يفقد شموخه و عزة نفسه …
لقد كان يلقننا بطريقته أن الانتماء للوطن باهض الثمن…
أنا التي قدت ضمن العديد من النساء المظاهرات والاحتجاجات من أجل تحقيق العدالة في ملف ما كان يعرف بقضية السرفاتي ومن معه ..
***
كنا نخرج صباحا ولا نعود إلا في المساء، طرقنا كل الأبواب بدءا بوزارة العدل مرورا بالبرلمان ووصولا إلى كل مقرات الأحزاب والمنظمات والهيئات الحكومية وغير الحكومية نوزع المراسلات والمناشدات من أجل إطلاق سراح أبنائنا وإخواننا ورفيقاتنا ورفاقنا …
لم نكن نعي أننا كنا بصدد إنشاء حركة جديدة هي حركة عائلات المعتقلين السياسين بالمغرب، تلك الحركة التي كان لها الفضل في إشاعة ثقافة التضامن والتٱزر والدعم اللا مشروط والتي ساهمت بشكل كبير في الإنفراج الذي عرفته البلاد ٱنذاك…
لذلك ولغيره من الأسباب العديدة التي يمكن أن تستشفها دون عناء إخترت أن أكون محامية، …
إخترت أن أنضم إلى جنود الخفاء أصحاب البذلة السوداء الحاملين لرسالة الدفاع و القابضين على الجمر الساعين إلى تحقيق العدالة بما أوتوا من قوة و بما يتطلب ذلك من صبر و جلد… اخترت أن أضم صوتي إلى كل هؤلاء لكي نعلي صوت الحق والعدالة في بلدي…
إخترت أن أسلك هذا الطريق لأسهم ولو بقدر يسير في فضح الفساد الذي ينخر العديد من القطاعات… ولم لا القضاء عليه، غايتنا أن نحمي البلد من المفسدين و المتربصين و المتلاعبين بالقانون…
قد لا أختلف معك بأننا قد نجد البعض منا قد انغمس بدوره في الفساد وهذا أمر طبيعي وعادي كما هو الحال بالنسبة للعديد من المهن وهم قلة قليلة… ولكن السواد الأعظم فينا يظل وفيا لمبادئ العدالة والحق وسمو القانون ورفعة المهنة ونقائها…
أخيرا وليس ٱخرا ليعلم القاصي والداني أن لا أحد يستطيع أن ينال من شرف المهنة وشموخها أو أن يدجنها أو يقص أجنحتها التي بها تحلق.
