وضعية المثقف المغربي: جدلية الحضور والغياب

وضعية المثقف المغربي: جدلية الحضور والغياب

عبدالرحمان الغندور

          لست أدري كيف تذكرت مقولة لينين التي ترى أن المثقفين هم “أقدر الناس على الخيانة، لأنهم أقدر على تبريرها”، وقد عشت منذ شبابي الأول في الستينات، وسط عالم يصعب فيه تصديق هذه المقولة، لأن المثقفين الذين عايشناهم وجايلناهم كانوا يشكلون لنا نماذج حية من الالتزام الفكري والأخلاقي والسلوكي، ولا سيما في وضع الحدود الفاصلة بين سلطة المعرفة ومعرفة السلطة، حتى ونحن نختلف مع انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية.

تذكرت مقولة لينين وأنا أعاين هذا الجيش العرمرم من مثقفي اليوم، {دكاترة وأكاديميين وباحثين وأدباء وفنانين…} واكتشف الجرح الجرح الغائر في علاقة النخبة المثقفة بالسلطة والمجتمع، وهي مقولة تكتسب دلالات عميقة عند إسقاطها على واقع المثقف المغربي عبر مختلف محطاته التاريخية والسياسية.

وحين أتأمل جوهر مقولة لينين يبدو لي أن المثقف، بفضل امتلاكه لأدوات اللغة، ومنطق التحليل، والقدرة على صياغة المفاهيم، لا يكتفي بارتكاب فعل “الخيانة” لمبادئه أو لقضايا شعبه، بل يرتدي ثوب النزاهة الفكرية ليسبغ على هذا الفعل طابع الضرورة الموضوعية أو المصلحة الوطنية العليا، مما يجعل من الخيانة في نظره موقفاً عقلانياً لا انحرافاً أخلاقياً.

وفي السياق المغربي الذي نعاينه اليوم، تجلت هذه الظاهرة بشكل صارخ، حيث رأينا مثقفين تنقلوا بسلاسة مدهشة من معسكرات اليسار الراديكالي أو النضالي إلى دهاليز السلطة، مستخدمين نفس الأدوات اللغوية التي كانوا يناهضون بها النظام سابقاً لتبرير اندماجهم فيه، مصورين هذا التحول كخيار تكتيكي يخدم “تحديث الدولة” أو “المشاركة في التغيير من الداخل“.

إن “خيانة” المثقف هنا لا تعني بالضرورة العمالة المباشرة، بل تعني خيانة “الوظيفة النقدية” التي يفترض أن يضطلع بها في مواجهة الاستبداد أو الظلم الاجتماعي، حيث يتحول المثقف من “ضمير للأمة” إلى “مشرعن للوضع القائم“.

ومن المفارقات الساخرة أن المثقف المغربي، في مساراته هذه، استطاع أن يبدع تبريرات تلبس لبوس الحداثة، أو الواقعية السياسية، أو حتى “الاستثناء المغربي”، محولاً التنازل عن الثوابت الوطنية أو الشعبية إلى نصوص ومقالات ودراسات تبدو في ظاهرها أكاديمية أو سياسية رصينة، بينما هي في العمق ليست سوى أقنعة لانتهازية فكرية بامتياز.

هذا التحليل لا ينفي وجود فئة من المثقفين المغاربة الذين ظلوا أوفياء لمبادئهم رغم التضييق، لكن المقولة اللينينية تحذرنا من الطبيعة التبريرية الملازمة للبنية الذهنية للنخبة التي تضع مصالحها الفردية فوق القضايا الكلية، وهي ظاهرة تعكس أزمة أخلاقية بقدر ما تعكس أزمة فكرية؛ إذ يصبح الفكر في هذه الحالة لا وسيلة للتحرر، بل أداة للهيمنة وتزكية الانحراف عن طريق الحق، مما يجعل من المثقف، في أسوأ تجلياته، جندياً في معركة تزييف الوعي الجماعي بدلاً من أن يكون منارة لإنارته.

وهنا لا بد من وضع سؤال أساسي لفهم ما جرى ويجري:

هل هذا التحول في مواقف عدد كبير من ” المثقفين ” المغاربة نابع من طبيعة السلطة التي تبتلع النخب، أم هو نتيجة طبيعية لنوعية “المثقف” الذي يتم إنتاجه في بنية سياسية واجتماعية معينة؟

والإجابة عن هذا التساؤل تضعنا أمام جدلية معقدة تشبه جدلية “البيضة والدجاجة”، ولكنها في السياق المغربي تتخذ أبعاداً أكثر تشابكاً، حيث لا يمكن فصل طبيعة السلطة عن طبيعة “المصنع” الذي يُنتج هذا المثقف.

وفي نظري المتواضع، نحن أمام عملية تفاعلية متكاملة؛ فالسلطة في المغرب لا تكتفي بابتلاع النخب، بل هي “هندسة اجتماعية” بدأت منذ عقود لصناعة نوع خاص من المثقف الذي يزاوج بين الكفاءة التقنية والولاء السياسي، أو على الأقل، “التدجين الفكري“.

من جهة، تلعب السلطة دور “المحرك” عبر أدوات الجذب والترغيب والتهديد، ومنح مساحات رمزية أو مادية تضمن ولاء المثقف أو صمته، وهي سلطة تتقن فن استيعاب المعارضين وتحويلهم إلى أجزاء من جهازها البيروقراطي أو الثقافي الرسمي. ولكن، من جهة أخرى، لا يمكن إعفاء المثقف نفسه من المسؤولية؛ فالبنية الاجتماعية والتعليمية في المغرب أنتجت لسنوات طويلة “مثقفاً وظيفياً” يرى في الشهادات والاعتراف الأكاديمي أو الثقافي طريقاً للترقي الطبقي والاجتماعي، وليس مجرد أداة لتحقيق قيم العدالة أو الحقيقة. هذا النوع من المثقفين، الذي يفتقر غالباً إلى “الاستقلالية المادية”والتحصين الأخلاقي، وجد نفسه في صراع بين طموحه الفردي وقناعاته الفكرية، وهو صراع انتهى في أغلب الأحيان بانتصار “البراغماتية” على “المبدئية“.

لذلك، أرى أن التحول ليس نابعاً من طرف واحد، بل هو نتيجة ” تفاعل تطابقي” بين رغبة السلطة في امتلاك النخبة، واستعداد النخبة – بفعل تنشئتها الاجتماعية وحاجاتها المادية – للاندماج في هذه السلطة.

إننا نعاني من عملية إنتاج “مثقف مؤسساتي” يرى في مؤسسات الدولة (التي هي جزء من السلطة) المرجعية الوحيدة للتحقق الذاتي، مما يجعل فكرة “المثقف المستقل” فكرة طوباوية أو مغامرة غير محمودة العواقب في ظل نظام لا يغفر للمثقف تمرده. فالخيانة هنا ليست دائماً “خيانة وعي” بقدر ما هي “خيانة وجود”، حيث يضحي المثقف بفكره ليضمن بقاءه ضمن النسيج العام، متحولاً إلى أداة في يد السلطة، بينما تظل السلطة هي الحاضن والممول والمانح للشرعية التي يقتات عليها هذا المثقف.

وهذا الأمر يضعنا أمام سؤال تاريخي في سياق التطورات ” الحتمية “: هل استمرار إنتاج هذا النمط من “المثقف المندمج” سيفضي بالضرورة إلى انقراض “المثقف النقدي” في الساحة المغربية، أم أن الأزمات الاجتماعية والسياسية المتلاحقة قد تخلق جيلاً جديداً من المثقفين الذين يرفضون هذه اللعبة التبريرية؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تضعنا أمام مفترق طرق تاريخي، حيث لا أعتقد أن “المثقف النقدي” مهدد بالانقراض بمفهوم الفناء البيولوجي، ولكنه مهدد بالانقراض بمفهوم “التأثير” والقدرة على توجيه الرأي العام في الفضاء العمومي الرسمي. وفي نظري، إن استمرار نمط “المثقف المندمج” – الذي يتغذى على فتات الامتيازات ويقايض صوته بالشرعية المؤسساتية – يخلق نوعاً من “الضجيج الثقافي” الذي يحجب الرؤية ويُفرغ المفاهيم من محتواها النضالي، مما يجعل المثقف النقدي يبدو وكأنه يغرد خارج السرب، أو يعيش في برج عاجي، مما يسهل تهميشه أو وسمه بالعدمية.

ومع ذلك، فإن قراءتي للمشهد تمنحني مساحة للأمل، فالتاريخ علمنا أن الأزمات لا تقتل الأفكار بل تعيد تظهيرها. إن “المثقف النقدي” في المغرب لم يمت، لكنه يمر بعملية “تحول وجودي”؛ فهو يغادر المؤسسات التقليدية (التي أصبحت مراكز للتدجين) ليلجأ إلى فضاءات بديلة، رقمية وحقوقية ومجتمعية، حيث لا سلطة للمنبر الرسمي. نحن نشهد ميلاد جيل جديد من المثقفين الذين لا ينتظرون اعترافاً من مؤسسة، ولا يطمحون إلى جوائز رسمية؛ جيل يتشكل في قلب “الشارع الرقمي” وفي خضم الحركات الاحتجاجية والمبادرات المدنية المستقلة.

هذا الجيل الجديد، في تقديري، لا يمارس النقد كوظيفة أكاديمية أو ترفاً فكرياً، بل كأداة بقاء وضرورة أخلاقية في وجه “فيروس التفاهة” والسطحية التي تغزو المشهد. إنهم يدركون أن التبرير هو فخ، وأن المؤسسات التي احتوت أسلافهم هي ذاتها التي ستحاول استيعابهم، لذا يتبنون استراتيجية “المسافة الآمنة”. وبذلك، فإن “انقراض المثقف النقدي” هو محض وهم تروج له السلطة لتكريس هيمنتها، بينما الواقع يشير إلى أن النقاد يتناسلون في الهوامش، بعيداً عن أضواء المركز، منتظرين اللحظة التاريخية التي ستتكسر فيها آليات التبرير تحت وطأة الواقع المعيش.

إن التحدي الحقيقي ليس في بقاء المثقف النقدي من عدمه، بل في قدرة هذا الجيل الجديد على بناء “جبهة ثقافية” صلبة تتجاوز التشرذم، وتمنع “المثقف المندمج” من الاستمرار في احتكار واجهات التأثير. فإذا نجح هذا الجيل في خلق أدواته الخاصة للتحليل والانتشار، فإن النمط المندمج سيفقد فاعليته، وسيكون حينها هو المهدد بالانقراض، لأنه ببساطة سيفقد الوظيفة التي أُنتج من أجلها، وهي “الإقناع“.

وهنا يكمن دور المبادرات المدنية والمستقلة، في إعادة الاعتبار للمثقف النقدي وتحصينه ضد إغراءات “الاندماج”؟

إن دور هذه المبادرات يمثل في نظري خط الدفاع الأول ضد “الاندماج القسري” وضد “فيروس التفاهة” الذي يغزو كل الفضاءات. الجواب يكمن في أن هذه المبادرات هي حاضنات للاستقلالية، وهي تعمل على خلق “فضاء عمومي موازٍ” بعيداً عن أروقة المؤسسات الرسمية البيروقراطية.

وفي تقديري الشخصي، تساهم هذه المبادرات في تحصين المثقف النقدي وإعادة الاعتبار له من خلال ثلاثة مستويات:

أولاً: بناء “قاعدة جماهيرية” غير تابعة:

فالمثقف المندمج يستمد قوته من قربه من “المركز” أو المؤسسة. أما المبادرات المدنية المستقلة، فهي تخلق رابطاً مباشراً بين المثقف وبين “المواطن”. عندما يلتقي المثقف بالناس في ساحات عمومية، في نوادٍ للكتاب، أو عبر أنشطة قاعدية، فإنه يبني شرعيته من “الأسفل”. هذه الشرعية الشعبية هي الحصن الأقوى ضد إغراءات السلطة؛ فالمثقف الذي يدرك أن صوته ملكٌ للجمهور الذي يعيش وسطه ومن خلاله، يصعب عليه أن يبيعه في سوق المساومات السياسية.

ثانياً: خلق “مجتمع نقدي” لا يغفر الخيانة:

إن وجود شبكة واسعة من المثقفين الواعيين، يخلق “رقابة جماعية” صحية. عندما يكون المحيط الاجتماعي للمثقف يتكون من أشخاص يقرؤون، ويفكرون، وينقدون، فإن أي محاولة من المثقف للانزلاق نحو “التبريرية اللينينية” ستواجهه بمرآة حقيقية. المبادرات المدنية ترفع من سقف الوعي الجمعي، وهذا الوعي هو الذي يحمي المثقف من السقوط، لأنه يجعله تحت ضغط أخلاقي دائم ليكون في مستوى وعي متتبعيه.

ثالثاً: توفير “بيئة للمقاومة الثقافية“:

المبادرات المستقلة توفر للمثقف مساحة للقول والفعل دون الحاجة لـ “ترخيص” من وزارة أو جهة رسمية. إنها “خلوات صوفية جماعية” إذا جاز التعبير، حيث يلتقي المثقفون بعيداً عن صراعات النفوذ. في هذه الفضاءات، تصبح القيمة للمحتوى، للعمق، وللجرأة، وليس للمنصب. هذا النوع من البيئات يعيد للمثقف “احترامه لذاته”، ويذكره بأن وظيفته الحقيقية هي إنارة العقول لا تبرير الأفعال.

في الخلاصة، المبادرات المدنية هي “مستشفيات للوعي”؛ فهي تخرج المثقف من دائرة “الاسترزاق الفكري” إلى رحابة “الرسالة الثقافية”. إنها لا تجعل المثقف منيعاً ضد الإغراءات فحسب، بل تجعله يدرك أن كلفته في “الخيانة” أصبحت باهظة جداً لأنها تعني خسارة ثقة الجمهور الذي هو مصدر وجوده الحقيقي.

إن استمرار هذه المبادرات وتوسيعها هو الضمانة الفعلية لكي لا يتحول المشهد الثقافي المغربي إلى مجرد صدى لصوت السلطة، بل ليبقى ساحة حية للحوار والنقد والتغيير.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحمان الغندور

كاتب وناشط سياسي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!