غاستون باشلار: فيكتور إميل ميشليه

غاستون باشلار: فيكتور إميل ميشليه

ترجمة: سعيد بوخليط

”الأسطورة، خلاصة حقيقة ممكنة”/ (فيكتور إميل ميشليه،رموز ملهِمة)

       ربما لم توجد مدرسة أدبية أكثر تعقيدا وسلاسة في الوقت ذاته من الرّمزية الفرنسية. بالتّالي، لايمكننا الاكتفاء بدراسة أساتذة لاجدال بشأن مكانتهم، قصد اكتشاف قوة وإشعاع هذه المجموعة من الشّعراء، بل يلزم أن نعيش ذاكرة رفقائهم، وكذا ولوج حياة صداقتهم. خدمة قدّمها شاب إنجليزي لتاريخ القصيدة الفرنسية بإنجازه أطروحة دكتوراه حول شاعر مجهول ينتمي إلى التيّار الرّمزي.

أظهر فيكتور إميل ميشليه انسجاما دائما، مع كبار التيّار الرّمزي. يمكن القول باستحضار حيويته على مستوى أجناس مختلفة، المسرح، الشّعر، السّرد، بأنّه جسّد إنسان التّواصل بين مختلف شعراء حقبته. التّاريخ يشهد على ذلك، وهو تاريخ ظلّ مجهولا بعثه من أنقاضه لحسن الحظّ الباحث رتشارد نوليز، الذي أتى إلى باريس، قبل خمس سنوات، وتأتّت له إمكانية اكتشاف حلقة أوفياء ميشليه الملتئمين داخل جمعية أصدقاء فيكتور ميشليه.

فتح له هؤلاء الشّعراء ضمنهم رونيه ألبير فلوري، وثائق أرشيفهم، وأتاحوا له ذكريات أسطورية تتعلّق بزمن شكّلت خلاله القصيدة رمز حياة عليا. كما وضعت زوجة فيكتور إميل ميشليه رهن إشارة الباحث رتشارد نوليز عدّة  وثائق. كم أندهش حينما يأتيني صديقي الشاب بنصوص أدبية من القرن الماضي، تحديدا جملة مراسلات مع أوغست دو فيلييه دو ليل آدم، ستانيسلاس دو غيتا، موريس باريز، ستيفان مالارميه، تقرّ لفكتور إميل ميشليه بمكانة تعتبره نظيرا لهؤلاء الشّعراء، الذين وُصِفوا كمتطوّعين لقصيدة شعرية منتصٍرة!

حاليا وقد ابتعدنا عن حقبة تلك البطولة الشّعرية، وأضحت العديد من الرّموز المتوقّدة مجرد قصيدة باهتة، بحيث لانفهم سياق تلك الأزمنة وقد مثّل الرّمز خلالها قوّة فطرية يبعث صورة رمزية من قصيدة إلى أخرى، مثل طائر العنقاء وكذا حريق رماده. انطلاقا من رمز واحد، تتوهّج كلّ الرّمزية. تتجلى إمكانية تكثيف أي رمز لمختلف القوى الشعرية داخل روح شاعر. يقول الرّمز- أو المونادا الشّعرية! –  بكيفية ثانية على طريقته تناسق العالم شعريا. ينعش الرّمز ماضي أسطورة وتاريخ. هكذا، تشكّل القصيدة سموّا إنسانيا يفتح أفقا.  

إذا توخّينا أن نعيش بزخم مرّة أخرى ميزة تآلف أنعش بين طيّات رموز شهامة شعراء الرّمزية، تكفي قراءة الصّفحات التي دبّجها فيكتور إيميل ميشليه حول أوغست دو فيلييه دو ليل آدم.

أيّ حقبة زمنية تلك عندما استطاعت حزمة رموز إعطاء الوحدة إلى مأساة رمز أكسيل ! بسرعة تستبعد المأساة الرّمزية في إطار الرّمز، المطّلِع على سِرِّ المدنّسِ.

أشار فيكتور إميل ميشليه، ضمن فقرات تقديمه لعمل أكسيل سنة 1890 (حكاية نثرية لأوغست دو فيلييه دو ليل آدم) إلى ارتباك الانتقادات الرّسمية: ”بل لاتتجرّأ على السّأم”.لقد انجذب فيكتور إميل ميشليه إلى فنّ أوغست دو فيلييه دو ليل آدم،كما أنه كتب عمله ”ساردنبال”،”إحدى”الحكايات المتعالية إنسانيا”،متأثّرا تماما بمضامين ”أكسيل”. تمثّل بطريقة أو أخرى شخصية الممسوسة وكذا الفارس الذي يحمل صليبه، إعادة استلهام لأوغست دو فيلييه دو ليل آدم بجهد أقلّ.

عندما نفهم تحديدا بأنّ الرّمز كائن القصيدة الدّيناميكية، أساسا توتّر الصّور المكثّفة، سنرى كيف تغدو تثقيفية وتعليمية، تجارب الرّمزية التي حقّقت وفق درجات مختلفة الدّيناميكية المتخيّلة. 

يحظى الرّمز في خضمّ المسرح، بأقصى توتّره، يميّز حياة بأكملها. يؤكّد بأنّ الحياة تنجز رمز كائن. يختزل الرّمز مصيرا. حقّا ”مصيريا” حسب تعبير بودلير :”يلزم على المسرح، الفنّ الشعائري، موضّحا فيكتور إميل ميشليه، أن تتدفّق بين جنباته حياة الكائنات على مستوياتها الظّاهرة والملغِزة”. تمييز حياة بأكملها برمز رئيسي، يجعل العمل المسرحي متضمّنا أسطورة توحّد المظاهر، وتطمس بؤس طوارئ الحياة، مثلما الحال مع العمل المثابر لهؤلاء الصّبورين أصحاب الرّؤى الحالمة.

باستمرار تطلّع فيكتور إميل ميشليه نحو رمز يومي، بمثابة خبز يومي للشّعراء الحقيقيين، بجانب الرّمز الأساس الذي يقدم خطّا مستقيما إلى المصير، وكذا الشّعار المبدئي حيث أمكن إرادات الانسان العثور على شجاعة الانسجام. يتأمّل إذن الموضوع في العمق؛ من خلال الموضوع، يمنح الرّمز أكثر من الشّكل كينونة العالم. تقدّم الرّموز إشارات إلى المادّة، تجعلها موجودة ضمن هندسة هاته الإشارات. لذلك ينجذب الشّاعر طيلة حياته نحو كتب الخيمياء. لن تتوقّف قط دعوته التّبشيرية.

يستشهد إميل ميشليه بمقطع من رسالة للشاعر الغامض مالارميه صاحب الأحلام الواضحة: ”التّنجيم تأويل لإشارات خالصة، ينبغي على كل أدب الامتثال لها، اندفاع فوري للذّهن”. ثم يوقّع الشّاعر الكبير رسالته بما يلي: ”إليكم، وأنا مقتنع جدا”.

جاءت لبنات هذا المسار، نتيجة مبادرة ستانيسلاس دو غيتا. لذلك، وضع ميشليه ابتداء من أولى صفحات كتابه ”رفاق تجلّي المقدّس’‘، تصميما بسيطا يوضح شغف دو غيتا والكلاسيكية الجديدة بالتّنجيم والقوى الخفيّة، ثمّ الاهتمام الكبير بالمعارف الخيميائية خلال نفس حقبة صعود العلم.

انتمى ستانيسلاس دو غيتا طالبا، إلى حجرات ثانوية هنري بوانكاري في نانسي، ثمّ العمل في مختبر سان كلير دوفيل، وأبدع خلال تلك الفترة مجموعته الشعرية”الإلهام الأسود”. يقول ميشليه:”مثلما اختبر الوضع أغلب الخيميائيين المعاصرين،كان من الضّروري أن يقوده الكيمياء، باعتباره سلسلة ملاحظات متغيرة،صوب الخيمياء العلم العقائدي منذ غابر العصور.يبدو بأنّ عينيه،ثمّ فقط ملامح زُحَلية لوجهه الشّمسي،ينبغي لهما الانغماس في تأمّل فضولي حول الإزهرار السّامّ للطّبيعة والانسان : لقد درس السّموم قبل استحضار الأرواح الشّرّيرة”.

لذلك تتيح كتب العصور القديمة، تعميق الثّقافة الجوهرية في شكل تعالٍ نحو الماضي:”قضى ستانيسلاس دو غيتا ليالي شباب حياته بجوار مصباح وكتب رائعة”.

يفتقد فيكتور إيميل ميشليه لهذا الصّبر. يشعرنا باستعجاله كي يستثمر الخفيّ شعريّا، بحيث اضطهد الكتاب السّحر المذهل. لقد توخّى الشاعر تحديث الخيمياء التّقليدي شعريّا. أيضا عندما يعيش ثانية الاساطير المتباينة عن الأحجار الكريمة، نحسّ بكونه تحت سيطرة إرادة تلتمس قوّتها من صيغة سحر فوري. تفاعله مباشر مع التأمّل الشّارد، رغم عبء القراءات، وكذا سجالاته مع رفاق جماعة كشف المقدّس. يحيل الشّاعر مثلا على الخاصّية السّريعة لحدوس المرأة. يقول فيكتور إيميل ميشليه في حواره السّادس ضمن فصول كتابه ”الحبّ والسّحر”، بأنّ النّساء لهنّ غريزة الأحجار الكريمة. حجرة تلمع، مثل كلّ شيء يلمع، تمثّل بالنّسبة للمرأة، مبدأ نظرات. تحسّ المرأة بأنها موضوع نظرات عين الزمرّد النّاعم. تعمل الأحجار على تكثيف الإغراءات: تدحرج الموجات الأثيرية روائح جنسية ذات شغف يستحيل مقاومته”.

إحدى سمات رمز يتموقع ضمن مجال السّحر والتّنجيم، إنّه مكمن تناقضه. قبل استبعاد التّحليل النّفسي تيمة التّناقض (1)، يبدو بأنّ رمزية ستانيسلاس دو غيتا وفيكتور إميل ميشله اختبرت هذه المانوية (رؤية ثنائية) على مستوى الرّؤيا. بهذا الخصوص، قدّمت غالبا المجموعة الشّعرية التي وضع لها ميشليه عنوان ”أبواب الحاس” عدّة شهادات، الرّؤيا ضمن نطاق الإغواء وكذا الصّفاء، في إطار مجال متردّد حيث الشّيطاني بصدد تقليب الإلهي. انطوت قصيدة إميل ميشلي، على زنابق ذات قتامة بيضاء.

توخّى الشّاعر في عمله ”مقدمة سردنبال”، أن يرسم إلى عشقه المتمثِّل في ”النّقاء نفسه” ”إحدى أحلامه السيِّئة”.

يصبح كلّ شيء أمام أنظار الشّاعر، رمزا لكن يلزمه الاندراج ضمن حكاية الخير والشرّ. تنتقم الأحجار، مثل المرأة، حيال عدم الوفاء وكذا تجاهل سمتهما الرّمزية. يكفي تكثيف ميزة قصد الإيحاء بهوَّة. الحجر وسيط للشّغف. تصبح مختلف الأشياء، بمجرّد إبراز دلالتها الرّمزية، إشارات عن محنة عميقة. تصبح مرايا تضخيمية للإحساس! لاشيء في الكون يظلّ غير مكترث حين إعطاء مختلف الأشياء عمقها.

كما نرى، تنطلق القوى الرّمزية والتّنجيمية والشّعرية، من نفس الأصل وكذا الأعماق نفسها.   

يعتبر فيكتور إميل ميشليه من الذين اعتقدوا بحقيقة الحياة الشّعرية، وأوضح حسب قواه المختلفة بأنّ الشعر حياة أساسية.

ينبغي توثيق تاريخ مجهود من هذا القبيل. بوسع الشّعر، مثلما ندرك عبر حيثيات صفحات كتاب ريتشارد نولز، أن يجعلنا نرهف السّمع إلى الصّدى الأكثر عمقا للشّخصية الإنسانية، وكذا تمثّل عمق قولة وظّفها فيكتور إميل ميشليه قصد تجميعه المظاهر المتفرِّدة لشخص مع حقيقته الباطنية: ”تعتبر الشّخصية، بمثابة النّبرة الصّوتية الخاصّة بشخص معين”.        

هامش:

مصدر المقالة:

Gaston Bachelard : Le Droit de rêver (1970). pp :173-179.

– نقرأ سنة 1900، بين صفحات كتاب ميشليه”حكايات فوق إنسانية”العبارة التالية:”الكراهية تمرّد للحبّ” (ص 87).

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!