رحيل موريس بوتان: طَيُّ صفحة من ذاكرة بنبركة وفلسطين

رحيل موريس بوتان: طَيُّ صفحة من ذاكرة بنبركة وفلسطين

السؤال الآن:

       غيّب الموت صباح اليوم الأحد 9 غشت 2026، في منطقة فوكليوز بجنوب فرنسا، المحامي والنقابي والحقوقي البارز موريس بوتان  Maurice Buttin عن عمر يناهز 97 عاما. وبغيابه تطوى صفحة ناصعة لواحد من أبرز الوجوه اليسارية الكاثوليكية المدافعة عن عدالة القضية الفلسطينية في فرنسا، وأحد آخر الشهود والمحامين التاريخيين الذين خاضوا معركة كشف الحقيقة في ملف اغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بنبركة.

وكان المحامي عمر محمود بنجلون سبّاقا إلى نعي الراحل عبر صفحته على منصة فيسبوك، موضحا أن رحيله يمثل انطفاء جزء أصل وثيق من الذاكرة السياسية والقضائية المشتركة بين المغرب وفرنسا، وهو النعي الذي أكدته اتصالات حقوقية وخاصة بعائلة الراحل في باريس.

ولد موريس بوتان في 10 ديسمبر 1928 بمدينة مكناس بالمغرب، لأبوين ينحدران من إقليم Savoie الفرنسي. تشرب الشغف بالحقوق والنضال من والده بول بوتان، الذي شغل منصب نقيب المحامين بمكناس وكان من المدافعين البارزين عن أفراد المقاومة المغربية إبان الحماية.

انضم الراحل رسميا إلى هيئة المحامين بالرباط عام 1954. وفي عام 1963، تعرّض للطرد من التراب المغربي، مضحيا بفترة تدريبه عقب إصراره الصلب على الدفاع عن مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في القضية الشهيرة المعروفة بـ”مؤامرة يوليوز 1963″، والتي صدرت فيها أحكام بالإعدام بحق قيادات تاريخية، أمثال المهدي بنبركة، وعمر بنجلون، والفقيه محمد البصري، ومومن الديوري.

إثر اختطاف المعارض المهدي بنبركة بالعاصمة الفرنسية باريس في أكتوبر 1965، كُلّف بوتان رسميا بتمثيل عائلة بنبركة كطرف مدني. واستمر نضاله القانوني والإعلامي لأكثر من نصف قرن متواصلة، تفتيشا عن الجثمان وتفكيكا لملابسات الجريمة، ليقود بذلك أقدم ملف تحقيق في تاريخ القضاء الفرنسي.

ناضل بوتان بلا كلل لمواجهة صمت أجهزة الدولة والمناطق المظلمة في الملف، معريا تعثر التعاون القضائي بين باريس والرباط، وهو ما عرّضه للملاحقة القضائية عام 2014 بتهمة “خرق السر المهني” عقب كشفه عن صدور مذكرات توقيف دولية، قبل أن يقضي القضاء الفرنسي بتبرئته لاحقا.

في محطة تاريخية بارزة بين عامي 1969 و1970، وبطلب مباشر من القيادي الاتحادي الراحل عبد الرحمن اليوسفي، توجه بوتان إلى مدريد للتدخل في قضية اختطاف المناضلين سعيد بونعيلات وأحمد بنجلون من قبل سلطات فرانكو بتنسيق مع الجنرال محمد أوفقير، حيث قاد حملة تضامن دولية واسعة أطلقت عليها الصحافة العالمية حينها اسم قضية بنبركة الثانية.

ولم يقتصر نضال بوتان، بصفته كاثوليكيا يساريا ومحاميا شرفيا في هيئة باريس على الملف المغربي، بل ضحى بمستقبله المهني وبمكتبه لصالح القضية الفلسطينية ومناهضة ممارسات الفصل العنصري، حيث ترأس المؤتمر الدولي حول الفصل العنصري في فلسطين بقصر لوكسمبورغ.

كما خَلّف الراحل أعمالا توثيقية تؤرخ لكواليس الحقبة السياسية والقضائية المعقدة بين المغرب وفرنسا، من أبرزها:

– ما أعرفه عن قضية بنبركة (Ce que je sais de l’affaire Ben Barka).

– إنكار فلسطين (Le déni de Palestine).

يرحل موريس بوتان بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية، تاركا إرثا حقوقيا وإنسانيا نموذجيا في الشجاعة والتمسك بالقيم، وذاكرة حية ستبقى عصية على النسيان ولن تسقط أبدا بالتقادم.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!