الإمساك بأوديسا سيقلب الموازين… هل يفعلها بوتين؟
د. زياد منصور
♦ بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، يبدو أن الوقت قد حان لإعادة طرح السؤال الذي رافقها منذ أيامها الأولى، ولكن بصيغة مختلفة: أين يمكن أن تقع الضربة التي تغيّر ميزان الحرب فعلاً؟
هل يكون الحسم في دونباس؟
هل يكون عبر إنهاك الجيش الأوكراني حتى يصل إلى نقطة العجز عن تعويض خسائره؟
هل يأتي من تغير الموقف الأميركي؟
أم أن هناك هدفاً جغرافياً واحداً يمكن، إذا تغير وضعه، يمكن أن يحول سلسلة المكاسب التكتيكية الروسية إلى تحول استراتيجي يصعب على الغرب احتواؤه؟
باعتقادي ذلك الهدف هو أوديسا. فلأوديسا بعد تاريخي يفسر جانباً من ثقلها في المخيال الروسي المعاصر. فالمدينة الحديثة نشأت في أواخر القرن الثامن عشر فوق موقع حاجي باي، الذي انتقل إلى السيطرة الروسية عقب الحروب الروسية–العثمانية وصلح ياش سنة 1791. وفي عام 1794، في عهد الإمبراطورة كاترين الثانية، بدأ إنشاء الميناء والمدينة الجديدة بإشراف خوسيه دي ريباس والمهندس فرانسوا دي فولان، قبل أن تحمل اسم أوديسا سنة 1795. كما أنها وخلال القرن التاسع عشر تحولت بسرعة إلى واحدة من أهم مدن الإمبراطورية الروسية ومنافذها التجارية على البحر الأسود؛ وساعد نظام «الميناء الحر» بين 1819 و1859 على ازدهارها، حتى أصبح ميناؤها في أواخر القرن التاسع عشر ثاني موانئ الإمبراطورية من حيث حجم التجارة بعد سان بطرسبورغ. وهكذا فإن أوديسا، في الذاكرة الروسية، ليست مجرد مدينة أوكرانية ذات أهمية عسكرية معاصرة، بل مدينة ارتبط صعودها الحديث تاريخياً بالتوسع الروسي نحو البحر الأسود وبمشروع الإمبراطورية الاقتصادي والجيوسياسي في الجنوب.
كما أن الأمر ليس لأن المدينة أكبر من كييف أو أهم منها سياسياً. كييف ستظل العاصمة ومركز الدولة الأوكرانية. لكن أوديسا تمتلك شيئاً لا تمتلكه كييف، وهو البحر!
ومن يغيّر وضع أوديسا لا يغيّر فقط خطاً على الخريطة، وإنما يضغط على اقتصاد أوكرانيا، وعلى قدرتها على التجارة، وعلى جناحها الجنوبي، وعلى علاقتها بمولدوفا ورومانيا، وعلى مستقبل البحر الأسود نفسه. ومن هنا تنطلق أطروحة هذه المقالة: إذا استطاعت روسيا نقل مركز ثقل الحرب إلى الجنوب ووضعت أوديسا أمام خطر عسكري حقيقي، فقد تستطيع فرض معادلة استراتيجية على الغرب أشد قسوة من أي معادلة فرضتها معارك دونباس. أما إذا تمكنت من السيطرة على المدينة، فإن ميزان الحرب نفسه سيتغير. ولا يعني ذلك أن احتلال أوديسا أصبح وشيكاً، أو أن قراراً روسياً بهذا الشأن قد اتُّخذ؛ فلا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تسمح بالجزم بذلك. لكن الاستراتيجية لا تدرس فقط ما حدث، وإنما تدرس أيضاً ما يستطيع الخصم فعله إذا تغيرت الظروف.
هل أخطأ بوتين عندما اتجه إلى كييف بدلاً من أوديسا؟
هذا سؤال سيبقى مفتوحاً أمام المؤرخين العسكريين طويلاً. ففي شباط 2022، حاولت روسيا تحقيق نتيجة سياسية سريعة عبر الضغط على كييف. وكان الرهان واضحاً في بنيته العامة: صدمة عسكرية كبيرة، واقتراب سريع من العاصمة، ثم انهيار سياسي أو تسوية مبكرة. فشل الرهان؛ إذ انسحبت القوات الروسية من شمال أوكرانيا، واستمرت الدولة، وتدفقت الأسلحة والأموال الغربية، وتحولت الحرب الخاطفة المتوقعة إلى حرب استنزاف طويلة بين الغرب وروسيا. لكن الصورة في الجنوب كانت مختلفة؛ فقد خرجت القوات الروسية من القرم، وسيطرت على خيرسون في الأسابيع الأولى، وتقدمت باتجاه ميكولايف.
وهنا يمكن طرح السؤال التالي: ماذا لو كانت الكتلة الروسية التي استُهلكت حول كييف قد استُخدمت لتعزيز محور خيرسون–ميكولايف–أوديسا؟ ورغم أنه لا توجد طريقة علمية لإثبات أن روسيا كانت ستنجح، لكن يمكن تقييم النتيجة التي كان النجاح سيحققها. فلو سقطت أوديسا في الأسابيع أو الأشهر الأولى للحرب، لكانت أوكرانيا فقدت الجزء الأهم من نافذتها البحرية في اللحظة نفسها التي كانت تحاول فيها بناء اقتصاد حرب طويل، ولكانت روسيا قد انتقلت إلى موقع جغرافي مختلف تماماً على البحر الأسود. وهنا يمكن أن يكون الخطأ الروسي في 2022 أعمق من مجرد فشل الهجوم على كييف: ربما حاولت موسكو ضرب رأس الدولة قبل أن تقطع عنها إحدى رئاتها.
أوديسا ليست مدينة… إنها منظومة
الأرقام الحالية تفسر قيمة أوديسا بصورة أفضل من أي خطاب سياسي؛ فالتصعيد في البحر الأسود خلال صيف 2026 أدى إلى تعطيل السفن والموانئ وشحنات الحبوب، وارتفعت العقود الآجلة للقمح في شيكاغو بأكثر من 17% منذ أوائل تموز وسط اضطرابات الإمدادات، وأصبح المستوردون يبحثون عن مصادر أغلى خارج البحر الأسود. وهذا يكشف الحقيقة الاستراتيجية للمدينة؛ فأوديسا ليست مجرد ميناء، بل هي جزء من شبكة تربط الإنتاج الزراعي الأوكراني بالأسواق العالمية، وتمنح الاقتصاد الأوكراني منفذاً بحرياً مستقلاً، وتوفر للدولة جزءاً مهماً من قدرتها على الحصول على العملات والعوائد التجارية أثناء الحرب.
ولذلك، فإن المسألة لا تتطلب بالضرورة احتلال المدينة؛ إذ يمكن لموسكو محاولة إضعاف وظيفة أوديسا قبل السيطرة عليها. وهذا ما يجعل تصريح بوتين في 22 آب 2026 عن أن أوكرانيا فتحت على نفسها «صندوق باندورا» بضرب المنشآت الاقتصادية الروسية مهماً؛ فقد قال الرئيس الروسي إن الرد سيطال القطاعات الاقتصادية الأوكرانية «الأكثر حساسية»، بينما كانت روسيا تضرب بالفعل طرق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود. نحن إذن أمام انتقال محتمل من حرب الجبهة إلى حرب قدرة الدولة على مواصلة الحرب.
الخنق قبل الاحتلال
وهذا ربما يكون السيناريو الروسي الأكثر عقلانية في المدى الأقرب؛ فلماذا تخوض روسيا معركة ضخمة لاحتلال مدينة كبيرة إذا استطاعت أولاً تقليص قيمتها الاقتصادية؟ يمكن الضغط على الموانئ، وجعل الملاحة أكثر خطورة، وزيادة كلفة التأمين، وضرب البنية المرتبطة بالتصدير والطاقة والنقل، ويمكن بذلك تحويل البحر الأسود نفسه إلى ساحة استنزاف اقتصادي. ولهذا تحديداً تصبح عبارة «صندوق باندورا» ذات دلالة؛ فالصندوق يعمل في الاتجاهين: روسيا تضرب اقتصاد أوكرانيا، وأوكرانيا تضرب بقرار غربي الاقتصاد الروسي. لكن الفارق الذي تراهن عليه موسكو، هو القدرة على تحمل حرب الاستنزاف فترة أطول من خصومها بكثير.
سقوط أوديسا سيغير طبيعة الدولة الأوكرانية
إذا انتقلنا من سيناريو الخنق إلى السيناريو الأكبر — السيطرة الروسية على أوديسا — تصبح النتائج مختلفة جذرياً. لن تختفي أوكرانيا، ولن تنقطع كل طرق اتصالها بالغرب، لكنها ستصبح دولة أكثر اعتماداً على حدودها البرية الغربية وعلى شبكة أصغر من الممرات الاقتصادية واللوجستية التي يمكن للسيطرة الجوية الروسية أن تعالجها بكل ثقة. وهذا فارق استراتيجي مهم؛ فالدولة التي تمتلك البحر والبر تستطيع توزيع المخاطر، أما الدولة التي يضيق وصولها إلى البحر، فتصبح الممرات البرية أكثر أهمية، وبالتالي أكثر حساسية. ومن هنا، فإن الإمساك بأوديسا يمكن أن يؤدي إلى سلسلة مترابطة: إضعاف التجارة البحرية، ثم تقليص الإيرادات والمرونة الاقتصادية، وزيادة الاعتماد على أوروبا، زيادة أهمية الممرات البرية وصولا إلى ارتفاع كلفة استمرار الحرب على كييف وحلفائها. إنها ليست ضربة واحدة، بل إعادة تشكيل لشروط استمرار الدولة في الحرب.
أوديسا والإمدادات العسكرية
ورغم أن الإمساك بأوديسا لن يقطع كل الأسلحة الغربية عن أوكرانيا، إذ سيبقى الممر البولندي شديد الأهمية، وكذلك الطرق القادمة من دول أوروبية أخرى. لكن السيطرة الروسية على جنوب غرب أوكرانيا ستقلص مرونة المنظومة اللوجستية وتزيد الضغط على جناحها الجنوبي، وهذا مهم في حرب الاستنزاف؛ فالمشكلة ليست فقط مقدار السلاح الذي يمتلكه الجيش، وإنما: كم طريقاً يمتلك لإيصاله؟ وكم من هذه الطرق يستطيع الخصم تهديده؟ وما تكلفة حماية كل طريق؟ وما سرعة تعويض الخسائر؟ فكلما تقلص عدد الخيارات، ازدادت قيمة الخيارات المتبقية. وبذلك، لا تكون أوديسا «القاطع» الوحيد للإمدادات الغربية، لكنها تستطيع أن تصبح مضاعفاً للضغط على شبكة الإمداد الأوكرانية.
الطريق إلى مولدوفا… والاقتراب من الناتو
بعد أوديسا تأتي الجغرافيا؛ فإلى الغرب تقع مولدوفا، وفي شرق مولدوفا تقع ترانسنيستريا، وبعد مولدوفا تأتي رومانيا، العضو في الناتو. وهذا يعني أن السيطرة الروسية الافتراضية على أوديسا لن تكون مجرد توسع داخل أوكرانيا، بل ستعيد تشكيل غرب البحر الأسود، وستضع روسيا في موقع أقرب إلى أحد أكثر الأجنحة الأطلسية حساسية. وهنا تكمن مفارقة أوديسا: إنها تستطيع أن تمنح روسيا انتصاراً استراتيجياً ضخماً، وتقرّب روسيا والناتو من بعضهما عسكرياً بدرجة خطيرة. مع ما يعنيه ذلك من ضرورة توجيه رسائل واضحة إلى الناتو عن قدرات روسيا، مما سيسهم فعليا في تبريد الرؤوس الحامية في الناتو وتسريع وهذا تحديداً ما يجعل قراراً من هذا النوع — إذا نوقش في موسكو — قرارًا مهما ونوعيًا.
الإنزال البحري ليس مستحيلاً… لكنه لم يعد عملية 2022
تغيرت معادلة البحر الأسود بصورة واضحة خلال الأشهر الأخيرة. فالهجمات الروسية المتتالية على موانئ أوديسا وتشورنومورسك وإسماعيل ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية، وقلصت قدرة الموانئ الأوكرانية على العمل، ورفعت مخاطر الشحن والتأمين، وأجبرت كييف على البحث عن طرق تصدير بديلة لا تستطيع حتى الآن تعويض كامل طاقة موانئ البحر الأسود.
وهذا يجعل القول إن روسيا غير قادرة على فرض عزل بحري وضغط اقتصادي شديد على أوديسا أقل إقناعاً مما كان عليه قبل عام أو عامين. فموسكو لا تحتاج إلى السيطرة المطلقة على كل ميل بحري قبالة أوديسا حتى تحقق أثراً استراتيجياً. يكفي أن تجعل الملاحة مكلفة وخطرة، وأن تضرب البنية التحتية للميناء بصورة متكررة، وأن تعطل جزءاً من حركة السفن، وأن تربط البحر بضغط صاروخي وجوي مستمر على منشآت النقل والطاقة.
وبهذا المعنى، تستطيع روسيا أن تقترب من حصار فعلي وظيفي حتى من دون إعلان حصار بحري كلاسيكي كامل. لكن الصورة ليست أحادية.
فأوكرانيا، رغم الأضرار التي لحقت بموانئها، ما زال الغرب يؤمن لها امدادات من الصواريخ والمسيّرات البحرية يمنحها بعض القدرات على تهديد القطع الروسية والمنشآت البحرية في القرم ونوفوروسيسك.
ولذلك فإن السيناريو الروسي الأكثر واقعية ليس انتظار معركة بحرية تقليدية تحطم فيها روسيا «أسطولاً أوكرانياً» لم يعد موجوداً أصلاً بالمعنى التقليدي.
إن المعركة الحقيقية هي معركة منع الاستخدام، بحيث تحاول روسيا حرمان أوكرانيا من الاستخدام الآمن للبحر والموانئ. والتطورات الأخيرة تشير إلى أن موسكو أصبحت قادرة على إلحاق ضرر متزايد بوظيفة موانئ أوديسا نفسها، وهو عامل بالغ الأهمية إذا جرى ربطه مستقبلاً بعملية برية واسعة في الجنوب.
وعندها يمكن تصور سيناريو لا يبدأ بإنزال بحري ضخم، وإنما بعزل تدريجي للمسرح: ضرب الموانئ والطاقة والنقل، تقليص الملاحة، الضغط الجوي والصاروخي، ثم استخدام القوة البحرية لمنع وصول الدعم من البحر ودعم العمليات الروسية الأوسع.
بمعنى آخر فإن وظيفة الأسطول الروسي في معركة أوديسا المحتملة قد لا تكون أن يحتل المدينة من البحر.
قد تكون وظيفته الأهم أن يجعل البحر غير قادر على إنقاذها.
وفي هذه الحالة يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع روسيا تنفيذ «نورماندي روسية» على شواطئ أوديسا؟
بل: هل تستطيع روسيا خلق تفوق مشترك بري–جوي–بحري يجعل الدفاع عن أوديسا غير قابل للاستمرار؟
إن الضربات الأخيرة لا تثبت أن موسكو وصلت إلى هذه المرحلة بعد، لكنها تدل بوضوح على أنها أصبحت أقرب إلى القدرة على تعطيل الوظيفة البحرية والاقتصادية لأوديسا مما كانت عليه في مراحل سابقة من الحرب.
فإذا وقعت عملية روسية كبرى باتجاه أوديسا مستقبلاً، فمن الأرجح أن تكون عملية متعددة المجالات: ضغط بري، وضربات جوية وصاروخية، ومسيّرات، وعزل بحري، وحرب إلكترونية، ومحاولة تعطيل اللوجستيات. أي إن الأسطول لن يحتاج بالضرورة إلى احتلال المدينة بنفسه؛ فقد تكون مهمته الأساسية منع البحر من إنقاذها.
أوديسا وسباق ما قبل التسوية
هذه ربما أخطر نقطة في الحساب الروسي؛ فالغرب لم يعد يتحدث فقط عن تسليح أوكرانيا أثناء الحرب، بل هناك الآن تخطيط لما بعد وقف إطلاق النار. وفي 13 تموز 2026، أعلن «تحالف الراغبين»، بقيادة فرنسا وبريطانيا، أن القوة متعددة الجنسيات لأوكرانيا (MNF-U) أصبحت جاهزة للعمل بعد وقف موثوق للأعمال القتالية، وأنها يمكن أن تعمل داخل أوكرانيا على الأرض وفي الجو وفي البحر بناءً على طلب كييف. ولقد اختيرت أوديسا تحديداً كموقع لنشر القوات الفرنسية والبريطانية.
دون أدنى شك فإن أحد أهداف الغرب تأمين الدولة الأوكرانية بعد وقف الحرب، ومن الواضح أن البحر الأسود سيكون جزءاً من الحساب الاستراتيجي. وهنا يمكن أن ترى موسكو مشكلة زمنية: قبل التسوية: أوديسا جزء من ساحة الحرب الروسية–الأوكرانية. بعد التسوية ووجود قوة أوروبية: محاولة تغيير وضع المدينة قد تخلق مواجهة مباشرة مع قوات دول نووية في الناتو. ومن هنا قد يصبح السؤال الروسي: هل يجب تغيير الخريطة قبل أن تجمدها التسوية؟
الحرب الطويلة… الرهان على إنهاك أوروبا
وهنا نصل إلى عنصر لا يقل أهمية عن أوديسا نفسها: الزمن. فمن الخطأ الاعتقاد أن الحرب تستنزف روسيا وأوكرانيا وحدهما؛ إنها تستنزف أوروبا أيضاً، وإن كان الاستنزاف الأوروبي مختلفاً جذرياً عن خسائر الدولتين المتحاربتين. فأوروبا لا تدفع الثمن نفسه بالدم، لكنها تدفع بالمال والسلاح والطاقة وإعادة بناء المخزونات وزيادة الإنفاق الدفاعي وتمويل أوكرانيا وإعادة تشكيل صناعاتها العسكرية.
والأرقام هائلة؛ إذ تقول المفوضية الأوروبية إن الاتحاد الأوروبي ودوله قدموا منذ بداية الحرب أكثر من 220 مليار يورو من الدعم لأوكرانيا والأوكرانيين. وفي 2026 وحده، تقرر توفير ما يصل إلى 45 مليار يورو، منها 28.3 ملياراً لدعم القدرات الصناعية الدفاعية الأوكرانية. كما أطلق الاتحاد الأوروبي خطة Readiness 2030 التي تستهدف إتاحة ما يصل إلى 800 مليار يورو من الاستثمارات والإنفاق الدفاعي الإضافي، بينها أداة SAFE بقيمة 150 مليار يورو من القروض.
وفي الإطار الأطلسي، التزم الحلفاء في قمة لاهاي 2025 بهدف استثمار 5% من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع والأمن بحلول 2035. وهذه الأرقام لا تعني أن أوروبا ستفلس؛ لكن الحجم الاقتصادي ليس هو المشكلة الوحيدة في حرب طويلة؛ فالمشكلة هي الاستدامة السياسية. كل مليار إضافي للدفاع يدخل في منافسة سياسية مع الصحة والتعليم والتقاعد والبنية التحتية والضرائب وخدمة الدين. وهنا تكمن نقطة الضعف الأوروبية التي قد تراهن عليها موسكو: روسيا لا تحتاج إلى إفلاس أوروبا؛ يكفي أن تجعل الكلفة السياسية لكل سنة جديدة من الحرب أعلى من السنة السابقة.
أوروبا تستطيع الدفع… لكن إلى متى تريد أن تدفع؟
هذه هي المعادلة الأكثر دقة؛ فأوروبا أثبتت منذ 2022 أن التوقعات بانهيارها السريع كانت خاطئة. تكيفت مع أزمة الطاقة، ونوّعت مصادرها، وزادت الإنفاق العسكري، ووسعت مساعداتها لكييف. بل إن أحدث بيانات Kiel Institute تشير إلى أن أوروبا رفعت مخصصاتها لأوكرانيا بصورة كبيرة في أيار حزيران 2026، وإن كانت لا تزال تعتمد بدرجة مهمة على الأسلحة الأميركية في المساعدة العسكرية.
كما أن قرض الدعم الأوروبي الجديد لأوكرانيا يبلغ 90 مليار يورو لعامي 2026 و2027. لكن السؤال ليس: هل تستطيع أوروبا؟ بل: كم سنة تستطيع، وبأي تكلفة سياسية واجتماعية، ولتحقيق أي نتيجة؟ فإذا دخلت الحرب عامها السادس ثم السابع، وأصبحت أوروبا مسؤولة عن حصة أكبر من التمويل، بينما تعيد تسليح نفسها في الوقت نفسه، فإن النقاش السياسي سيتغير بالضرورة، لأن هناك ناخب في هذه الديمقراطيات المزعومة سيسأل إلى من تحوّل الكلفة الخارجية، وهذا سؤال انتخابي داخلي. وهنا يصبح الزمن أداة استراتيجية، والزمن مع روسيا في هذا الإطار.
أوروبا أمام استنزاف مزدوج
هناك استنزاف آخر غالباً ما يغيب عن الحساب؛ فأوروبا لا تمول أوكرانيا فقط، بل إنها مطالبة أيضاً بتمويل إعادة تسليح نفسها. وهذا يعني أنها تواجه عمليتين ماليتين متوازيتين: تمويل حرب قائمة في أوكرانيا، والاستعداد لحرب محتملة في أوروبا. وكلما استمرت الأولى، ارتفعت كلفة الثانية؛ لأن الذخائر المستخدمة تحتاج إلى تعويض، والدفاعات الجوية تحتاج إلى إنتاج، والجيوش تحتاج إلى أفراد، والبنية التحتية تحتاج إلى تعديل حتى تسمح بنقل القوات والمعدات. والمفوضية الأوروبية نفسها تقول إن Readiness 2030 يهدف إلى إغلاق فجوات القدرات، وزيادة الإنتاج، وتحسين الحركة العسكرية عبر الاتحاد. وهذه ليست لغة قارة لا تشعر بالكلفة، بل لغة قارة تستعد لدفع كلفة استراتيجية طويلة.
المفارقة الأميركية داخل الاستنزاف الأوروبي
هناك أيضاً نقطة شديدة الأهمية؛ فأوروبا تزيد دعمها، لكن جزءاً من منظومة تسليحها لا يزال يعتمد على الولايات المتحدة. فأوروبا تقود في تقديم المساعدات، لكن الأسلحة الأميركية تبقى أساسية. وهذا يجعل الاستراتيجية الأوروبية عرضة لمتغير لا تتحكم فيه أوروبا بالكامل: السياسة الأميركية. فإذا بقي الالتزام الأميركي قوياً، تستطيع أوروبا توزيع العبء، أما إذا انخفض، فسيكون على الدول الأوروبية الاختيار بين زيادة الإنفاق بدرجة أكبر أو خفض مستوى الدعم. وهنا قد يراهن الكرملين على أن الزمن لا يستنزف المخزونات فقط، بل يستنزف أيضاً التوافق السياسي عبر الأطلسي.
بوتين ومشكلة النصر الذي يمكن تقديمه للداخل
حتى الآن، لا يبدو أن روسيا قادرة فعلياً على تقديم نصر حاسم ومقنع يتناسب مع حجم الحرب وطول مدتها والكلفة التي ترتبت عليها. وربما يرتبط جانب من ذلك بتعدد الضغوط داخل النظام الروسي نفسه؛ فمن جهة، توجد مصالح اقتصادية ودوائر من رجال الأعمال وشرائح من النخب الروسية الميسورة التي لا يمكن افتراض أنها تنظر جميعها بالطريقة نفسها إلى استمرار حرب طويلة وما يرافقها من عقوبات وعزلة واضطراب في العلاقات الاقتصادية مع الغرب. ومن جهة أخرى، توجد قوى قومية وأكثر تشدداً ترى أن القيادة الروسية لم تستخدم بعد كل ما تملكه من أدوات لتحقيق نصر واضح، وأن إدارة الحرب بمنطق الاستنزاف البطيء لا تحقق النتيجة التي تتناسب، في نظرها، مع حجم التضحيات والموارد التي استُهلكت منذ عام 2022. ولذلك يجد بوتين نفسه، كلما امتدت الحرب واستمر الضغط الغربي، أمام معادلة داخلية وخارجية تزداد تعقيداً: فالتراجع من دون مكسب استراتيجي كبير قد يصبح أصعب سياسياً، في حين أن استمرار الحرب بلا نتيجة حاسمة يراكم بدوره الضغوط والتكاليف.
ومن هنا يمكن فهم المشكلة باعتبارها مشكلة تحويل الكلفة إلى نتيجة سياسية قابلة للتقديم بوصفها نصراً. فالحروب التي تمتد سنوات لا تُقاس في النهاية بعدد البلدات التي تغيرت السيطرة عليها أو بعدد الكيلومترات التي تحركت عندها الجبهة فحسب، وإنما بما إذا كانت الدولة تستطيع أن تقول لمجتمعها ونخبها ومؤسساتها إن الثمن الذي دُفع أدى إلى تغيير استراتيجي ملموس ودائم. وكلما ارتفعت كلفة الحرب، ارتفع معها — منطقياً وسياسياً — سقف النتيجة المطلوبة لتبرير استمرارها. ولذلك فإن مكاسب محدودة في دونباس، مهما كانت لها قيمة عسكرية، قد لا تكون وحدها كافية لبناء سردية نصر تتناسب مع حرب استمرت سنوات، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة، وأعادت تشكيل الاقتصاد الروسي وعلاقاته مع أوروبا والغرب.
وهنا يظهر ضغط آخر على الكرملين مصدره التيارات القومية والمتشددة داخل المجال السياسي والإعلامي الروسي، التي لا تقيس نجاح بوتين بمجرد قدرة الدولة على الصمود أمام العقوبات أو منع أوكرانيا من تحقيق نصر عسكري، بل تطالبه بنتيجة إيجابية واضحة يمكن رؤيتها على الخريطة وترجمتها إلى مكسب جيوسياسي. ومن منظور هذه القوى، فإن الصمود ليس هو النصر، ومنع الهزيمة ليس بديلاً عن تحقيق أهداف استراتيجية كبيرة. ومع مرور الوقت، يمكن أن يصبح الفارق بين «روسيا لم تُهزم» و«روسيا انتصرت» أكثر أهمية بالنسبة إلى شرعية السردية التي يقدمها النظام عن الحرب.
وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في تصوير هذه الضغوط الداخلية وكأنها تفرض بصورة آلية قراراً بعينه على بوتين؛ فالنظام الروسي يمتلك أدوات واسعة لإدارة المجال السياسي والإعلامي وإعادة تعريف أهداف الحرب ونتائجها. كما لا تتوافر أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن رجال الأعمال أو التيارات القومية قادرون منفردين على فرض استراتيجية عسكرية محددة على الكرملين. لكن وجود هذه الضغوط، حتى مع اختلاف قوتها، يجعل استمرار الحرب بلا نتيجة استراتيجية كبيرة أكثر صعوبة كلما طال الزمن، لأن القيادة تصبح مطالبة بالتوفيق بين من يريدون تقليل الكلفة ومن يطالبون بتوسيع الحرب لتحقيق نتيجة أكبر.
ولهذا، إذا استمر الضغط الغربي واستمرت الحرب سنوات أخرى، فقد يصبح البحث عن نصر فعلي يمكن تعريفه وشرحه والدفاع عنه داخلياً أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى موسكو. والمقصود هنا ليس بالضرورة احتلال مساحة أكبر لمجرد توسيع الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية، بل تحقيق نتيجة تغيّر شروط الصراع نفسه: نتيجة تؤثر في قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب، أو في موقعها الاقتصادي والجيوسياسي، أو في حسابات داعميها الأوروبيين، وتسمح للكرملين بالقول إن ميزان القوى بعد الحرب أصبح مختلفاً بصورة جوهرية عما كان عليه قبلها.
وهنا تعود أوديسا إلى قلب المسألة. فإذا كانت موسكو تبحث، في مرحلة ما، عن نتيجة استراتيجية كبيرة ومفهومة لا تحتاج إلى شروح معقدة كي تُقدَّم بوصفها تحولاً في الحرب، فإن تغيير وضع أوديسا — سواء عبر خنق وظيفتها الاقتصادية والبحرية أو، في السيناريو الأبعد والأكثر صعوبة، عبر السيطرة عليها — سيكون مختلفاً نوعياً عن مكاسب تكتيكية محدودة على امتداد الجبهة. فمثل هذه النتيجة ستمس البحر والتجارة والجغرافيا والاقتصاد وعلاقة أوكرانيا بجنوب شرق أوروبا في آن واحد. وبذلك قد تصبح المسألة بالنسبة إلى الكرملين، إذا طال أمد الحرب وارتفع ثمنها، ليست فقط سؤال كيف تستمر روسيا في القتال؟، بل سؤالاً أشد حساسية: ما النتيجة التي يمكن أن تبرر كل ما دُفع من أجل هذه الحرب، وأن يقدمها النظام الروسي في النهاية باعتبارها نصراً استراتيجياً حقيقياً؟
الشتاء… ليس سلاحاً سحرياً لكنه يضاعف الضغط
قيل الكثير منذ 2022 عن «الجنرال شتاء»، وأثبتت أوروبا أن الشتاء لا يكفي وحده لكسرها. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن الشتاء أصبح بلا قيمة استراتيجية؛ فإذا اجتمع شتاء قاسٍ مع ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الإنفاق الدفاعي، واضطراب البحر الأسود، وارتفاع أسعار الغذاء، وحاجة أوكرانيا إلى مساعدات إضافية، فإن الضغط السياسي على الحكومات الأوروبية سيرتفع. فالشتاء، إذن، ليس سلاحاً مستقلاً، بل هو مضاعف للأزمات الأخرى. وأفضل استراتيجية ضغط ليست انتظار عامل واحد كي يحسم الحرب، بل جعل عدة عوامل تعمل في الاتجاه نفسه: الاستنزاف المالي، والطاقة، واللاجئون، والإنفاق العسكري، والبحر الأسود، وأزمة أوديسا، والخوف من التصعيد. وعندئذ يصبح السؤال الأوروبي: إلى متى؟
هل يقاتل الأوروبيون من أجل أوديسا؟
ينبغي تجنب الإجابات العاطفية؛ فالتاريخ لا يسمح بالقول إن الأوروبيين «لا يقاتلون». فرنسا وبريطانيا قوتان عسكريتان ونوويتان، وقد خاضتا حروباً عندما اعتبرتا مصالحهما مهددة. لكن السؤال الصحيح ليس هل يستطيع الأوروبي القتال، بل: هل تعتبر الحكومات الأوروبية بقاء أوديسا في يد أوكرانيا مصلحة تستحق المخاطرة بحرب مباشرة مع روسيا؟ هذه هي المعضلة. وحتى الآن، استطاعت أوروبا دعم أوكرانيا من دون الدخول رسمياً في حرب روسية–أطلسية، لكن وجود قوات فرنسية أو بريطانية مباشرة يغير المعادلة. وهنا قد تراهن موسكو على أن الغرب سيتوقف عند العتبة، لكن لا توجد ضمانة لذلك، وقد يكون الاعتقاد بأن الخصم سيتراجع أحد أخطر الأخطاء الممكنة في أزمة نووية.
الردع النووي… النصر من دون إطلاق القنبلة
وهنا ينبغي تصحيح فكرة شائعة؛ فروسيا لا تحتاج إلى استخدام السلاح النووي لكي تستفيد منه، بل إن أفضل نتيجة استراتيجية للسلاح النووي هي ألا يُستخدم أصلاً. فإذا استطاعت روسيا تحقيق تقدم تقليدي كبير، ثم أقنعت القوى الأوروبية بأن التدخل المباشر قد يفتح باباً لا يستطيع أحد التحكم في نهايته، تكون الترسانة النووية قد أدت وظيفتها، أي: توفير مظلة استراتيجية للعمل التقليدي. أما استخدام سلاح نووي «محدود»، فلا توجد ضمانة بأنه سيبقى محدوداً؛ فروسيا تستطيع تحديد قرار إطلاق السلاح الأول، لكنها لا تستطيع تحديد رد الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا. ولذلك، فإن السيناريو الأكثر عقلانية من منظور المصلحة الروسية ليس قصف أوديسا نووياً، بل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب التقليدية تحت مظلة ردع تجعل الغرب متردداً في التدخل المباشر. وهذا أكثر خطورة من الناحية السياسية؛ لأنه أكثر قابلية للاستخدام.
أوديسا والزمن = المعادلة الأصعب على الغرب
ماذا يحدث إذا اجتمعت حرب طويلة تستنزف أوروبا، وزيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، واعتماد مستمر على بعض القدرات الأميركية، وضغط روسي على الاقتصاد والموانئ الأوكرانية، وأزمة عسكرية حقيقية حول أوديسا، ثم مظلة ردع نووي تحذر أوروبا من التدخل المباشر. عندها لا يعود السؤال الأوروبي: هل نستطيع مساعدة أوكرانيا؟ بل: هل نستطيع منع النتيجة الروسية من دون أن نصبح طرفاً مباشراً في الحرب؟ وهذا هو السؤال الذي تستطيع موسكو أن تبني عليه استراتيجية حسم.
هل يملك بوتين نافذة قبل أن تتغير أوروبا؟
وهذه ربما أكثر المسائل حساسية؛ فأوروبا 2026 ليست أوروبا 2022. إنها تنفق أكثر، وتنتج أكثر، وتبني هياكل عسكرية جديدة، وتخطط لقوة داخل أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار. ومن ثم، فإن موسكو قد تواجه مفارقة: الزمن يرهق أوروبا سياسياً، لكنه قد يجعلها أقوى عسكرياً. وإذا كان هذا التقدير موجوداً في حسابات الكرملين، فقد تنشأ نافذة استراتيجية؛ أي إن روسيا قد ترى أن السنوات المقبلة ليست مفتوحة بلا نهاية، وأن هناك وقتاً يمكن فيه استغلال التفوق الحالي، ثم قد يأتي وقت تصبح فيه أوروبا أكثر تسلحاً واستعداداً. ومن هنا، تصبح أوديسا جزءاً من سباق مع الزمن.
هل النصر الروسي ممكن؟
نعم، إذا عرّفنا النصر بصورة واقعية. فالنصر الروسي لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال كييف أو السيطرة على كل أوكرانيا، بل قد يتحقق إذا استطاعت موسكو فرض تسوية تحقق جزءاً رئيسياً من أهدافها الاستراتيجية، وتحافظ على مكاسبها الإقليمية، وتمنع ظهور أوكرانيا بوصفها منصة عسكرية غربية قادرة على تهديد روسيا، وتفرض ترتيبات جديدة للأمن الأوروبي. وإذا دخلت موسكو تلك المفاوضات بعد تغيير جذري في الجنوب أو بعد وضع أوديسا أمام خطر السقوط، فستكون قدرتها التفاوضية مختلفة جذرياً. وهذا هو معنى النصر الاستراتيجي: ليس القضاء على الخصم، بل إجباره على قبول نظام ما بعد الحرب أقرب إلى أهدافك منه إلى أهدافه.
أوديسا قد تحسم قبل أن تسقط
وهذه ربما المفارقة الأهم؛ فقد لا يحتاج بوتين إلى احتلال أوديسا فعلياً. فإذا أصبح احتمال سقوطها مقنعاً بما يكفي، فقد تبدأ الحسابات الغربية بالتغير قبل دخول القوات الروسية إليها؛ فالسياسة تتعامل مع التوقعات بقدر ما تتعامل مع الوقائع. وإذا اقتنعت باريس ولندن وبرلين وواشنطن بأن البدائل هي: التفاوض، أو خسارة أوديسا، أو التدخل المباشر ضد روسيا، فقد يصبح التفاوض أقل الخيارات كلفة. وعندها تكون أوديسا قد أدت وظيفتها الاستراتيجية قبل أن تُحسم عسكرياً.
أوروبا أمام ساعة القرار
ربما يكون أكبر خطأ تستطيع أوروبا ارتكابه الآن هو الاعتقاد بأن الزمن بلا ثمن. فكل سنة إضافية من الحرب تعني أموالاً إضافية لأوكرانيا، وذخائر إضافية، وإعادة تسلح أكبر، وضغوطاً على الميزانيات، واستثمارات مؤجلة في قطاعات أخرى، وحكومات جديدة تأتي إلى السلطة أمام ناخبين يسألون: ما الهدف النهائي؟
وقد وصلت المساعدات الأوروبية بالفعل إلى مستويات تاريخية، فيما تقول المفوضية إن الاتحاد ودوله قدموا أكثر من 220 مليار يورو لأوكرانيا والأوكرانيين منذ بداية الحرب. وهذا دليل على حجم الفاتورة المتراكمة. والحرب لا تحتاج إلى وضع أوروبا «على ركبتيها» اقتصادياً حتى تغير سياستها؛ إذ يكفي أن تصل المجتمعات الأوروبية إلى اللحظة التي يصبح فيها السؤال: هل ما نريد تحقيقه في أوكرانيا يستحق كلفة السنوات المقبلة؟
وهنا تكمن فرصة روسيا. فإذا استطاعت موسكو أن تجمع بين استمرار الاستنزاف وبين تغيير كبير على الأرض، فإنها تستطيع نقل النقاش الأوروبي من: كيف نساعد أوكرانيا على الانتصار؟ إلى: كيف نمنع نتيجة أسوأ؟ وهذا تحول استراتيجي بالغ الأهمية، وأوديسا هي المكان الذي يمكن أن يحدث عنده هذا التحول. فإذا بقيت المدينة أوكرانية، وبقي البحر مفتوحاً، تحتفظ كييف بورقة اقتصادية وجيوسياسية كبرى. أما إذا أصبح سقوطها احتمالاً حقيقياً، فإن كل عاصمة أوروبية ستضطر إلى إعادة حساب الكلفة.
وعندها سيكون على أوروبا أن تختار: إما زيادة مستوى المواجهة والمخاطرة بالاقتراب من صدام مباشر مع روسيا، وإما التفاوض. والخيار الثاني لا يعني بالضرورة قبول كل شروط موسكو، لكنه يعني الاعتراف بحقيقة تاريخية بسيطة: الحروب تنتهي بالمفاوضات عندما يدرك الخصوم أن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من المكاسب الممكنة.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أوروبا واضحة: تفاوضوا قبل أن تتغير الخريطة. فالشروط التي يمكن مناقشتها وأوديسا في يد كييف قد لا تكون هي الشروط نفسها إذا أصبح الجيش الروسي على أبوابها، والسلام الممكن اليوم قد يصبح أكثر كلفة غداً.
أما مستقبل القيادة الأوكرانية، فينبغي أن يُعاد إلى السياسة الأوكرانية الطبيعية بعد الحرب. فإذا دخلت البلاد مرحلة سلام تسمح بانتخابات حرة، فإن الشعب الأوكراني هو الذي يقرر استمرار زيلينسكي أو استبداله. وفرض القيادة من الخارج سيجعل أية تسوية أكثر هشاشة، لا أكثر استقراراً.
أما روسيا، فإن السؤال الذي يواجه بوتين لم يعد فقط: هل يستطيع الجيش الروسي الوصول إلى أوديسا؟ بل: هل يستطيع استخدام أوديسا والزمن والاستنزاف والردع معاً لإجبار الغرب على التفاوض قبل أن تتحول أوروبا إلى قوة عسكرية أكثر استعداداً للمواجهة؟
إذا كان الجواب نعم، فقد لا يكون الطريق إلى النصر الروسي ماراً بكييف، وقد لا يكون ماراً حتى بكل دونباس؛ فقد يكون ماراً بالبحر الأسود. وقد تكون أوديسا، التي بقيت خارج القبضة الروسية في اللحظة الحاسمة عام 2022، هي المدينة التي تستطيع — إذا تغير ميزان القوى حولها — أن تعيد كتابة نهاية الحرب.
عندها لن يكون الإمساك بأوديسا مجرد انتصار في معركة، بل سيكون إمساكاً بجزء كبير من شروط السلام نفسه.
