مشاركة في الجسر التلفزيوني الدولي حول الجرائم المنسوبة لنظام كييف في خيرسون

مشاركة في الجسر التلفزيوني الدولي حول الجرائم المنسوبة لنظام كييف في خيرسون

د. زياد منصور

           أُتيح لي المشاركة في الجسر التلفزيوني الدولي (تيليموست)، الذي نظمه وفد روسيا الاتحادية إلى مفاوضات فيينا بشأن الأمن العسكري والحد من التسلح، بالتعاون مع سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية المكلَّف بمتابعة جرائم نظام كييف، روديون فاليريفيتش ميروشنيك، تحت عنوان: “الجرائم التي يرتكبها نظام كييف: الإرهاب ضد السكان المدنيين في مقاطعة خيرسون”.

وشارك في الفعالية ممثلون عن أكثر من تسعين دولة، وبحضور ما يقارب مئتي مشارك من الدول العربية، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، والكوريتين، ودول الاتحاد السوفييتي السابق، وعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب أعضاء في البرلمانات، وسفراء، وممثلي منظمات حقوقية وإعلامية، وشخصيات أكاديمية وسياسية من مختلف أنحاء العالم.

وهدفت الفعالية إلى عرض ما وصفه المنظمون بالجرائم التي ترتكبها سلطات كييف بحق السكان المدنيين في مقاطعة خيرسون، من خلال تقديم بيانات وإحصاءات وشهادات مباشرة لضحايا وشهود، إلى جانب تقييمات قانونية وسياسية وعسكرية للعمليات الجارية في المقاطعة.

كما هدفت الفعالية إلى عرض الجرائم التي ترتكبها السلطات الأوكرانية في مقاطعة خيرسون، ولا سيما في مناطقها الواقعة على ضفتي نهر دنيبر؛ فالضفة اليسرى (الشرقية) تضم مدنًا رئيسة، من بينها أليوشكي، ونوفا كاخوفكا، وكاخوفكا، وهولا بريستان، وسكادوفسك، وهينيتشيسك، وهي مناطق اكتسبت أهمية استراتيجية كبيرة منذ تحوّل نهر دنيبر إلى خط تماس رئيس بين القوات الروسية والأوكرانية. أما الضفة اليمنى (الغربية)، فتضم مدينة خيرسون، المركز الإداري للمقاطعة، وعددًا من التجمعات السكانية المحيطة بها.

وبحسب المعلومات التي عُرضت خلال الفعالية، تستحوذ مقاطعة خيرسون في الوقت الراهن على نحو ربع الضربات الأوكرانية التي تستهدف، وفقًا للرواية الروسية، منشآت البنية التحتية المدنية الواقعة في المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية. كما يمر خط التماس القتالي مباشرة عبر أراضي المقاطعة، الأمر الذي جعلها إحدى أكثر مناطق الصراع تعرضًا للعمليات العسكرية.

وأكد المتحدثون أن ذلك أتاح، بحسب وصفهم، لسلطات كييف تنفيذ حملة واسعة ضد السكان المدنيين، تمثلت في خلق ظروف معيشية بالغة الصعوبة للمواطنين القاطنين ضمن مدى الأسلحة الأوكرانية، وحرمان السكان الموجودين في المناطق التي لا تزال التشكيلات المسلحة الأوكرانية تسيطر عليها مؤقتًا من عدد من حقوقهم الأساسية، فضلًا عن استهداف البنية التحتية والخدمات العامة، وهو ما شكّل المحور الرئيس للنقاشات والشهادات التي قُدمت خلال أعمال الجسر التلفزيوني.

وركزت الفعالية على إظهار حجم الهجمات التي تنفذها سلطات كييف ضد الأهداف المدنية، مشيرة إلى الاستخدام المكثف للطائرات المسيَّرة والمدفعية في استهداف المناطق السكنية. كما جرى التطرق إلى عدد من الممارسات المتكررة، وفي مقدمتها زرع الألغام عن بُعد في الطرق العامة، ولا سيما في دائرتي أليوشكي وسكادوفسك البلديتين، بهدف عرقلة وصول المواد الغذائية والأدوية والإمدادات الأساسية إلى التجمعات السكانية في مقاطعة خيرسون، إلى جانب إعاقة تقديم الرعاية الطبية للسكان وعرقلة عمل فرق الإنقاذ وخدمات الطوارئ.

وأكدت الفعالية أن جانبًا من الأسلحة المستخدمة في استهداف المدنيين مصدره الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، والتي زُوِّدت بها السلطات الأوكرانية. كما أشارت إلى أن أجهزة التحقيق التابعة للاتحاد الروسي تواصل توثيق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في إقليم نوفوروسيا، تمهيدًا لملاحقة المسؤولين عنها ومحاسبتهم.

ورأى المشاركون أن محاولات الدعاية الأوكرانية والغربية التعتيم على هذه الوقائع تزيد من أهمية إيصال معلومات موثقة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية المختصة، بما يتيح إطلاع الرأي العام على حقيقة ما يجري في مقاطعة خيرسون.

وهدفت الفعالية إلى عرض بيانات وإحصاءات قيل إنها تُنشر للمرة الأولى حول الجرائم المنسوبة إلى التشكيلات المسلحة الأوكرانية بحق المدنيين في مقاطعة خيرسون، إلى جانب استعراض أحدث التطورات في مجال الأمن العسكري، وتقديم أمثلة موثقة على الانتهاكات، مدعومة بشهادات عدد من الضحايا والشهود.

كما تضمن البرنامج عرضًا لحالات الاستخدام المتعمد والعشوائي للأسلحة ضد المدنيين، مع التركيز على الأسلحة التي طُوِّرت وصُنِّعت وزُوِّدت لأوكرانيا من قبل دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الأسلحة التي وصفها المتحدثون بأنها محظورة أو «لا إنسانية».

وقد ألقى خلال هذه الفعالية سفيرُ المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية، المكلَّف بمتابعة جرائم نظام كييف، روديون فاليريفيتش ميروشنيك، كلمةً مطوَّلة تناول فيها نتائج الاستفتاء الذي أُجري في عام 2022، مشيرًا إلى أن أكثر من 80% من المشاركين فيه أيدوا انفصال محافظة خيرسون عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا. كما استعرض حجم عمليات التهجير التي تعرَّض لها سكان المحافظة، إلى جانب أعمال القصف التي تستهدف المناطق المدنية بصورة ممنهجة، معتبرًا إياها ممارسات تنتهك قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن مخالفتها عددًا من المواثيق والمعايير الأوروبية ذات الصلة.

واتهم ميروشنيك وسائل إعلام غربية بتجاهل هذه الوقائع وعدم تسليط الضوء عليها، معتبرًا أن ذلك أسهم في حجب صورة ما يجري في المحافظة عن الرأي العام الدولي. وأشار إلى أن القصف لم يقتصر، بحسب ما عرضه، على الأهداف العسكرية، بل امتد ليشمل الأطفال وكبار السن، فضلًا عن استهداف المحال التجارية، والمدارس، والمؤسسات التعليمية، والمرافق الخدمية، وغيرها من المنشآت المدنية، الأمر الذي خلَّف خسائر بشرية ومادية واسعة، وألقى بظلاله على الحياة اليومية للسكان.

ثم تناول الكلمة محافظ مقاطعة خيرسون، فلاديمير فاسيلييفيتش سالدو، مستعرضًا ما وصفه بحجم الأعمال العدائية التي تنفذها القوات الأوكرانية ضد المقاطعة. وأشار إلى أن ما يقارب 11 ألف منشأة ومرفق عام وخاص قد دُمِّرت في الجزء الشمالي من المقاطعة وحده، معتبرًا أن الهدف من ذلك هو تحقيق «انتصار إعلامي وهمي» لا يغيِّر من الواقع الميداني، في ظل الدعم والتبرير الذي تقدمه وسائل الإعلام الغربية لسياسات كييف.

ووصف سالدو هذه الممارسات بأنها جرائم حرب، مشيرًا إلى أنها شملت استهداف شبكات الاتصالات، ومحطات الكهرباء والمياه، والطرقات والممرات الإنسانية المخصَّصة لإيصال المواد الغذائية والأدوية والإمدادات الأساسية، فضلًا عن زرع الألغام في الطرق العامة، والاستخدام اليومي للطائرات المسيَّرة في تنفيذ الهجمات، بما في ذلك استهداف المحاصيل الزراعية وإحراقها، إلى جانب استهداف الصحفيين والعاملين في القطاع الطبي وسيارات الإسعاف وفرق الإغاثة.

وأضاف أنه، وفقًا للإحصاءات التي عرضها، قُتل منذ بداية النصف الثاني من عام 2026 وحتى تاريخ انعقاد الفعالية 545 مدنيًا، بينهم 20 طفلًا و6 ممرضين، كما أُصيب 20 من العاملين في القطاع الصحي بجروح أثناء أداء مهامهم.

وتوقف سالدو عند الأوضاع التي تعيشها مدينة أليوشكي، مؤكدًا أنها تعاني انقطاعًا شبه كامل للكهرباء، ونقصًا حادًا في المواد الغذائية والغاز والوقود، نتيجة استمرار استهداف البنية التحتية. وأضاف أن ستين جسرًا يربط أجزاء المقاطعة بشبه جزيرة القرم قد دُمِّرت، على حد قوله، بهدف عزل القرم، كما تم تدمير ست مركبات وآليات إطفاء، واستهداف فرق الصيانة العاملة على إصلاح شبكات الكهرباء.

وأشار كذلك إلى ما وصفه بـ«الضربة القاصمة» التي وقعت ليلة رأس السنة، في الأول من كانون الثاني، وأسفرت عن مقتل 33 شخصًا، بينهم 4 أطفال، وإصابة 29 آخرين. وفي ختام حديثه، قارن هذه الممارسات بما ارتكبته القوات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أنها تمثل امتدادًا لسياسات تستهدف المدنيين بصورة مباشرة.

وتطرق كذلك إلى قصف محطة كاخوفكا الكهرومائية والسد المائي وما ترتب عليه من آثار إنسانية وبيئية، مؤكدًا أن الصاروخ الذي استُخدم في الهجوم كان، بحسب قوله، من طراز هيمارس (HIMARS) أمريكي الصنع. وأوضح أن استهداف منشأة تضم قوى خطرة، كالسدود والمحطات الكهرومائية، يُعد، بحسب تفسيره، انتهاكًا لأحكام المادة (56) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تنص على توفير حماية خاصة لهذه المنشآت لما قد يترتب على استهدافها من خسائر جسيمة في صفوف السكان المدنيين. كما اتهم حلف شمال الأطلسي (الناتو) بتوفير المعلومات الاستخبارية والإحداثيات اللازمة لتنفيذ الهجمات، فضلًا عن مواصلة الدعم العسكري والمالي المقدم إلى كييف.

وأكد سالدو أن سلطات المقاطعة تواصل تنفيذ برامج دعم النازحين، والعمل على إيصال المواد الغذائية والأدوية والإمدادات الأساسية إلى المناطق المتضررة، وتعزيز قدرة السكان على الصمود، بما يضمن استمرار الحياة اليومية وإصرار الأهالي على البقاء في مناطقهم رغم الظروف القائمة.

بدورها، أكدت مفوَّضة حقوق الإنسان في روسيا الاتحادية، يانا فاليريفنا لانتراتوفا، أن سلطات كييف تنتهك أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، مستعرضةً جملة من الممارسات التي تُخالف اتفاقيات جنيف وأعراف النزاعات المسلحة. وأشارت إلى أن القوات الأوكرانية تستخدم المدنيين، بمن فيهم النساء، دروعًا بشرية، مؤكدةً أن عدد القتلى المدنيين في مقاطعة خيرسون منذ عام 2014 تجاوز، وفقًا للبيانات التي عرضتها، أربعين ألف شخص.

وانتقدت لانتراتوفا سياسة التمييز التي ينتهجها نظام كييف تجاه سكان المقاطعة، مشيرةً إلى تصريحات نُسبت إلى بعض المسؤولين الأوكرانيين وصفوا فيها سكان خيرسون بـ«النفايات البيولوجية»، حيث قسموا المواطنين إلى فئات «تستحق الحياة» وأخرى «لا تستحقها». وقارنت هذه التصريحات بخطاب وزير الدعاية النازية جوزيف غوبلز، معتبرةً أنها تعكس نهجًا يقوم على نزع الصفة الإنسانية عن الخصم وتبرير استهدافه.

وأضافت أن هذا النهج يفسر أسباب استهداف المدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها من المرافق المدنية، رغم انضمام أوكرانيا إلى اتفاقيات جنيف والتزاماتها القانونية الناشئة عنها. كما انتقدت ما وصفته بازدواجية المعايير الغربية، معتبرًا أن مواقف عدد من الحكومات الغربية تعكس قبولًا ضمنيًا بما يجري، ووصفت جوهر السياسة الأوكرانية بأنه يقوم على “القتل والإبادة”.

بعد ذلك، استمعت الجلسة إلى عدد من الشهادات المباشرة، كان أبرزها شهادة كبير أطباء مدينة أليوشكي، فلاديمير خارلان، الذي أوضح أنه تعرَّض لثلاث محاولات اغتيال، وأُصيب داخل عيادته إثر هجوم بطائرة مسيَّرة أوكرانية، أسفر أيضًا عن مقتل زوجته. وتحدث عن استهداف المؤسسات الطبية والصعوبات التي يواجهها العاملون في القطاع الصحي نتيجة استمرار القصف، مؤكدًا أن سكان خيرسون، بحسب تعبيره، يؤمنون بقدرة روسيا على تحقيق النصر، وأنهم سيواصلون أداء واجبهم رغم المخاطر.

كما استمعت الفعالية إلى شهادات عدد من سكان المقاطعة الذين عرضوا تجاربهم الشخصية، إلى جانب شهادات عدد من الصحفيين الأجانب الذين واكبوا العمليات العسكرية في خيرسون ووثقوا مشاهداتهم الميدانية.

وفي ختام الفعالية، شدد سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية، روديون فاليريفيتش ميروشنيك، على أن الدول الغربية تخلت، بحسب رأيه، عن مبدأ الحياد، مشيرًا إلى أن أوكرانيا كانت قد أعلنت في مراحل سابقة استعدادها للالتزام بهذا المبدأ قبل أن تتراجع عنه. كما تحدث عن حجم الدعم العسكري والمالي الغربي المقدم لكييف، والذي قدَّره بنحو 150 مليار دولار، معتبرًا أن هذا الدعم أسهم في إطالة أمد الحرب واستمرار إراقة الدماء، واتهم الدول الغربية بانتهاك قواعد القانون الدولي من خلال استمرار تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمساعدات العسكرية. واختتم كلمته بالتأكيد على أن روسيا، بحسب تعبيره، تمتلك القدرة على حسم هذه المواجهة وتحقيق أهدافها.

وأعرب عدد من ممثلي وسائل الإعلام وأعضاء لجان حقوق الإنسان المشاركين عن قناعتهم بأن الجسر التلفزيوني (التليموست) يشكل وسيلةً فعالة لكسر الحصار الإعلامي المفروض على ما يجري في مقاطعة خيرسون، وإيصال صورة مباشرة عن الوقائع الغائبة عمدًا عن وسائل الإعلام الغربية. وأكدوا أن خيرسون تحولت، بحسب تقديرهم، إلى إحدى ساحات المواجهة الرئيسة في الصراع، وأن الغرب يسعى إلى توظيفها قاعدةً متقدمة لممارسة الضغوط على روسيا، في ظل تجاهل أو تعتيم مقصود ومتعمد لكل ما يتعرض له سكانها من معاناة إنسانية وانتهاكات، وهو ما يجعل نقل هذه الشهادات والوقائع إلى الرأي العام الدولي ضرورةً إنسانية وإعلامية.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!