سنوات السجن في درب مولاي الشريف
♦ شهادة إنسانية وتاريخية مؤلمة، من ذاكرة سنوات الرصاص بالمغرب… بين طيات هذه الشهادة المؤثرة، لا يكتفي الراوي بسرد وقائع ليلة اختطافه صبيحة 31 غشت 1983 وما تلاها من أيام سوداء في معتقل درب مولاي الشريف، بل يفتح نافذة عميقة على الروح الإنسانية حين تصارع التجريد من الأدمية والقهر المنظم… شهادة تحول الجرح إلى عين ثالثة ترى الحقيقة، وتؤكد أن الأجساد وإن غادرت المعتقلات، فإن الأرواح تظل حارسة للذاكرة كي لا يطال النسيان ما جرى.
خالد بختي
في فجر الحادي والثلاثين من غشت عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين، لم يكن للضوء أن يتسرب بعد من شقوق النوافذ، حين مزق وقع أقدام ثقيلة سكون البيت كأنها تنزع القلب من مكانه. كنت بين اليقظة والحلم أسمع إسمي يتكرر على لسان غير مألوف بنبرة طغيان متأمر. نهضت وفي صدري رجفة لا أعرف مصدرها، كأن كل جوارحي كانت تهمس لي: لا تفتح عينيك فكابوس اليقظة ألعن من كوابيس الأحلام. لكن عيناي فتحت قبل إرادتي، وانفتح معها جرح طويل في الزمن لم يندمل بعد أكثر من أربعين عاما.
أمسكوني من ذراعي كأنهما غصنان يابسان في عاصفة، واقتادوني تحت أول قطرات مطر تنبئ بنهاية الصيف إلى سيارة لا تشبه السيارات، صندوق حديدي يبتلع الأنفاس. وهناك، قبل أن تسدل العصابة السوداء على عيني، رأيت وجها أعرفه يحاول التستر وراء “قب الجلابة”، أو لعلني عرفته في تلك اللحظة كما تعرف الطعنة من الخلف. (م.م) يهوذا الذي يعرف الأبواب والأسماء ومواقيت الخروجِ والدخول والمكر والدسائس… حرفان يكفيان لاختزال كل خيانة عبثت بسكينة أكثر من سبعين أسرة . جلس في زاوية الصندوق الحديدي يتجنب عيني، لكني رأيت فيه ما لا ينسى: وجهَ الغدر حين يرتدي ملامح التقوى والصلاح، ويدا كانت تحسب يوما قريبة ثم انقلبت سكينا في الظهر. لم ينطق حرفا، لكن وجوده كان أقسى من كل الكلمات.. الحمد لله
ثم جاءتِ العصابة السوداء، فلم تكن قطعة قماش فحسب، بل كانت ستارا أسدل بيني وبين العالم، أطفئت به آخر شعلة ضوء في عيني. قالوا لي: من الآن لا اسم لك، أنت رقم تسعة وأربعين. فشعرت أن إسمي الذي حملته كوشم على الروحِ وذبحت له نسيكة بعد مولدي قد ذبح في ساحة لا ترى.
في ذلك المعتقلِ السري، دربِ مولاي شريف، كان للجدران آذان لا تسمع، وللصمتِ لغة لا تفهم إلا بالعذاب. ألبسوني ثيابا خشنة بلون الكاكي، لون الأرض الجافة التي لا تنبت إلا الصبر. منعوني من الكلامِ، فصار صوتي حبيسا في حلقي، يتحول إلى صلاة صامتة في أعماقي. منعوني من الحركة، فتجمدت أطرافي كأنها جذوع شجر اقتلعت من تراب الحياة. منعوني من الابتسام، فماتت الابتسامة في شفتي قبل أن تولد، وصار وجهي قناعا من الشمع البارد. ومنعوني من البصر، فلم أعد أفرق بين النهار والليل، بين جدار وحارس، إلا من خلال وقع الأقدام ورائحة الخوف وهدير القطار بين الفينة والأخرى ولغط أسر الشرطة وعيالهم التي كانت تسكن أعلى سراديب المعتقل.
كان اسم الحراس كلهم واحدا: “الحاج”. ينادون بعضهم بصوت أجش كأنه صدى بئر عميقة: والحاج! خذ الرقم تسعة وأربعين. والحاج! أحكم العصابة على عينيه… أما رئيسهم فكانوا يدعونه “الفقيه”، رجل يقرأ القرآن في الصباح ثم يوزع العذاب في المساء، كأن حروف الذكر على شفتيه لا تلامس أذنيه بالأحرى قلبه الحجري بل وأشد قسوة. كنت أتساءل في وحدتي: لم الحاج والفقيه؟ أي فقه هذا وأي حج هذا الذي يجعل من اسماء تبعث على الرحمة والطمأنينة ستارا للقهر؟
الزمن في المعتقل لا يمشي، بل يزحف كجريح على شوك. الأيام لا تعد بالشمس، بل بعدد صرخات مكتومة في الزنازين، وعدد مرات يفتح فيها باب ليؤخذ إنسان فلا يعود إلا شبحا، وبعدد مناوبات الحجاج على الحراسة. كانوا يمنعون عني كل ما يجعل الإنسان إنسانا: الكلمة، الضحكة، النظر، الحركة. لكنهم لم يمنعوني من شيء واحد: من أن أتنفس الصبر، وأن أخفي في قلبي جمرة لا تطفأ، جمرة الذاكرة التي ظلت تهمس لي في الظلام: أنت لست رقما، أنت اسم، أنت وجه، أنت حكاية لن تموت.
وهكذا، بين العصابة السوداء وثياب الكاكي، بين اسم “الحاج” وقسوة “الفقيه”، وبين ذكرى يهوذا الذي سلمني لجلادي، تعلمت أن الحرية لا ينتزعها السجان من الروح، مهما ألبسوك أرقاما، ومهما سلبوك الضوء. تعلمت أن الإيمان الراسخ ذرع كل مؤمن وتعلمت أن الإنسان الحقيقي يسكن في الأعماق حيث لا تصل إليه الأصفاد، ولا تطفئ العتمة نوره الداخلي. وحين كنت أسمع في الليل صوت مؤذن يرفع الأذان من مسجد مجهول خارج الجدران، كان قلبي يرفرف كطائر مذبوح يحاول الطيران، وأنا أهمس في سري: رب، إن كان لي اسم عندك، فلا تجعله رقما عندهم. وإن كان لي وجه عندك، فلا تتركه تحت العصابة إلى الأبد… لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
مرت سنوات طويلة، وغادرت السجن بجسدي، لكن روحي ما زالت هناك، في درب مولاي شريف، تسمع وقع أقدام الحراس، وترى بعينين معصوبتين كل شيء بوضوح لا يملكه المبصرون. فبعض الجراحِ لا تلتئم، بل تتحول إلى عين ثالثة فاحصة ترى العالم بعمق لا يراه من عاشوا في الضوء. وبعض الأسماء، مهما حاولوا محوها، تظل محفورة في ذاكرةِ الأرض، كأنها شهادة على أن الظلم مهما طال، فإن الحقيقة أطول منه عمرا.
