حرية الإنسان العربي قبل حرية المسرح العربي

حرية الإنسان العربي قبل حرية المسرح العربي

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

       هذه الاحتفالية التي شغلت البلاد والعباد، وأسالت أنهاراً من المداد، هل يعرفون أولاً ما هي، في بنيتها وتركيبتها؟ وكيف هي، في جوهرها وحقيقتها؟ وهل يمكن اختزالها كلها، بما لها وما عليها، في جواب واحد أوحد لا ثاني له؟ وهل يصح أن نقول – مثلاً –  بأن هذه الاحتفالية هي الحكي وحده؟ أو هي التقليد المسرحي وحده؟ أو هي المسرح وحده؟ أو هي الفن وحده، أو هي العلم وحده؟ أو هي الفكر وحده، أو هي الأخلاق وحدها؟ أو هي السياسة وحدها؟

المسرح هو الاحتفال، وفي الاحتفال يحضر الجميع، وتحضر كل اللغات، وتحضر كل الأدوات التي تساعدنا على التفكير والتعبير، وتحضر كل الفنون التي يمكن أن تترجم روح الاحتفال.

وهذا السؤالُ طُرِحَ فعلاً، ولكنه لم يجد له جواباً لحد الآن، وسوف يظل هكذا بلا جواب إلى ما لا نهاية، خصوصاً ونحن نعرف بأن هذه الاحتفالية هي غير ثابتة وغير جامدة وغير مستقرة على حال، وأن الخفي فيها أكثر من الظاهر، وأن الغائب فيها والمغيَّب أكثر من الحاضر، وأنها يمكن أن تتعدد، في القراءات المتعددة، وأنها من الممكن أن تتجدد في المقاربات النقدية الجديدة والمجدِّدة، وبذلك فسيكون من الخطأ أن أقول بوجود احتفالية واحدة ووحيدة، وبوجود احتفالي واحد ووحيد فيها، وأن نصدر في حقهما حكماً واحداً ووحيداً، وأن نقول:

«هذه هي الاحتفالية، ومن يبتغِ غيرهما فلن يُقبل منه».

وبهذا تكون الاحتفالية أفقاً مفتوحاً على كل القراءات، ويكون بنك إمكانياتها غنياً بكل المقترحات، وأن يكون فعل قراءتها فعلاً واحداً، وأن يكون جامداً عند درجة الصفر في القراءة.

أما السؤال الآخر، والذي يمكن الإجابة بسهولة عنه، فهو سؤال: كيف هي الاحتفالية عند الناس؟ وكيف تفاعلوا مع أفكارها؟ وكيف دروسها ودرسوها لطلبتهم؟ وكيف يرى الناس الاحتفاليَّ فيها؟ وكيف قرّبها الناقد المسرحي من قراء المسرح؟ وكيف استطاع أن يفهمها، أو أن لا يفهمها الجمهور المسرحي بشكل خاص؟

ومن الصعب جداً أن تدّعي بأنك تحيط علماً بكل هذه الاحتفالية ومن جميع جوانبها، وأن لا تعرف ما يلي: بأن الأساس في أخلاق الاحتفالي والاحتفالية هو المكر الجميل في الفن، والذي لا علاقة له بالمكر السيئ في أخلاق كثير من الناس، ولهذا فقد أمكن أن نقول بأن الاحتفالي هو وحده أجمل الماكرين، وهو أصدق الماكرين، وهو أشرف الماكرين.

ولعل أهم وأخطر ما يميز المكر الاحتفالي هو أنه يدل على غنى هذه الاحتفالية، والذي يجعلها تظهر بأكثر من وجه واحد، وبأكثر من قناع واحد، وبأكثر من زي مسرحي واحد، وذلك في أكثر من احتفال تنكري واحد..

الاحتفال بين الديني والدنيوي

في حوار مع الاحتفالي عبد الكريم برشيد، أعطته كتابتُه عنوان: (عبد الكريم برشيد رائد المسرح الاحتفالي.. الكاتب والباحث والمخرج)، تقول الإعلامية والفنانة فاطمة أبوناجي في التقديم ما يلي:

«حين تلتقي الكلمة بالمسرح، وحين يمتزج الفكر بالاحتفال، يولد إبداع لا يُحاصر بزمان ولا يُختزل في مكان. إنه مسرح لا يسعى فقط إلى الترفيه، بل إلى إيقاظ الوعي، إلى كشف الأبعاد الخفية للوجود، وإلى ملامسة جوهر الإنسان في أعمق تجلياته الروحية والوجدانية. إنه المسرح الذي لا يكتفي بعرض المشاهد، بل يحوّلها إلى طقس، إلى تجربة تحاكي البدئي فينا، وتستدعي الاحتفال لا بوصفه لحظة فرح عابرة، بل كحالة انبعاث دائم للمعنى من صخب العبث».

وبهذا فإن هذه الاحتفالية هي أوسع وأرحب مما قد يظن البعض، وهي أخطر وأكبر من أن تُختزل في ما يُقرأ في الكتب من أفكار، ولا في ما يمكن أن يُشاهد في المسارح من مشاهد، وهي في المكان أكبر من المكان، وهي في الزمان أرحب من الزمان، لأنها تجربة روحية عابرة للتاريخ والجغرافيا، وعليه فإن ما يهم هذه الاحتفالية، ليس هو أن تُظهر للناس ما هو ظاهر في عيون الناس، ولا هو أن تُعرّفهم بما يعرفونه، لأن المسرح ليس هو ما تفعله أنت، ولكن هو ما نخفيه، والمسرحي مطالب بأن يكون في مسرحه مؤرخاً (لما أهمله التاريخ)، وأن يأخذنا إلى العوالم الخفية التي لم يلتفت إليها الجغرافيون، والتي قد لا يكون لها وجود في الواقع، ولكن لها بالتأكيد وجود في الحقيقة.

وتواصل الذة. فاطمة أبو ناجي التقديم، وتقول بخصوص هذا الحوار:

«في هذا الحوار، ننصت إلى أحد أبرز منظّري المسرح الاحتفالي في المغرب والعالم العربي، رجل لا ينظر إلى المسرح كخشبة وممثلين ونصوص، بل كرحلة داخل الذات، كطقس تطهيري يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الجسد والروح، بين الظاهر والباطن. إنه المسرح الذي يربط المشهدي بالصوفي، ويستدعي التراث لا ليجتره، بل ليعيد إنتاجه بنبض معاصر، بروح تسائل، وتستنطق، وتحاور الأزمنة».

نعم، هذا هو المسرح الاحتفالي، إنه احتفال إنساني شعبي مرة، وهو طقس صوفي مرة أخرى، وبين الديني والدنيوي حوار، وبين الطقس والاحتفال حوار، وبين الفن والفكر حوار، والإنسان فيه ليس مجرد جسد يؤدي حركات رياضية مبهرة، وهو أساساً روح الوجود، وهو روح الحقيقة، وهو روح الحياة، وهو روح التاريخ. ونستمر مع هذا التقديم لنجد أن الذة. فاطمة أبو ناجي تقول لنا:

«لكن المسرح الذي يتحدث عنه ضيفنا ليس مجرد فن يعيد إنتاج نفسه، بل هو مشروع ثقافي حيّ ومتجدد، لا يكرر القوالب التقليدية ولا يقع في اجترار ما سبق. إنه نوع مختلف من المسرح، مسرح يبحث عن آفاق جديدة، عن تجاوز المألوف، عن تجديد مستمر ينسجم مع روح العصر دون أن يفقد جذوره العميقة. المطلوب من المسرح العربي اليوم ألا يظل حبيس الأطر الضيقة، بل أن يكون مشروعًا ثقافيًا عابرًا للحدود، لا يلغي الفروقات المحلية، بل يحتفي بها، ويجعل منها مصدرًا للغنى والتنوع. فالمسرح بطبيعته هو فن الحياة، انعكاس للواقع، لكنه في الوقت ذاته قادر على تجاوزه، والارتقاء به إلى مستوى الفكر والفن والجمال. من هنا، يمكن أن يكون المسرح العربي مشروعًا ثقافيًا موحدًا في رؤيته، لكنه سيظل محكومًا بتنوعه في الأساليب والموضوعات، وفقًا للسياقات المحلية لكل بلد عربي».

وبالتأكيد فإن هذا هو الذي لم يفهمه كثير من نقاد المسرح المغربي والعربي، والذين اعتبروا أن هذه الاحتفالية تجربة في المسرح أو مجرد صيغة في المسرح، وفاتهم أن يعرفوا أنها مشروع نهضوي وحضاري شامل ومتكامل، وأن المسرح فيها هو مجرد جزء صغير في هذا المشروع النهضوي الكبير. وعندما نؤكد على أن المسرح الاحتفالي هو مسرح عابر للحدود، فمعنى ذلك أنه مسرح عابر للقارات وعابر للغات وعابر للأجناس الأدبية والفنية المختلفة، مما يعني أنه مسرح يتعايش فيه الشعر مع النثر، ويلتقي فيه الحكي بالرواية، وتتقاطع فيه جميع الأجناس الجمالية والفكرية المختلفة.

وفي نفس التقديم تقول الذة. فاطمة أبو ناجي:

«في حديثه، يأخذنا ضيفنا إلى عوالم المسرح كفضاء للتحرر من قيود الخطاب الجاهز، إلى المسرح بوصفه مرآة تعكس تناقضات الإنسان، وساحة تنبثق فيها الأسئلة الكبرى حول المصير، الهوية، والكينونة. في كلماته امتداد لصوت الحكيم الذي يرى في المسرح أداة لاستبطان الذات، ومجالًا لاختبار حدود الوعي والجسد، وأفقًا للتحليق نحو جوهر الحقيقة. وهو حوار ليس عن المسرح فحسب، بل عن رؤيا للعالم، عن جدلية الاحتفال والمعاناة، عن الجمال الذي يولد من رحم التناقض، عن المسرح كحالة صوفية تلامس ما وراء الحواس، وتفتح الأبواب نحو عوالم لا تُرى، لكنها تُحَسّ وتُعاش».

المسرح هو الحوار والحوار هو المسرح

وفي الأيام القليلة الأخيرة كتب المسرحي عبد الرحمان الوادي في صفحته على الفيس بوك حوارية جميلة حول موضوعة الفن والحرية في النظرية الاحتفالية، ولقد جمع في هذا الحوار بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، ولقد تبين أن الذكاء الاصطناعي يفهم أساسيات الفلسفة الاحتفالية أكثر مما يعرفها كثير من المنتسبين لمجال هذا المسرح، ولقد كان ضرورياً أن أقول كلمة في حق هذه الحوارية وفي حق كاتبها، ولقد كتبت ما يلي:

«في البدء أقول ما يلي: إن كل ما يكتبه الكاتب المفكر الصادق هو فكر صادق، وإن كل ما يبدعه الفنان الجميل هو فن جميل. ومرة أخرى، أعود لأقول بأن الحياة هي مسرح كبير، وبأن أصدق ما في هذا المسرح هو الحوار، وبأن الحقيقة التي يبحث عنها العلماء والحكماء والمفكرون والفنون موجودة في الحوار، وخارج هذا الحوار الخلاق والبناء، والمؤسس لجماليات المعرفة، فإنه لا وجود إلا للأنانيات المريضة. وما يميز هذا الكاتب المفكر —عبد الرحمان الوادي— هو أنه كثير العطاء، وأنه قليل الكلام، وأنه قارئ جيد لكل ما يُكتب، وأنه دائم الإنصات لنبض الحياة ولنبض الأحياء، وأنه عاشق قديم لكل الفنون الجميلة، ولقد أسعدتني هذه اللوحة الجميلة التي أبدعها، بحس الفنان وبحدس الصوفي، وبعقل المفكر الفيلسوف، والتي وضعها في شكل حوارية من حواريات (الأغورا) الأثينية».

وقبل هذه الكلمة، كنت قد كتبت تعقيباً سريعاً في الفيس بوك على ما كتبه الأستاذ عبد الرحمان الوادي، ولقد سجلت إعجابي بهذا النمط من الكتابة النقدية، والتي أكدتُ دائماً على أنه لا مستقبل للفكر والفن والصناعات الأدبية والجمالية من غير جدل فكري وبغير سجال علمي، وبذلك فقد كتبت في التعليق ما يلي:

«ما أروعك صديقي الفنان والمفكر الأستاذ عبد الرحمان الوادي، وهذه هي الكتابة الحقيقية التي يحتاجها مسرحنا المغربي والعربي اليوم، أي الكتابة التي لها أسئلة، ولها مسائل فكرية وجمالية، ولها إحساس بالواقع، ولها أفق فلسفي تسير باتجاهه. دام لك التألق أيها الكاتب المسرحي الجميل والنبيل».

أما الأستاذ عبد العزيز باحفيظ فقد قال:

«تبقى الاحتفالية أيقونة فنية وفكرية على أن المسرح في تطور مستمر، وفق منظومة جمالية ومعرفية، تتغيا الرفع من ذائقة المتفرّج/الاحتفالي، وتسمو بحركية التلقي الفني، عبر آليات تنظيرية متماسكة، يحركها الاحتفالي الرائد عبد الكريم برشيد بكل جرأة وصمود وتفانٍ، غير عابئ بالغوغائيين، وسماسرة الهدم، وعبدة التحنيط المسرحي…. فالمنظّر الاحتفالي يشتغل في محراث صمت التعييد، والترصيص الجمالي الفكري، معتبراً أن الأجمل هو ما سيأتي، دون التوقف في مسيرة البحث والتنقيب والحفر».

أنبحث عن مسرحنا أم نبحث عنا؟

نعم، نحن نبحث عن مسرحنا، وفي مسرحنا هذا نبحث عنا، ونبحث عن فلسفة مسرحنا، ونقول ونكتب بأنه لا وجود لبحث علمي بدون سؤال علمي، ولا وجود لبحث فكري بدون سؤال فكري، ولا وجود لبحث جمالي بدون سؤال جمالي هو جزء من علم الجمال أو من فلسفة الجمال.

واليوم، نعيد طرح الأسئلة الأساسية والمحورية في هذا الذي نسميه المسرح العربي، ونقول ونكتب ما يلي:

وبخصوص هذا المسرح، والذي هو (مسرحنا) بدون دليل علمي على أنه فعلاً مسرحنا، نقول: هو مسرح عربي على الورق أكثر منه في الواقع، ونفترض أنه مسرح يسير ويمشي، من غير وجود دليل علمي على أنه فعلاً يسير ويمشي، ولو كان فعلاً يمشي ألا يكون مسرح اليوم أحسن وأكثر تطوراً من مسرح الأمس؟

وكيف نفترض أن هذا المسرح يمشي إلى الأمام في حين أنه يمشي إلى الخلف؟

ونواصل فعل الشغب بالسؤال، ونقول ما يلي: وفي أي طريق هو اليوم يسير ويمشي هذا المسرح؟

ونقول – جدلاً-  هو يمشي.. ونحن لا ندري إن كان على أرض صلبة يمشي أم على رمال متحركة؟ وهل هو فعلاً من يمشي، أم أن هذه الأرض التي يقف عليها هي التي تمشي؟

ونعرف أن كل مسرح من مسارح العالم له أرضية فكرية وفلسفية وجمالية يقف عليها، وهل بإمكان علماء المسرح اليوم أن يدلونا على أرضية هذا المسرح، وما هي أسئلته، وما هي رؤيته، وما هي قضاياه، وما هي فتوحاته، وما هي أولوياته، وما هي إضافاته؟

وهل هذا المسرح ذاهب اليوم إلى حيث يريد، أم أن الطريق هو الذي يذهب به إلى حيث يشاء؟ وهل في هذا المسرح إرادة تريد؟ أم أنه لا وجود إلا لوزارات وإدارات ونزعات فردية تريد أن تكون في الواجهة؟

وفي أي اتجاه هو يمشي؟ إلى الأمام أم إلى الخلف؟ وهذا المسرح، والذي هو علم ومعرفة وحكمة، هل يعرف نفسه قبل أن يسعى من أجل أن يعرف كل الناس؟

وهل طرح على نفسه سؤال: (إلى أين يمشي؟). وهل اختار الطريق؟ وهل اختار الرفيق في الطريق؟ وهل يعرف هذا المسرح نقطة وجوده في خارطة الوجود، وأين هو موجود، في مركز هذا المسرح أم على هامشه؟

وهل يُعقل أن يمشي هذا المسرح في طريق لا يعرفه، وأن يمشي بلا خارطة طريق، من غير أن يعرف إلى أين يمشي، ومن غير أن يعرف اتجاه الطريق الذي اختاره، وإلى أين يمكن أن تؤدي؟

وقبل أن يمشي هذا المسرح، فهل هو وجود حقيقي في عالم حقيقي أم أنه انعكاس لوجود خارجي؟ وحتى الظلال يمكن أن تظن نفسها تمشي، وهي لا تعرف شيئاً عن وجود أجساد خارجها هي التي تمشي!

وهذا المسرح العربي، ألا يكون هو الظل؟ ظل التيار المسرحية العالمية، وظل لكبار منظري المسرح، وظل لكبار مخرجي المسرح، وظل التجارب المسرحية التي يعرفها، والتي اعترف بها واقعها، واعترف بها التاريخ، واعترف بها الفكر المسرحي والتجريب المسرحي في العالم؟

وهذا الذي نسميه المسرح العربي اليوم، هل هو جسد حي أم مجرد ظل لأجساد وأرواح مسرحية موجودة خارجه؟

وهذا المسرح هو أساساً مرآة، وفي هذه المرآة يمكن أن نرى أنفسنا، وأن نرى كل الناس، وأن نرى كل العالم، وأن نرى ما كان، وأن نرى ما يكون، وأن نرى ما هو ممكن، ولكن، ما معنى وجود مرآة يمكن أن ترى كل شيء في هذا العالم، من غير أن تكون قادرة على أن ترى نفسها؟

وما معنى وجود مسرح عربي يخاف أن يرى وجهه في المرآة؟ وهل تراه يخاف الحقيقة؟ ومن يكون الذي يخاف هذه الحقيقة؟ ومتى تكون هذه الحقيقة مرعبة؟ وإلى متى يمكن إخفاء ما لا يمكن إخفاؤه؟ وهل يمكن أن نخفي نور الله بالغربال؟

وما معنى وجود مسرح لا يعرف نفسه، ولا يحاور نفسه، ولا يخالف نفسه، ولا يتحدى نفسه، ولا يتجاوز نفسه، ولا يحاسب نفسه، ولا يسائل نفسه؟

هذا المسرح هو اليوم مجرد تمثيل، وهو لم يبلغ بعد درجة أن يكون مؤسسة علمية وفكرية وجمالية وتعليمية وتربوية متكاملة، وهو بهذا شكل بلا روح، وهو جسد بلا عقل يفكر، وهو بلا وجدان حي وبدون روح.

نحن والتبعية المزدوجة

وفي معنى هذه التبعية المزدوجة أقول ما يلي: بأن المسرحي العربي يعاني من تبعيتين اثنتين وليس من تبعية واحدة، أي من تبعية الداخل، والتي تمثلها إدارة المدير مع وزارة الوزير، كما يعاني من تبعية الخارج، والتي يمثلها النموذج المسرحي الغربي، والذي له وجود في المسرح العربي من خلال من يقتبسه، ومن خلال من يستنسخه، ولم تجد له من يحاوره فكرياً وعلمياً وجمالياً، وأن يكون الحوار قائماً على الندية وعلى التكافؤ.

وفي حوار الأستاذة فاطمة أبو ناجي يرد السؤال التالي:

«- في ضوء رؤيتكم للمسرح كاحتفالٍ بالحياة وكسرٍ للنمطية التقليدية، هل تعتقدون أن المسرح العربي استطاع أن يتحرر فعلاً من قوالب المسرح الغربي، أم أنه لا يزال عالقاً بين محاكاة الآخر والبحث عن هوية مستقلة؟».

وفي الجواب يقول الاحتفالي ما يلي:

«من بين مطالب الاحتفالية، منذ بدايتها الأولى، ما سمته بفعل تعريب المسرح العربي، وما سمته بفعل تحرير المسرح بالإنسان الحر، وتحرير الإنسان بالمسرح الحر. وأنه ما دمنا لم نتمكن من التحرر من عقدة “الخواجة” فسنظل نتبع ولا نبدع، ونكرر ونجتر الموجود، من غير أن نبدع مسرحاً جديداً، برؤية مسرحية جديدة هو الطموح المشروع. هو الذي كان خلف تأسيس جماعة المسرح الاحتفالي سنة 1979 بمدينة مراكش، والتي ضمت في عضويتهاكلاً من الكاتب والمخرج والممثل والممثلة والمنظر الفكري والمؤرخ والناقد المسرحي. ولقد راهنا على أن يكون ذلك الحدث التاريخي منطلقاً لكل ما جاء بعده، أي أن يصبح فعل تأسيس جديد للمسرح المغربي والعربي الجديد، وهذا ما تحقق بنجاح بفضل مجموعة من المناضلين الاحتفاليين الذين مارسوا، وعلى امتداد نصف قرن، فعل التأسيس وفعل إعادة التأسيس، ومارسوا فعل التجديد وفعل إعادة التجديد».

ومسرحٌ هو شكل بلا مضمون فكري، وبلا رسالة، هل هو فعلاً مسرح؟

قد ندخل التقنيات الحديثة في بعض المسرحيات، وتكون بذلك مدهشة ومبهرة، ونعرف أن الانبهار لا يدوم طويلاً، وأنه ينطفئ سريعاً، وكل ما ينطفئ سريعاً في المسرح لا يمكن أن يكون هو المسرح، والذي هو فن خالد، وأن عمره هو نفس عمر الإنسان ونفس عمر الحياة ونفس عمر السؤال الإنساني في الوجود.

ويقول الاحتفالي: «لا معلم في الحياة يمكن أن يكون أحسن من الحياة»، وأنه لا أصدق من تجربة الصادقين في حياتنا الصادقة، وفي حياة كل الناس الآخرين، والتي يمكن أن تكون درساً، وإلا فما معنى هذا المسرح الذي يعرض علينا تجارب الإنسان في كل زمان ومكان؟

هذا الحكي.. أليس له معنى؟ وهذا السرد أليس له معنى؟ وهذه المحاكاة أليس لها معنى؟ وهذه الأسئلة الوجودية والفكرية والاجتماعية، أليس لها في هذا المسرح معنى؟ وهذا الحفر في وجدان ومخيال الإنسان أليس له معنى؟

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!