أنا أحلم إذن فأنا موجود
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
في البدء كان الكائن الاحتفالي (الخام)، هكذا قلنا ونقول دائما، عاريا كان هذا الاحتفالي الحالم إلا من نرجسيته السعيدة، والتي يمكن ترجمتها في حقل الكلام إلى كلمة (أنا) والتي قد ترتقي حتى تصبح في درجة (النحن) الجماعية، وتكون مجتمعا سعيدا، وما أجمل أن توجد الأنا السعيدة في المجتمع الإنساني والمدني السعيد. وعاريا كان هذا الاحتفالي، إلا من حب الحياة ومن عشق الوجود ومن عشق الموجودات ومن فضوله الفطري في أن يعرف، وأن تكون معرفته في خدمة الناس، وفي خدمة الحق والحقيقة، وفي خدمة الجمال والكمال. لقد كان ذلك الاحتفالي، وما يزال، كائنا إنسانيا مشاء، مهنته في الوجود هي أن يكون له فقط وجود، وأن يكون بوجوده معنى، وأن يكون أمام المسائل متسائلا، وأن يكون أمام المرايا متعددا، وأن يكون في الأيام والليالي القديمة جديدا ومتجددا. وهو أن يتحرك في هذا الكون المتحرك، وأن يكون له محرك بداخله، وأن يحيا الحياة بطاقته الحيوية المتجددة التي بداخله، ولست أدري كيف تعلم هذا الاحتفالي فن الحلم، وفي أي مدرسة تعلم علم الحياة، وقد يكون وقد أدرك كل شيء جميل من ساحات وأسواق مواسم هذا المغرب الجميل. وهذا الذي نسميه الحلم ماذا يمكن أن نسميه سوى أنه نافذة الروح؟ وأصدق كل الأجساد والأرواح هي التي لها نوافذ مفتوحة على الأرض والسماء، ومفتوحة في وجه الهواء، والذي يمكن أن يأتي من كل الجهات، من الشرق ومن الغرب ومن الشمال والجنوب، وأسعد كل السعداء هو الذي في رأسه شرفة عالية يطل منها العقل الخفي على مظاهر هذا العالم الظاهر.
في البدء إذن كان العشق، وأجمل وأصدق كل الأحلام هي أحلام العاشقين، ونعرف أن الأحلام ليس لها دائما نفس القامة ونفس الوزن، ولذلك نقول (على قدر أهل الحلم تأتي الأحلام) على وزن (على قدر أهل العزم تأتي العزائم): لأبي الطيب المتنبي، ونؤكد أن الكبار تكون أحلامهم كبيرة، وأن الحالمين الأحرار تكون أحلامهم حرة، وأن الحالمين العقلاء تكون أحلامهم عاقلة. يقول مولانا جلال الدين الرومي: (كل عشق يبدأ كسطر في قصة حلم.. ثم يصبح بدرا أبديا) وكذلك هو العشق الاحتفالي في الحلم الاحتفالي، كان سطرا صغيرا في قصة كبيرة، أو في ملحمة وجودية كبيرة. وفي هذا الحلم الاحتفالي (شيء كثير من الجرأة ومن التحدي، وفيه شيء غير قليل من التخطي ومن التجاوز ومن الارتقاء إلى الأبعد وإلى الأعلى، وفيه جرعة قوية من السكر الواعي ومن العربدة الفكرية والإبداعية، وفيه شيء من الانفلات من اليومي، ومن المادي، ومن الواقعي الجامد، وتؤكد الاحتفالية على أن هذا الواقع اليومي هو مجرد وجه واحد من وجوه الحقيقة المتعددة والمتنوعة والزئبقية والماكرة، ويبقى الجانب الآخر الخفي من الحقيقة ممنوعا ومقموعا، ويظل في حاجة متجددة إلى حلم الحالمين وإلى قراءة العرافين، وإلى نبوءة المتنبئين، وإلى بصيرة المستبصرين، وهذا ما حاولنا أن نقوم به في حلمنا الاحتفالي الكبير، والذي استمر لحد الآن خمسين سنة وما زال في بداياته الأولى). كان عهدنا بالحلم أن ينتهي بانتهاء الليل، وهذا هو حال الأفراد الحالمين، ولكن حلم الشعوب والأمم التي تهوى الحياة والحيوية، وتعشق الإنسان والإنسان، وتحب الجمال والجمالية، هل يمكن أن ينتهي بانتهاء ليلة صيف أو بانتهاء ليلة خريف؟
الحلم العاقل والعقل الحالم
في هذا الحلم قال الاحتفالي كثيرا من الكلام، وقد أثث فضاء كتابته بالكثير من الصفحات البيضاء، والتي أنطقها المداد كلاما، وبين الكلام والكلام يوجد كلام، ويوجد شيء كثير من الصمت الناطق أيضا، والذي يحتاج اليوم لمن يحسن قراءة فقه الصمت، وفي هذا المعنى يقول مولانا جلال الدين الرومي: “الشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، لا يمكن إدراكه إلا بالصمت”. وبالحلم العاقل وبالعقل الحالم وحدهما أصبح هذا الكائن الاحتفالي إنسانا، كامل الإنسانية، ولقد تمكن من أن يعرف نفسه، وأن يحدد موقعه في الواقع، وأن يرتقي إلى درجة الإنسانية الحق، وبوجود طاقة خلاقة، داخل هذا الحلم الاحتفالي الخلاق، استحق هذا الكائن الاحتفالي أن يكون مختلفا ومتميزا عن كل الحيوانات الأخرى، وبذلك فقد (أصبح من حقه أن يكون كائنا مدنيا حالما، وأن يكون في حلمه حرا، وأن يكون مسافرا، وأن يكون عالما، وأن يكون غنيا، وأن يكون شاعرا، وأن يكون عرافا ومتنبئا، وأن يكون جميلا، كامل الإنسانية وأن يكون قويا)، وأن تكون قوته قوة ناعمة (وأن يكون في متخيله الحلمي أكبر من جسده المادي، وأن يكون بشطحاته الإبداعية أكبر من واقعه اليومي المحدود والمسدود) وبهذا فقد كان أهم ما يميز الإنسان الاحتفالي، في المجتمع الاحتفالي، وفي الزمان الاحتفالي، هو (أنه كائن حالم ومتحرر بالضرورة، ولقد أدرك دائما بأن الحق في الحلم هو أصدق وأجمل وأنبل كل الحقوق، وبهذا فقد كان ضروريا أن يكون هذا الاحتفالي الحالم شاعرا في حلمه، وأن يكون عرافا ومتنبئا في رؤيته ورؤاه، وأن يمد بصره وبصيرته إلى الآفاق البعيدة جدا، وأن يرحل بحلمه إلى العوالم الغريبة والعجيبة والمثيرة والمدهشة، والحلم وحده هو الآلية الداخلية الكبيرة والخطيرة التي تنتج الصور الممكنة الوجود، وهو الذي يؤسس العوالم الأخرى الجديدة، أما الزمن، فهو هذا الفضاء المفتوح الذي يسع كل الأحلام وكل الخيالات وكل الصور وكل الهذيان الإبداعي الخلاق). ونحن نقول اليوم، تماما كما قلنا بالأمس، بأن هذه الحياة ما هي إلا حلم حالمين، وإذا كان لكل واحد منا، في هذه الحياة، حقيقته الخاصة، كما يقول الكاتب المسرحي الإيطالي لويجي بيرانديللو في مسرحيته (ست شخصيات تبحث عن مؤلف)، فإن لكل واحد منا أيضا حلمه الخاص، ونعرف أن أحلام الناس ليست دائما بنفس المقاس، وهي بهذا أكبر في الأرواح الكبيرة، وهي أصغر في الأرواح الصغيرة، وهي صادقة في المراحل التاريخية الصادقة، وهي كاذبة ومزيفة في كثير من المراحل التاريخية الكاذبة والمزيفة. والحلم الاحتفالي، بالنسبة للمواطن الاحتفالي، في الوطن الاحتفالي، هو بالضرورة لسان حال لاوعيه الباطن، وهو بهذا لا يقول مع التحليل النفسي بأن هذا الحلم هو تعبير عن مكبوتات، ولا يقول مع السياسيين هو تعبير عن طموحات، ولكنه يقول مع الصوفيين بأنه عشق الأعلى وعشق الأغلى وعشق الأغنى وعشق الأبقى وعشق الأجمل وعشق الأكمل وعشق الأنبل وعشق المتعالي. وفي الواقع اليومي لا نحيا بشكل حقيقي، وإنما فقط نتمثل بأننا نحيا، ونحن ملزمون بأن نكون كما يراد لنا أن نكون، وأن ننظر إلى المرآة قبل أن نلقى الناس، وأن نحرص على أن نظهر للناس بالمظهر الذي يرضي الناس، ولكنه في أحلامنا نكون صادقين، مع أنفسنا، لأننا نكون متحررين من المواضعات الاجتماعية ومتحررين من الضرورات ومن الممنوعات ومن المحرمات ومن الإملاءات البرانية. وبحسب غاستون باشلار فإن الحلم يكسب الحالم أصالة متفردة خارج الزمن الواقعي، وبهذا فقد كانت المجتمعات التي لا تحلم، هي مجتمعات بلا ملامح تميزها، وكانت بلا ذاكرة، وكانت بلا خيال. والاحتفالي لم يعش الحلم، باعتباره عالما موازيا لهذا العالم الواقعي، ولكنه عاشه باعتبار أنه هو وحده العالم الحقيقي، الكائن والممكن معا، وأن العالم الواقعي مطالب بأن يكون في مستوى أحلام العلماء، وأن يكون في مستوى أحلام الشعراء، وأن يكون في مستوى أحلام الحكماء، وأن يكون في مستوى أحلام العارفين والعرافين، وفي مستوى أحلام الأنبياء والأتقياء والأصفياء. ومرة أخرى يمكن أن نؤكد، إن كان الأمر يحتاج فعلا إلى تأكيد، بأن أحلام المبدعين الخلاقين، في حياتنا اليومية، ليست بلا معنى، وأن ما نسميه أحلام اليقظة، في حياة الشعراء هو شعر، وأن أحلام اليقظة، في حياة العلماء، هو علم، وأن أحلام اليقظة، في حياة المسرحيين، هو مسرح بالضرورة، وأن أحلام اليقظة، في حياة السياسيين المصلحين، هو نبوءة سياسية أو هو فكر سياسي أو هو علم سياسي. ونعرف أن هذا الواقع ضيق، وأن مساحاته محددة، وأن مسافاته محدودة، وفي المقابل، فإن الحلم في حياة العباقرة، في المجالات الأدبية والفكرية والعلمية والسياسية والصناعية، له فضاءات ومساحات وممكنات لا محدودة ولا نهائية. وهذا الواقع، في حياتنا اليومية، ومهما بلغ من الغنى ومن الرقي، فإنه يظل واقعا فقيرا، ويظل في حاجة دائمة إلى أحلام الحالمين فيه، من أجل أن يصبح واقعا غنيا، وهذا هو دور الشعراء والحكماء، وهو دور الفنانين ودور المفكرين ودور المكتشفين ودور المخترعين. وأعلى درجة في الحلم، هو أن يكون حلم شعب، أو يكون حلم أمة، أو يكون حلم مرحلة في التاريخ، أو يكون حلم الإنسان والإنسانية في كل مكان وزمان.
في حياة الأحياء ما زال الحلم ممكنا
وفي ضوء هذا المعنى، فقد انطلق هذا الإنسان الاحتفالي من درجة البدء المؤسس للوجود، وفضل أن يشتغل بفعل الحفر التأسيسي، وأن يبدأ من تربة هذه الأرض، وأن يوجد اللاموجود بعد ذلك، وأن يكون كل ما في هذا الكون ممكنا، وأن يصل بحلمه المشروع إلى عتبة المحال، وأن يطرق الأواب المغلقة، وأن ينظر إلى الأعلى دائما، وأن يعشق الأبعد والأسمى، وألا يلتفت إلى الخلف إلا.. في مرآة نفسه وروحه، وأن يكون متفائلا بالضرورة، إيمانا منه بأن الأجمل والأكمل هو ما يمكن أن يكون غدا، أو في يوم من الأيام، والتي قد تأتي أو لا تأتي، ولعل هذا هو ما جعل هذا الاحتفالي مخاطرا ومغامرا بالضرورة، وجعله شاهدا على الحقيقة الغائبة والمغيبة، وجعله شهيدها في نفس الآن. والحلم الاحتفالي هو أساسا صورة، وهو الصورة وما وراء الصورة، وهو معنى الصورة أيضا، ومن طبيعة هذه الصورة أنها غير مادية، وأنها ليست سلعة في سوق، وكانت قيمة رمزية عابرة لكل المسافات، وبهذا فقد كانت أكبر من المكان، وكانت أسرع من الزمان وكانت، في غرائبيتها وعجائبيتها فوق واقعية، وقد تكون كل أجزائها من هذا الواقع اليومي والتاريخي، ولكنها مركبة تركيبا احتفاليا وعيديا جديدا، وهي بهذا لا يمكن أن تكون إلا صورة سريالية في بنيتها العميقة الخفية. واليوم، قد تكون خرائط الإنسان وخرائط الحياة وخرائط التمدن الحضاري، قد فقدت شيئا كثيرا من مصداقيتها ومن بريقها، ومن جمالياتها، ولكن مع ذلك تبقى ثقتنا في الإنسان، وفي عبقرية الإنسان، وفي مستقبل الإنسان، ثابتة وراسخة وقوية، كما كانت دائما، ولعل هذا هو ما يجعل ذلك الاحتفالي الذي بداخلنا يقول ما يلي: ــ ما زال الحلم ممكنا. ــ وما زال السؤال في هذا الحلم ممكنا. ــ وما زال فعل التفكير، في هذا الواقع المركب والمعقد والغامض والملتبس ممكنا. ــ وما زال وجود العقل في جنون هذا العالم ممكنا. ــ وما زال الاحتجاج بصوت مرتفع ممكنا. ــ وما زال الشغب الطفولي، في هذا العالم الذي أدركته الشيخوخة المبكرة، ممكنا، وما زال الإبداع الفكري والجمالي ممكنا. ولولا هذه الثقة في حلمنا، ما كان ممكنا أن نظل على قيد الحياة، وعلى قيد مسرح الحياة، لحد هذا اليوم. ونحن انطلقنا، في هذا الحلم الاحتفالي الجماعي (من المسلمة التالية، وهي أنه لا يمكن تجاوز أي شيء، أو الانتقال إلى أية فكرة جديدة، أو إلى أي فعل جديد، إلا بعد وجود هذا الشيء أولا، وبعد تأسيس هذه الفكرة أولا، وبعد تحقيق هذا الفعل ثانيا، وهذا ما جعلنا نبدأ مسارنا الفكري والجمالي بالتأسيس أولا، إيمانا منا بأنه لا معنى للتجديد التجريبي إن لم يكن تجديدا لشيء موجود بالفعل، ولهذا يكون من الغريب العجيب أن نجد اليوم أنفسنا أمام الصورة السريالية التالية: ــ إن من يتحدث أكثر عن (ما بعد الدراما) هو الذي لم يؤسس بعد الدراما، والذي قد لا يعرف معنى الدراما، ولا يعرف أن بنيتها متحركة، وأنها متجددة في الأزمان المتجددة وفي الثقافات واللغات المسرحية المتجددة. ــ وأن من يتحدث في كتاباته عن (ما بعد الحداثة) هو دائما ذلك الذي لم يدرك بعد درجة الحداثة، سواء في حياته اليومية، أو في أفكاره، أو في سلوكه، أو في إبداعاته الجمالية. ــ وأن من يتحدث كثيرا، في المنتديات وفي الملتقيات وفي المهرجانات كثيرا عن (الدراما البديلة) هو أول من لا يعرف معنى (الدراما البديلة) وهي بديلة لأي شيء؟ وهل هناك فن حقيقي يمكن أن يكون بديلا لأي فن آخر؟ وإذا كان ابن رشد قد قال (الحق لا يضاد الحق) فإن الاحتفالية تقول بأن الجمال لا يضاد الجمال، وبأنه لا وجود لأية تجربة وجودية إبداعية حقيقية يمكن أن تكون بديلا لغيرها من التجارب، ومن هذا المعنى انطلقنا، ليكون حلمنا الاحتفالي جزءا أساسيا وحيويا من الحلم الإنساني والكوني العام).
الأحلام الحرة في المجتمعات الحرة
وهذا العالم اليوم هو فوضى غير منظمة، وهو فوضى غير مرتبة ترتيبا منطقيا، والتفاهة فيه تسبق النباهة، والعبث فيه يسبق الجد والجدية، والحمق فيه يسبق العقل والعقلانية، والهامشي فيه يسبق الأساسي، وهو بهذا عالم به أعطاب كثيرة، وإن أعطابه تحتاج إلى إصلاح، وتحتاج إلى تصحيح، وتحتاج إلى إعادة ترتيب، وإعادة تركيب، وإعادة بناء وإعادة تأسيس. ولعل أسوأ شيء، بالنسبة لمن يعشق الجمال والاكتمال، في الناس، وفي المعاني، وفي الأشياء، وفي العلاقات، وفي البنيات، وفي المؤسسات، هو أن يكتفي بأن يكون في مسرح الوجود متفرجا فقط، وأن يكون شاهدا فقط، وأن يكون أصم، وأن يكون أخرس، وأن يكون أبكم، وبذلك ينطبق عليه قول أبي الطيب المتنبي: وما انتفاع أخي الدنيا بناظره * إذا استوت عنده الأنوار والظلم. في هذا الواقع التاريخي ظهرت الاحتفالية، وذلك في وطن مغربي اختار الحرية في كل شيء، في السياسة، وفي العمل النقابي، وفي العمل الجمعوي، وفي الفعل الفكري والجمالي، ولقد رسخ هذه الحرية ومأسسها في ظهير الحريات العامة لسنتي 1957 وسنة 1958. في هذا المناخ الثقافي المغربي الحر، أكدت الاحتفالية على الحق في الحرية، أي حرية أن تحلم كما تشاء، وبما تشاء، وأن يكون حلمك مشروعا، وأن يكون في خدمة الإنسان، وفي خدمة الحياة، وفي خدمة التمدن وفي خدمة الجمال، وفي خدمة الكمال، وفي خدمة المجتمع، وفي خدمة الحق والحقيقة، وفي خدمة الصدق والمصداقية وفي خدمة القيم الإنسانية، في بعدها المحلي والإقليمي وفي بعدها الكوني أيضا. حلمنا الاحتفالي إذن لم يأت من فراغ، ولكنه كان جزءا من حرية المجتمع المغربي ككل، وبذلك فقد كان هذا الحلم حرية فكرية وجمالية، رافقت حرية الأحزاب المغربية في التعدد والاختلاف، ورافقت حرية النقابات المغربية، ورافقت حرية الجمعيات الثقافية والفنية والاجتماعية المغربية، ولولا هذا المناخ الثقافي العام، والذي هو مناخ الحرية ومناخ التحرر، ومناخ الاستقلالية، ما كان لهذه الاحتفالية وجود في التاريخ وفي الجغرافيا، ولما كان لها امتداد شرقا وغربا، وفي مختلف فضاءات الزمان وفي مختلف مساحات المكان. وهذا الاحتفالي المؤمن بحقه في التأسيس، وإعادة التأسيس، هو الذي سبق وقال (هناك إذن حقيقة غائبة، ولكنها بالتأكيد موجودة، إن لم يكن ذلك هنا، فهي هناك، وإن لم تكن حاضرة في هذا اليوم، فهي حاضرة في الآتي من الزمن، وقد آمنا دائما بأن كل آت قريب، وبأن ما نمشي باتجاهه لا بد أن ندركه، ورددنا مع النفري قوله على لسان الحق: “القرب الذي تعرفه مسافة.. والبعد الذي تعرفه مسافة.. وأنا القريب البعيد بلا مسافة”). وأجمل ما يقوم به الحلم، في حياة الأفراد والجماعات هو أن يقرب البعيد، وأن يبعد القريب، وأن يؤنسن الوحشي، وأن يؤسس المشاهدات المدهشة، وذلك في واقع يومي فقد القدرة على الإدهاش وعلى صناعة الجمال الغريب والعجيب. هذا الحلم الاحتفالي إذن، كان إضافة فكرية وجمالية وأخلاقية، هكذا أردناه أن يكون في معناه الحقيقي، وليس هكذا تم تفسيره وترجمته وتأويله، وما كتبته الاحتفالية ليس هو نفسه ما قرأه كثير من نقاد المسرح، سواء في المغرب أو في العالم العربي، وأعتقد أن هذه الاحتفالية ليست مسئولة عن تخلف جزء كبير من هذا النقد المسرحي العربي، والذي صعب عليه أن يقرأ الاحتفالية داخل شرطها التاريخي، وداخل سياقاتها، والذي فاته أن يتمثل هذا الحلم (الصغير) في إطار المشروع العربي النهضوي الكبير والخطير.
