صورة وذكرى مع عائشة مكي.. صُحفية المهمشين

صورة وذكرى مع عائشة مكي.. صُحفية المهمشين

المصطفى اجْماهْري

      في مطلع السبعينيات، كنت صحفياً شاباً في الإذاعة والتلفزة المغربية بالرباط (RTM)، أعمل جنباً إلى جنب مع رواد المؤسسة المخضرمين، أمثال الطاهر العربي، وبديعة ريان، ولطيفة الفاسي، والطيب الإدريسي، ومصطفى العلوي، وغيرهم كثيرين. وبعد تلك التجربة الأولية في هيئة التحرير المركزية بالرباط، طلبتُ الانتقال إلى المحطة الجهوية في عين الشق بالدار البيضاء. وهناك، تحديداً في عام 1975، حظيت بشرف العمل مع المدير الجهوي الراحل محمد الماجدولي، ونظراً للنقص الحاد في الكوادر الصحفية، كان يكلفني غالباً بإنجاز التقارير الميدانية الخارجية.

وخلال إحدى تلك المهام الميدانية، التقيت -من بين شخصيات عديدة- بالراحلة عائشة مكي، تلك الصحفية التي اكتسبت شهرة واسعة على الصعيد الوطني بفضل زواياها الصحفية التي تناولت قضايا المحاكم والمشاكل الاجتماعية. كان ذلك بمناسبة زيارة صحفية لمطار محمد الخامس الدولي، حيث نظمتْ شركة بوينغ عرضاً لطائرة جديدة دعتْ إليه الصحفيين والمراسلين. كانت الطائرة التي تصدرتْ لوحات العرض والمجسم الخلفي هي طائرة بوينغ 747. وحين لاحظتْ عائشة أنني وجه جديد وسط مجموعة الصحفيين القدامى الذين كانت تعرفهم مسبقاً، بادرتْ بالاقتراب مني وأخبرتني بلطف أنها هي أيضاً بدأت مسارها المهني في مقر الإذاعة والتلفزة بالرباط، وأنها كانت على معرفة بجميع قدامى الدار.

كانت عائشة مكي آنذاك صحفية شابة لا تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، وتتمتع بثقافة عامة واسعة، بل يمكنني القول إن جميع الإعلاميين في تلك الحقبة كانوا يشتركون في هذه المعرفة المتنوعة. وتجدر الإشارة إلى أنها لم تكن قد أطلقت بعد زاويتها الشهيرة في صفحات جريدة “لوبينيون” في ذلك العام إذ لم يتحقق ذلك إلا في شهر أكتوبر من عام 1977.

كانت عائشة صحفية شغوفة بالمعرفة، تتمتع بإنسانية عميقة، تماماً كما تظهر في هذه الصورة التذكارية التي أقف فيها بينها وبين المصور الراحل في الإذاعة والتلفزة المغربية، محمد الصادقي مكوار. وعلى يساري كان يقف أيضاً الصحفي في جريدة “لوماتان”، عباس شرادي، وهو مخضرم آخر استهل مسيرته المهنية في صحيفة “لو بوتي ماروكان”. وفي ذلك اليوم، كان هنري زيميل -الذي ينتمي للصحيفة ذاتها- حاضراً أيضاً، وكذلك المصور البيضاوي ميلود كدار.

                لكن بعيداً عن هذه الأجواء الاجتماعية، لم يكن الكثيرون يدركون الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تعاني منها عائشة، لا سيما في أواخر الثمانينيات. ورغم أنها عاشت -حتى وفاتها المأساوية وحيدةً في مايو 1992- في حالة من العوز المدقع داخل شقة تفتقر إلى الماء والكهرباء، إلا أنها ظلت تناضل بلا هوادة ضد التفاوتات الاجتماعية والمعاناة الإنسانية.

                ولدتْ عائشة مكي -واسمها الأصلي رقية فتحة- في مدينة تازة مطلع الخمسينيات، ونشأت في كنف أسرة متواضعة، حيث طبعت طفولتها ظروف صعبة في حي كاريير سنترال بالدار البيضاء، قبل أن تتابع دراستها في اللغة الفرنسية بجامعة محمد الخامس. وبعد بدايتها المهنية في الإذاعة والتلفزة بالرباط، التحقتْ في منتصف السبعينيات بصحيفة “لوبينيون” الناطقة بالفرنسية، حيث عملتْ من مكتب الدار البيضاء.

                وفي أكتوبر 1977، بدأتْ بنشر زاويتها الشهيرة “على هامش المجتمع” (Au ban de la société)، تلتها لاحقاً زاوية “المجتمع والعدالة” (Société et Justice). وسرعان ما أصبحت مقالاتها -التي كُتبت في خضم سنوات الرصاص- موعداً لا غنى عنه للقراء ذوي الذائقة الرفيعة، بمن فيهم المؤرخ عبد الله العروي والسياسي ميشيل جوبير، فقد كان الجميع يبحث فيها عن نبض المغرب الحقيقي، بعيداً عن الزخارف اللفظية والخطابات الأكاديمية المتعالية.

لطالما حدثني الصحفي مصطفى أبو عباد الله -الذي كان يعمل في صحيفة “لوماتان”- عن عائشة مكي بعبارات ملؤها التقدير والإشادة. فقد رافقها في أروقة محاكم الدار البيضاء، حيث كان كلاهما يتردد لتغطية الجلسات القضائية التي كانت تحرص هي على حضورها بانتظام. ومع ذلك، لم تكن تغطياتها تقتصر على الأجواء الرسمية الصامتة لقاعات المحاكم وما تشهده من مواقف درامية، بل كانت تخوض غمار العمل الميداني، متوغلةً في صميم الأحياء الشعبية والمجمعات السكنية الحضرية.

تُعد عائشة مكي رائدةً مطلقةً في مجال تغطية الحوادث والجرائم في المغرب، وكانت واحدةً من النساء القلائل اللواتي نجحن في فرض أنفسهن في هذا الميدان الذي كان حكراً على الرجال. لم تكتفِ كتاباتها بسرد تفاصيل التحقيقات الأمنية، بل عمدتْ إلى تشريح السياق الاجتماعي ورصد مظاهر البؤس، مسلطةً الضوء على أوضاع الفئات الأكثر هشاشة -من ممتهنات الدعارة ومدمني المخدرات- فضلاً عن تناولها لمآسي قتل النساء وجرائم العاطفة.

ويندرج المسار المهني لعائشة مكي -الذي خصّه الأديب عبد الجليل الحجمري بتحية تقدير مؤثرة بعد رحيلها، وذلك في كتابه الصادر عام 2001 بعنوان “ابكي يا عائشة، مقالاتكِ الضائعة” (Pleure Aïcha, tes chroniques égarées)- ضمن ذلك التقليد المغربي الغني للصحافة القائمة على الشهادة الحية والتوثيق الميداني.

شارك هذا الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!